fbpx

في ذكرى بلقايدي علي..فما سُميتَ علياً إلاّ ليظل صوتكَ عالياً

تُعيد “أنوال بريس” نشر مرثية عمرها 25 سنة، مرثية خطّها الأستاذ محمد الزياني في حق احدى زنابق النضال الطلابي والجماهيري زمن سنوات الرصاص، الشهيد علي بلقايدي (لعشير)، الطالب القاعدي المنحدر من الحسيمة، رفيق العمال وصديق الفلاحين وأنيس البحّارة، بلقايدي الذي اختطفته يد المنون جراء مضاعفات همجية “درب مولاهم الشريف”، ثم بعد ذلك قساوة سجن “عين قادوس” الذي توسّد برودته في ليالي فاس الباردة، معتقلاً بتهمة “حب الفقراء والكادحين”…
خرج بلقايدي من السجن يجّر وراءه آلام التعذيب والمرض، لكنه لم يستكن ولم يستسلم لقدره، حمل نعشه على كتفه، وعلى الكتف الاخر حمل نبض العمال والفلاحين والفقراء، فراح يذرع هوامش الوطن، متضامنا مع أبنائه الكادحين، ينقل معاناتهم ويحشد لهم الدعم، ويحثّهم على الصمود .. إلى أن ترجّل من دروب الوجود، ليعتلي مدارج الخلود، في أفئدة المعذبين في الأرض…

بمناسبة دنو الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل الشهيد بلقايدي علي، ارتأى الاستاذ محمد الزياني اعادة نشر المرثية على “أنوال بريس” بعد أن سبق أن نُشرت ورقياً في عدد 1551 من جريدة “أنوال” ليوم 3 دجنبر 1994…

نص المرثية:

أما يزال بوعاء اللغة التحسرية وتعابير المرثيات ما يسعفنا على المزيد من النهل والاغتراف لإطفاء مرارة جراحاتنا المتلاحقة، بعد كل هذا الإعصار الغرائبي الذي اجتاح ذواتنا ملقيا بها في دوامة الغياب السرمدي مشكلا بذلك مراسيم افتتاح الموسم الجنائزي الجديد، في تماه مع الموسم الاجتماعي الجديد.

لم يجف بعد، مداد التعازي المتبادلة بين أحباء واصدقاء الفقيد بركات/ الشاعر حتى انغرست طعنة اخرى في ذات الجرح لتزيده نزيفاً وألماً، ويعلو صراخنا حدّ الفناء في ذات بلقايدي علي..

هكذا اصطفّت ذوات النعي بمحاذاة جدار الغياب، منهكة القوى بثقل معاناة الزمن الخائب ..وتكون انت يا “لعشير” محكوماً بدفء العشيرة وسط رفاقك وأصدقائك الهاتفين وراء نعشك “من الحسيمة طلعت شهادة، رفيقنا الغالي بلقايدي علي ” و”يا لعشير رتاحرتاح سنواصل الكفاح ” و… أيكفيك ترانيم هذا العهد لترتكن، للأبد، إلى الصمت فينا؟ أيكفي احتضان قضيتك من لدن لجنتك لتنزوي أنت وراء هذه الغمامة القاتمة التي وهبتَ حياتك فداءً لإضاءة سوادها واستجلاء صفائها ؟

غلاف نشرة الشهيد التي كانت تصدرها لجنة رفاق واصدقاء بلقايدي علي

فهؤلاء أبناء جلدتك حاموا حول جثتك النحيلة، وتشابكت السواعد وتلهفت الأيادي ممزقة نعشك ليفوز الكل بحقه فيك! ولتنغرس من ثمة، نبراساً في المواقع الأمامية لنضال شعب هذا الوطن الذي رششت فضاء مستقبله بعطر مصداقيتك وشرف استشهادك..فلا خوف على روحك التي لم تكد لتغيب عنا هنا والآن، حتى انبثقت مشاعلا تضيء قمم جبال الريف ومسالك الأطلس هناك ..فمن جبل العروي مرورا بثَازْروطْ ندهارنمسعوذ إلى جبل عوام …كنتَ الحاضر الثابت في الكشف عن بواطنها …ألست الشهيد الشاهد على مآسي عمال جبل عوام في اعتصامهم التاريخي؟ ألست من حاولت الانغراس وسط حِمم النار والحديد في قلب معامل صوناصيد؟ وأنت الطالب الذي اعتنقته الجامعة وامتصّته مآسي العمال البسطاء ممن داومتَ على مؤانستهم ومقاسمتهم وجبات شظف عيشهم ضمن الخيام المجاورة …ومن الجامعة إلى مواقع مختلفة لإبلاغ وصيتك الأخيرة!… وأنت تجوب غمار المحنة لم تحد أبدا عن تبشير أبناء جلدتك بحتمية انبلاج الصبح الموعود..

لم يكتنفك اليأس ولم ينل من عزيمتك وأنت تتدحرج بين فكوك الذئاب ! فمنذ لقاءك الأول ب”الجلاد الذي أنهكه الزعيق وزخرفة الوشم على مفاصلك التعباء” وأنت تكابد أعاصير المرض المنغرس في بنيتك المنهوشة بأنياب الحقد وساديته مضافة للرطوبة وسموم الجدران الممتدة إلى عصور الهمجية البائدة ..والتي أبت ألآ تجد مقرا لعفونتها إلاك!  ومع ذلك فلم تبال ولم تستشعر والداء يلتهم دواخلك..فقط لأن صوتا نبيلا منبعثا من أعماق هذا الوطن كان يناديك..صوت الكادحين والمحرومين …صوت رفاقك هنا وهناك، إنه الصوت عينه الباعث على ديناميتك المفرطة وأنت تحاول التحكم في الزمن وترتيبه وفق تراتبية مواقعك المتقاربة /المتباعدة .

نعم، فباليقين التام ستدرك عائلة رفيقك الشهيد حمزاوي مصطفى يوما،  سرّ انوجادك بجوارها على مدار اربعينية فلذة كبدها …ستدرك بانك كنت تنقّب وتبحث في خبايا القضية والجنازة عن أسرار ووصايا هي التي ستحملها إليه وانت تعانقه اليوم في برج التضحية والفداء ..برج ستمتزجان فيه بأرواح من سبقكما إلى نقش أسمائهم السندسية بالأظافر على جدران “الدرب اللعين” الحمراء باحمرار دمائهم العذراء:  زروال، رحال، سعيدة المنبهي، التهاني و عبد السلام المؤدن حتى ..فكن نبيها في إبلاغ الوصية/الأمانة و”معهم حيث هم”، حاضرهم في مواضيع شتى مما ظل قارا على صدرك في صورة شيء من حتى: ..الديمقراطية ..حقوق الإنسان ..قوارب الموت …المجتمع المدني …و… هي محاور أنتم زارعو بذورها في زمن يكون قد ولى ومضى .. فكن في مستوى الرسالة يقظاً مسكوناً بما عهدناه فيك من قلق التساؤل والتجوال..مسترخصاً أناك سبيلاً للإنصات لسواك..اختلف ولا تتخلف عن اللحاق بالركب محمولاً على بساط الشهادة ..بساط سيظل يكسونا بظلاله في المسير الطويل والكفاح المرير في المصانع والمزارع والحقول ..

فتحية إليكم أجمعين في هذه الذكرى الأربعين.

محمد الزياني 14/11/1994

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.