في دحض أوهام الإنقسامية وعقلية المغالطات

نشر موقع أنفاس بريس يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 مقالا للأستاذ محمد المرابط تحت عنوان: هل يحمل تحامل المحدالي على التدموري دلالة “سياسية” في معادلة حراك الريف؟
وهو عنوان غريب يفصح عن خلفية غير بريئة تحكمت في صاحبه تتهمني بالتحايل على الدكتور عبد الوهاب التدموري وأشياء أخرى أخطر مضمرة في العنوان ومعلن عنها في المقال.
وأحب أن أعلن هنا إلى أن رغبتي في الرد كانت قد بدأت تخفت رغم صعوبة أن يسكت الواحد عن إستهدافه بالباطل من طرف أي كان. وذلك من منطلق أننا نعيش في وضع يحتم علينا نكران الذات والإنكباب على القضايا الكبرى التي تستدعي توجيه كل طاقتنا وتفكيرنا وإمكانياتنا للدفاع عنها ومواجهة تحدياتها. لكن ما أقنعني بضرورة الرد هو التقديم المغرض الذي ذيل به موقع أنفاس بريس إعادة نشر تدوينة الأستاذ جمال أمزيان واتهامه بأنه “يدشن الانقسامية بين نخبة الريف بشأن الحراك!”، وادعاء صاحب التقديم أن مقال محمد المرابط موضوع النقاش يقدم “قراءة نسقية لتحصين نخبة الريف من آفة السب والتخوين التي تنخر الجسد الريفي بالمهجر”. هكذا!! وبكل سنطحة.
يبدو المقال ظاهريا على أنه ينتقد ظاهرة الإنقسامية والصراعات الهامشية بين نخب الريف بالداخل والشتات، لكنه عمليا يختلقها ويذكيها بالسعي الحثيث لتبريرها وافتعالها. وما كنا سنعيب على كاتب المقال منطلقاته واستنتاجاته لو تحرى الدقة والموضوعية وإستند على معطيات وقرائن متينة وليس الإكتفاء بنزع التدوينات من سياقاتها وربط أصحابها بمواقف وأطراف وصراعات لا علاقة لهم بها، ثم الإدعاء الواهي بأن الأمر يتعلق “بقراءة نسقية”. فإذا ما كانت النسقية هي ما يحكم هذا المقال فإن ما شيدته الإنسانية عبر تاريخها من أنساق معرفية ومنهجية هي باطلة .
ولا بأس من تنبيه الأستاذ المرابط وغيره، إلى مخاطر الركون إلى مفاهيم الأنثربولوجيا الإستعمارية في مسعاهم لقراءة المجتمع المغربي. لأن ذلك يعد عائقا أمام الفهم، خاصة وأن تلك المفاهيم وما ينتج عنها من نظريات تخترقها نزعة استعمارية إمبربالية مدمرة للآخر المختلف. وحتى وإن كانت تلك النظريات بما فيها النظرية الإنقسامية ساهمت في دراسة المجتمعات التقليدية، فإن التحولات التي عرفتها تلك المجتمعات وما عاشته من صدمات دمرت بنياتها ونظمها وأقحمتها قسرا في مسارات التحديث المصطنع دون أن يُسمح لها بالإنخراط بشكل فاعل ومبدع في مشروع الحداثة بموجباتها المتلاحقة، كل هذا يضع التركة المفاهيمية للأنتربولوجيا الإستعمارية موضع مساءلة وخلخلة. والإستمرار في اجترار تلك المفاهيم يعبر عن فقر في المعرفة وفي آليات إنتاجها وليس العكس.
وعطفا على الحراك، فإنه كحدث تاريخي مزلزل ومحدد للمستقبل يستدعي اجتراح مفاهيم جديدة لدراسته بجدية، ولا فائدة ترجى من أية قراءة له تاسره في مفاهيم وقوالب جاهزة وجامدة. فالحراك منذ انطلاقه وهو غير قابل للإنقسام والتقسيم والمقاسمة، لأنه ما كان حراكا إلا لأنه حرك الفواصل المصطنعة التي كانت تفصل بين الناس وتجعلهم مجرد متفرجين على مشاهد طحنهم ماديا ورمزيا فرادى وجماعات. إن الحراك يضم ولا يُذوّب، إنه مجال للتعايش بين الذوات الفردية والجماعية على اختلاف توجهاتها في ملحمة الإنتفاضة السلمية والواعية من أجل الكرامة والحرية والعدالة ومن أجل تحقيق الملف المطلبي. وقوة الحراك تكمن في تنوعه الخلاق الذي يسمو به ليصير سمفونية الحرية فيها تتناغم الإرادات وتنسجم الذوات وهي تصدح في أرجاء الوجود إنشادًا لا يُرد عما ينشده، مهما تكن التضحيات.
