في مناهضة التعذيب

كشف معتقلو حراك الريف خلال جلسات الإستماع إليهم الماراطونية داخل القاعة السابعة بمحكمة الجنايات بالدار البيضاء عن بشاعة التعذيب الذي تعرضوا له. وحكوا عن تفاصيل مرعبة ومروعة مما مورس عليهم من تعذيب منذ إختطافهم.
وما كشف عنه المعتقلون يؤكد أن لا شيئا جوهريا قد تغير في أقبية وعقلية أجهزة الإعتقال والتحقيق، بما في ذلك لقب “الحاج”الذي ينادي به المحققون بعضهم البعض. كما يفضح تهافتِ الخطاب الرسمي الذي يتم الترويج له حتى من لدن المسؤولين على مؤسسات دستورية ووزارية يفترض فيهم الجهر بالحق والإنتصار لحقوق الإنسان والوقوف بحزم ضد إنتهاكها تحت أي مبرر كان، حين يدعي ذلك الخطاب بأن التعذيب بالمغرب لم يعد أسلوبا ممنهجا، وكأنه يريد أن يصدق الرأي العام بأن التنكيل بالمواطنين خلال إلقاء القبض عليهم وإنهاكهم بالضرب والسب، وممارسة كل أشكال التعنيف عليهم، أثناء إحتجازهم، حد نتف شعر الذقن وتكسير الأسنان وفلق الرأس والضرب العشوائي على مختلف مناطق الجسد والإغتصاب بإدخال العصي والأصابع قي الدبر وما خفي كان أفضع، بأن كل ذلك ليس تعذيبا ممنهجا. فهل إلى هذا الحد يُراد لنا أن نتطبّع مع التعذيب بمجرد الإدعاء بإسقاط صفة الممنهج عنه؟ مع أن الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والبرتوكول الإختياري المرفق بها يتحدثان عن مناهضة التعذيب من أبسط تجلياته إلى أبشعها، لأن ممارسة التعذيب ولو في حدوده الدنيا يظل أسلوبا ممنهجا ما دام الهدف منه هو إهانة الكرامة الإنسانية والإنتقام ونزع الإعترفات بالقوة والإكراه البدني والنفسي. وبالتالي فإن الإدعاء بأن التعذيب الذي مورس في حق معتقلي حراك الريف هو تعذيب غير ممنهج ما هو إلا تبرير للتعذيب ووقوف بجانب الجلاد ضد الضحية، وهو ما يجعله تعذيبا إضافيا، وقد يكون أكثر قسوة على نفسية ضحية التعذيب.
فقد عرفت تلك الإتفاقية الدولية في مادتها الأولى التعذيب كما يلي: “لأغراض هذه الاتفاقية،يقصد ‘بالتعذيب ‘ أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل إرتكبه أو يشتبه في أنه إرتكبه هو أو شخص ثالث أوتخويفه أو إرغامه هو أو أى شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها”.
ولأن المغرب قد وقع على هذه الإتفاقية كما وقع على البروتوكول المرفق بها، فإنه مطالب أخلاقيا وقانونيا بالإلتزام بروح الوثيقتين التي تتجسد في منع التعذيب وتجريمه وإتخاذ التدابير الصارمة لمناهضته والوقاية منه تشريعيا وإداريا وقضائيا، وهو ملزم على وجه التحديد بالمادة الثالث 13 من الإتفاقية التي نصها:
” تضمن كل دولة طرف [ في الإتفاقية] لأى فرد يدعى بأنه قد تعرض للتعذيب في أى إقليم يخضع لولايتها القضائية، الحق في أن يرفع شكوى إلى سلطاتها المختصة وفي أن تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة. وينبغى إتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حماية مقدم الشكوى والشهود من كافة أنواع المعاملة السيئة أو التخويف نتيجة لشكواه أو لأى أدلة تقدم”.
لقد صادق المغرب على البرتوكول الإختياري يوم 26 ماي 2011. وينص في المادة 17:
“تستبقـي كل دولة طرف أو تعيّن أو تنشئ، في غضون فترة أقصاها سنة واحدة بعد بدء نفاذ هذا البروتوكول أو التصديق عليه أو الانضمام إليه، آلية وقائية وطنية مستقلة واحدة أو أكثر لمنع التعذيب على المستوى المحلي. والآليات المنشأة بواسطة وحدات لا مركزية يمكن تعيينها آليات وقائية وطنية لأغراض هذا البروتوكول إذا كان نشاطها متفقا مع ما ينص عليه من أحكام”.
فما مصير الآليات الوقائية الوطنية من التعذيب بعد مرور سبع سنوات على ذلك التوقيع؟
لماذا لم يتم الإسراع في خلق تلك الآليات رغم إستنفاذ كل مسوغات تأجيل تشكيلها؟ وفِي كل الأحوال، إن خلق الآليات الوقائية الوطنية من التعذيب هو التحدي الذي على الدولة مواجهته بجرأة إن شاءت أن تكون منسجمة مع نفسها ومع إلتزاماتها أمام المنتظم الدولي. أما أن يظل المسؤولون الحكوميون والمجالسيون يطلون علينا، كلما إشتكى مواطن من تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة، ليرددوا كلاما لا يقول شيئا ولا يؤسس للمستقبل، ولا يهدف إلا إلى الإستمرار في تجاهل واقع التعذيب والدفاع عما بني على ذلك التعذيب من محاضر وتهم ومحاكمات فهو العبث بالمواطن والوطن بعينه.
وقد كان كل هذا الحديث عن التعذيب سنتجنبه لو أخذت المحكمة بعين الإعتبار مرافعات دفاع المعتقلين السياسيين أثناء الدفوعات الشكلية وكذا التقرير الطبي الذي أمر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بإجرائه في حق معتقلي حراك الريف، لو لم يدفع ممثل النيابة العامة في إتجاه تجاهل ذلك التقرير، بدعوى أنه ليس وثيقة رسمية مع ما في ذلك من مس في مصداقية المؤسسة الدستورية التي أشرفت عليه. إذ لو تم ذلك لأُبطل ملف محاكمة معتقلي حراك الريف برمته.
فمتى يُبطل هذا الملف الباطل أصلا؟ ليعود المعتقلون إلى أحضان أهلهم وريفهم، علما أنه كلما تأخر إبطاله كلما إزداد بطلانا. فالأجدر به هو التعجيل بإسقاطه ليسمو الإنسان والوطن وبسموهما تسمو الدولة في سماء الحرية والكرامة الإنسانية.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.