في ذكرى 20 فبراير هل تزال مبررات الاحتجاج قـائمـة؟؟

     تحل ذكرى 20 من فبراير لهذه السنة ،وقد طوينا ثلاث سنوات خلف ظهورنا، هي التي تفصل بيننا وبين ولادة الحركة المرتبطة بهذا التاريخ، والتي تحمل نفس الإسم..ثلاث سنوات عجاف طوال لم تأتين بما ينفع الناس ،بل على العكس من ذلك،كان أهم سماتها التراجع والتردّي الخطير على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات.. لقد كان ظهور حركة 20 فبراير كتعبير عن الاستياء الشعبي من سوء تدبير الشأن العام من قبل الطبقة السياسية المتقادمة ،التي أضحى وجودها غير مرغوب فيه،بحكم احتكارها للعمل السياسي والحزبي طيلة عقود ما بعد الاستقلال ..

   تعود ذكرى 20 فبراير وقد جرب المغاربة حكم الإسلاميين “المعتدلين” بعد وعود معسولة ، وخطابات حالمة ،ساهمت بشكل كبير في تكريس خيبة أمل المغاربة ومضاعفة شعورهم بالخُذلان والاستصغار من طرف الذين قفزوا إلى السلطة على أكتاف المواطن البسيط ،الذي استبشر خيرا بوصولهم إلى الحكم ،وبنى نتيجة لذلك أحلاما ، لطالما راودته في العيش الكريم كإنسان حُـرّ كامل الإنسانية.

    فبعد مضي ثلاث سنوات على الحراك الشعبي للعشرين من فبراير، هل يمكن الحديث عن تغيير أو تحول ما ؟ وهل بالفعل تلاشت الحركة التي ارتبط ظهورها بالـ 20 من فبراير ،أم أن شروط استمرارها وعودتها لا تزال قائمة كما تشير إلى ذلك الكثير من الدراسات ؟؟ .

      إذا نظرنا الى العوامل الموضوعية يمكننا أن يقول بكل ثقة: إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم تزدد إلا تدهورا واحتقانا، بل إن هناك من الباحثين و الفاعلين السياسيين من يذهب الى أن المغرب يعرف تراجعا على جميع المستويات الى ما قبل 20 فبراير 2011،سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الحقوقي أوعلى مستوى الحريات العامة والممارسة الديمقراطية بمفهومها الشامل المتعارف عليه عالميا..

   وبالتالي فإن عوامل نشأة حركة 20 فبراير الاحتجاجية،لا تزال قائمة إن لم نقل ،أنها أضحت أكثر بروزا ووضوحا،بفعل ما آلت إليه الأوضاع نتيجة السياسات الحكومية المترنحة ذات اليمين وذات الشمال..ونتيجة التسلط والانفراد بالقرارات المصيرية التي تهم المواطن ،ونتيجة تغوّل الفساد ،الذي خلق جيوبا جديدة إضافة إلى مواقعه القديمة،لكن هذه المرة ،تحت حراسة وحماية الذين انتخبهم الشعب الكادح لحمايته من التماسيح و العفاريت.