ولأن الحراك يحدث في التاريخ وعلى الأرض فهذا بعني أنه ليس مثاليا بالمطلق وأنه شاء أم أبى له نواقصه وأخطاؤه، وذكاؤه الجماعي يكمن في قدرته على تحويل مكامن ضعفه إلى مصدر قوة، وكم كان الحراك ولا يزال بارعا في ذلك. وتاريخ الريف يعلمنا أن الريفيين وهم في أتعس حالات التناحر والصراع والتشرذم يقدمون للعالم دروسا في الاتحاد والتضامن وفِي صنع الملاحم الجماعية. وذاك ما يقومون به الآن هنا وهناك رغم داء التخوين وسوء تدبيرهم لاختلافهم. واصطفاف كل الذوات الحراكية جنبا إلى جنب في تحدي نيل ناصر الزفزافي لجائزة ساخاروف لحرية التعبير وحقوق الإنسان هو أحد تلك الدروس.
وعودة إلى موضوعنا، فلعل الزلة الكبرى التي وقع فيها صاحب المقال هو اعتماده على تدوينة وحيدة لي عابرة وقصيرة ليستخلص العجب العجاب منها، في حين كان المفروض فيه تصفح ما أنشره على صفحتي الفايسبوكية وفِي بعض المواقع الإليكترونية ليُكون فكرة أوضح عن مواقفي وآرائي بشأن قضية الريف بحراكه ومعتقليه وتاريخه وبشأن مختلف قضايا الوطن. والأكثر من ذلك تحريف موضوع التدوينة وتأويلها بشكل تعسفي لا منطقي على أنها رفض لهذه المبادرة أو تلك، وهذا ما لا أساس له لا في التدوينة ولا في الواقع.
وبخصوص إقحام تدوينة الأستاذ جمال أمزيان في الموضوع، وتقديمها على أنها عتاب لي على تدوينتي، فليس لي ما أقوله بصددها بعدما نشر الأستاذ جمال تدوينتين توضيحيتين يُبرأ فيها نفسه من إقحامه في موضوع لا يعنيه. وبالمناسبة أحيي الأستاذ جمال إمزيان على جرأته وإنتصاره للحق، وتلك إحدى شيمه التي لم ولن تثنيه عنها الأهوال التي عايشها، بل إن محنته في الوجود قوت فيه تلك الشيم النبيلة النادرة في زمننا. ومن منطلق إنساني مبدئي بعيد عن كل اصطفاف وتخندق أعلن تضامني المطلق مع الأستاذ جمال أمزيان وأستنكر الحملات التشويشية الجبانة التي تستهدفه بدون مبرر، وأدعو إلى إحترام خياراته وقراراته وزهده الحكيم عن إغراءات الحياة وإغواء السلطة والشهرة.
وكان قد سبق لي أن كتبت تعليقا على صفحتي الفايسبوكية ردا على تعليق أحد الأصدقاء على تدوينتي القصيرة والعامة التي جعل منها صاحب المقال شماعة لبث إفتراءاته. وهذا أهم ما ورد فيه:
” كم بودي أن أكون فعلا أخطأت الوصف والحكم في التدوينة [ …].
أما بخصوص “نكران الواقع” و”ما قام به الإطار الذي لا يمكن لأي كان نكرانه”، فلا أرى علاقته بالتدوينة التي تحلق في ما هو عام مشخصة وضعا تاريخيا نعيشه بإطاراته وذواته وأفعاله وانفعالاته. وذلك التشخيص يُلح على معطى أساسي وهو الطابع المرضي المركب لوضعنا التاريخي هذا.
وبالتالي فأنا لا أقصد إطارا بعينه ولا شخصا بذاته ولا حالة بعينها، مع أن التدوينة قد تكون كتبت انطلاقا من إلماعات التفاعل مع وقائع ما، وإنما أقصد الكل المجتمعي في مرحلة من تاريخه، وأي إطار وجد نفسه في التدوينة فذلك شأنه وليس شأني […]
فأزمة إطاراتنا القاتلة تكمن، أول ما تكمن، في آفة البيروقراطية وتمجيد الإطار وقادته حد القداسة ورفض التفكير النقدي، وغياب الفعالية. مع التنبيه إلى أنني لا أعني هنا إطارا محددا، وإنما أعني كل من ينطبق عليه ذلك التوصيف”. انتهى التعليق. ولو انتبه الأستاذ المرابط لتعليقي هذا لوجد نفسه في غنى عن تحمل مشاق كتابة مقاله.