  لا يكاد يختلف اثنان حول سوء الأوضاع بالمغرب على جميع الأصعدة وبدون استثناء، فاقتصاد البلاد المريض لم يبرح مكانه ،بل تردّى إلى ما دون ذلك أيضا،وها هي خزينة الدولة أضحت فارغة،ولن يعود بمقدورها مستقبلا الاستمرار في إرشاء الطبقات المتواطئة الصامتة والمستفيدة من سياسة واقتصاد الريع. وأمام الإعلان الصريح للسيد رئيس الحكومة عن عجزه الفاضح في محاربة الفساد والمفسدين من التماسيح و العفاريت،فإنه لم يعد بإمكانه للتغطية على نواقص السياسات اللاوطنية لحكومته،سوى توجيه نيرانه صوب المواطن البسيط الذي هو في عرف الحكومة والباطرونا الحلقة الأضعف،ومحاربته في لقمة عيشه وقوته اليومي،وليتحمل تبعات السياسات الحكومية  الفاشلة ، بل وليطلب السيد رئيس الحكومة ـ دون استحياء ـ من الناس البسطاء التحمل أكثر ،والصبر على الحكومة ،وإعطائها المزيد من الوقت ،لتُبدع في كيفية إلهاب جيوب المواطنين أكثر فأكثر،والتفكير في كيفية ابتزاز المواطنين واستخلاص الجبايات التي مافتأت تتعاظم،فيما يتهرب ويمتنع ذات التماسيح والعفاريت عن دفع ما في ذمتهم للدولة،بل يطلع علينا السيد رئيس الحكومة الموقر بسماحته التي تجاوزت الحدود ـ طبعا مع التماسيح ـ ويعلن عن قولته الشهيرة” عفا الله عما سلف” ،في خطوة اعتبرها المراقبون أول إشارات التطبيع مع الفساد .

    أما على الصعيد الاجتماعي،الذي تغنّى به السيد رئيس الحكومة وجوقته كثيرا،فقد أكدت المؤشرات الحكومية نفسها أن الأوضاع الاجتماعية لعموم المغاربة ،تسير من سيئ إلى أسوء، وها هي نسبة البطالة ترتفع هذا العام 2014إلى 9.8 بدلا من 9.1 لعام 2013 حسب ما أعلنت عنه المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب، وذلك على خلفية تباطؤ نمو الاقتصاد ،ما يؤدي بالضرورة إلى تراجع القدرة الشرائية لجميع الفئات الاجتماعية،بل حتى بعض الفئات التي كانت بالأمس في مأمن من تداعيات الأزمة،أضحت ترفع أصواتها اليوم ،للتعبير عن عدم ارتياحها من الوضع الراهن..

  وإذا ما نظرنا إلى مجال الحريات ،فقد كانت الحصيلة أكثر إيلاما وأكثر هزالة..فإعلامنا العمومي والخاص لا يزال لم يجد الطريق إلى التحرير والتحرر والدمقرطة الموعودة،بل لا يزال أسيرا في يد براثين أجهزة الدولـة العميقة ،التي تحتكر المجال السمعي البصري، بدلا من جعله في متناول جميع التيارات الفكرية والسياسية، و انفتاحه على النضالات الشعبية، والقطع مع الأساليب القديمة التي ثار ضدها المغاربة في 20 من فبراير، والعمل على رفع كل المضايقات عن حرية الصحافة وحرية التظاهر السلمي وكل أشكال التعبير الفكري والفني..

  في ذكراها الثالثة،تحُـلُّ العشرين من فبراير ،وقد تبدّدت كل آمال المغاربة في جعل غدهم أفضل من يومهم وأمسهم،غـدٌ يجعل من الإنسان محور كل السياسات الاقتصادية والمشاريع التنموية،ومن سعادته ورفاهيته وكرامته غاية كل عملية ديمقراطية حقيقية..تحلّ الذكرى وقد اقتنع معظم المغاربة أن الدولة بكل أجهزتها الظاهرة و الباطنة قد أوهمتهم بالإصلاح وعوّمت مطالبهم وآمالهم ،وفعل الحزب الحاكم الآن نفس الشيء،مفوتا على المغرب والمغاربة فرصة تاريخية لا تعوض،ومخلفا مع التغيير والتحرر موعدا هاما ،ربما لن يتكرر في القريب المنظور..وسيسجل التاريخ ،وكذلك الذاكرة الجمعية للمغاربة ـ بكل أسى ـ من كان له اليد الطولى في إجهاض الحراك الشبابي المغربي ،ومن عمل على ذلك ،تنفيدا لأجندات مخزنية واضحة،مقابل الاستفادة من هامش بسيط من “السلطة” والامتيازات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.