وبعد ذلك، عمد صاحب المقال إلى إقحامي في تدوينة للدكتور عبد الوهاب التدموري التي قدمها على أنها ردا قويا عليَّ. وبعودتي إلى التدوينة المقصودة لم أَجِد فيها ما يعنيني ويخصني، فهي تتحدث بشكل عام عن تفاعل القرّاء والمهتمين مع مواقفه ورؤيته. يثني فيها على ما اعتبره نقدا بناءا ويتهجّم على من يعتبرهم الحاقدين عليه، ويكيل لهم ما يكيل.
وبالتالي لا أَجِد نفسي معنيا بتدوينة التدموري التي اعتبرها صاحب المقال موجهة لشخصي. وإذا ما كان الدكتور التدموري متفقا مع محمد المرابط في فهمه لتدوينته فإني ألتمس منه تأكيد ذلك والذهاب بعيدا في بيان حقيقة الإدعاءات التي يوهم صاحب المقال أنها تعنيني.
ما هو واضح في المقال ومجانب للصواب أيضا هو أن صاحبه لا يستهدفني في شخصي فقط وإنما يستهدف أيضا جمعية ثافرا للوفاء والتضامن لعائلات معتقلي الحراك الشعبي بالريف، من خلال إقحامها عنوة في هذا الصراع الذي لا يوجد إلا في مخيلة صاحب المقال، وتقديمها كما لو أنها ضد المبادرات المطروحة لحل قضية معتقلي حراك الريف.
علما أن الجمعية لها أجهزتها ولها ناطق باسمها الذي هو رئيسها، بالإضافة إلى أنها تعبر عن مواقفها في بياناتها وبلاغاتها. وهي كجمعية لعائلات معتقلي الحراك الشعبي بالريف ليس لها إلا أن تكون مع أية مبادرة جادة تريد المساهمة في إيجاد مخرج لأزمة الريف على قاعدة إطلاق سراح كافة معتقلي حراك الريف وتحقيق مطالبهم وصيانة كرامتهم، مع أن المسألة ليست مسألة طرح مبادرات فقط، رغم أهمية ذلك، وإنما المسألة هي كيف يمكن ترجمة تلك المبادرات وتحقيقها عبر قرن أية مبادرة بخطة عملية لتفعيلها وإلا كان مصيرها أدراج المكاتب وغبار الزمان.
وبشكل تعسفي وخارج أي سياق ربط الأستاذ محمد المرابط بين تدوينتي وإضراب ناصر الزفزافي الأخير عن الطعام، وادعائه أن الأمر يتعلق بالتشويش على الإنفراج الذي بدأ يعرفه ملف معتقلي حراك الريف وعلى المبادرات التي تسير في هذا الإتجاه. وفوق ذلك يكرس المقال الرواية الرسمية التي عبر عنها بيان إدارة سجن عكاشة الذي ادعى أن هناك أهدافا خارجية وراء هذا الإضراب عن الطعام. وهنا تنفضح خلفيات صاحب المقال وتحامله المسبق على ناصر الزفزافي ووالده بجانب تحامله على شخصي بإقحامي في سيناريو ومخطط ذكرني بمحاضر الضابطة القضائية التي على أساسها حوكم ويحاكم معتقلو الحراك الشعبي بالريف بأحكام في غاية القسوة والظلم. وهذا ليس مجرد تحامل أو تغليط وإنما هو اتهام ثقيل لا يمكن أبدا أن يصدر عن مثقف حر نزيه يحترم نفسه وقراءه.
وما سكت عنه الكاتب هو أن ذلك الإضراب عن الطعام الذي خاضه ناصر والحاكي وبوهنوش والأبلق، بدعم من رفاقهم المعتقلين وعائلاتهم ودفاعهم والهيئات الحقوقية ووطنيا ودوليا، هو الذي عجل بإخراج ناصر الزفزافي من زنزانته الإنفرادية التي أُُحتجز فيها لأكثر من سنة، كما عجل بتجميع معتقلي حراك الريف المتواجدين بسجن عكاشة في جناح واحد والحفاظ على حقوقهم وانتزاع الأخرى وهذا هو المهم والأساسي في ذلك الإضراب.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.