في ثقافة المقاطعة

في زمن الليبيرالية المتوحشة المتأسلمة بالمغرب تم الإجهاز على رزمة كبيرة مما تبقى من حقوق الشعب المغربي الهزيلة أصلا: الرفع المستمر في الأسعار مقابل تجميد الأجور، الإجهاز على المرافق العمومية خاصة في مجال التعليم والصحة، إصلاح تخريبي لنظام التقاعد على حساب الموظفين والمأجورين، ضرب الوظيفة العمومية والشروع في تعويضها بالتوظيف بالتعاقد، رفع الدعم عن العديد من المواد الأساسية والإعداد لإلغاء كلي لصندوق الدعم. وكل ذلك في تجاهل بارد لتدني القدرة الشرائية للمواطنين وإتساع دائرة الفقر والهشاشة وإحتدام الفوارق الإجتماعية والمجالية، وفي إنصياع مذل للإجراءات التقشفية المملاة من طرف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على حكومة تسيّـر أعمالها وأحوال البلاد بالإستدانة.
وفِي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تعد العدة لتمرير الزيادة في قنينة الغاز والسكر عبر رفع الدعم عنهما، وفِي الوقت الذي تستمر فيه الحكومة في تصريف الأزمة الإقتصادية الخانقة على حساب المواطنين، تفجرت معركة المقاطعة لبعض المواد الإستهلاكية التي لا تحترم المستهلك وتلهث وراء الربح السريع. وهي معركة تؤكد رقي وعي المغاربة الذين يُراد لهم أن يظلوا رعايا ورعاع ومجرد مستهلكين سُذَّج مسخرين لخدمة أباطرة إقتصاد الريع.
وهذه ليست أول ولا آخر مرة يعبر فيها المغاربة عن نضجهم وقدرتهم على الإبداع في النضال وفي ثقافة الإحتجاج. بل إن معركة المقاطعة هذه هي إمتداد للحراك الشعبي السلمي الذي إنطلق من الريف، وهي إحدى أبرز تداعياته. وعمق هذه المعركة الإبداعي يتجلى في أنها تحدث عبر عملية توليف ذكي بين ماهو إفتراضي وما هو واقعي. ففي ظل غياب تنظيمات سياسية ونقابية قوية قادرة على تحريك الشارع وتوجيه معارك الشعب ضد مصاصي عرقه ودمه وخيرات بلاده، تحولت مواقع التواصل الإجتماعي إلى فضاءات بديلة وفعالة لإبداع ونشر ثقافة المقاومة المدنية السلمية والحضارية.
إن طريقة تفاعل المسؤولين في الحكومة أو في الشركات المستهدفة مع حملة المقاطعة، التي أطلقها شباب أحرار واعون عبر العالم الإفتراضي، تعبر عن قصور في الرؤية ممزوج بالغباء. وقد ذكرتنا، مثلا، تصريحات وزير الفلاحة ووزير الإقتصاد وغيرهما، الإستعلائية والساخرة من المقاطعين واتهامهم بالخيانة ونعت مقاطعتهم بالبعد عن الواقع واللعب، ذكرتنا بتصريح حسني مبارك مع بداية الثورة التي أطاحت به وأدخلته السجن، حين وصف الشباب الذين تحدوا حالة الطوارئ وقوى الأمن التي طوقت شوارع القاهرة بأنهم “حِتَّة عيال”، كما ذكرتنا بتصريحات القذافي وبنعلي وعلي صالح الذين أسقطتهم الثورات التي قادها أولئك الشباب المستهزئ بهم في البداية. وَمِمَّا لا جدال فيه أن أولئك القادة ما كان ليتم إسقاطهم بتلك الطريقة المخجلة لو تفاعلوا بحكمة وتواضع وبعد النطر مع إحتجاجات مواطنيهم.
وعلى خلاف ما كان يريده أصحابها فإن تلك التصريحات ساهمت في دفع الناس إلى المقاطعة ولم تثنيهم عنها. لان إتستفزاز المقاطعين لبضاعة ما واتهامهم باللعب والخيانة والمداويخ هي كلها تصريحات تعبر عن إحتقار أصحابها للمغاربة وإستخفاف بإحتجاجهم على تحالف المال والسياسة وعلى كل أشكال الفساد التي تُطوّق رقابهم وأرزاقهم ومستقبلهم. وبالتالي فإن المقاطعة التي أرعبت ناهبي أملاك الشعب وثروات الوطن، لن تتوقف بمثل تلك الخرجات الإستفزازية، بل إن المقاطعة ستتقوى بذلك وسيتسع مداها أكثر. وهذا ما حدث ويحدث فعلا في الواقع الذي ربما لا يعرفه أولئك السادة أو أنهم لا يريدون الإعتراف به.
إن ثقافة المقاطعة ومعركتها، التي انطلقت في غفلة عن الخبراء والمخبرين والمحللين، هي بقدرما تعبر عن يأس المواطنين من إنتباه الدولة لمعاناتهم ومن عجز جل النقابات والأحزاب عن تبني مطالبهم وقيادة نضالاتهم، فإنها تشير أيضا إلى أن النضال هو فعل إبداعي بلا حدود. ولعل أنضج النضالات هو النضال الحضاري السلمي الذي يبدأ فيه الإنسان من ذاته، وفِي باب هذا النضال تتموضع معركة المقاطعة..
ويبدو أن معركة المقاطعة هي عنوان لمرحلة جديدة من صيرورة حراك الشعب المغربي من أجل الحياة الكريمة في كل أبعادها. فكم من أشياء وشيئات، كم من عادات إستهلاكية ومعيشية وإجتماعية آن للمغاربة أن يقاطعوها ويقطعوا معها. إن المقاطعة هي صحوة واعية من أجل القطع مع الحالة المغربية المأزومة والمخرومة رغم كل عمليات الإنعاش والترميم والتجميل التي تخضع لها.
وإتهام المقاطعة بأنها مجرد لعب هو تضليل يستهدف نسيان أن كل شيء هو في الأصل لعبة، وخاصة في عالم الساسة والإقتصاد. وعلى أن اللعب لا يكون لعبا إلا بإلتزام اللاعبين بقانون اللعب الذي يتساوون أمامه. لكن في الحالة المغربية، دائما، يُراد لنا أن يكون وجودنا السياسي والإقتصادي لعبة قدرية قوانينها مفروضة من طرف “لاعبين كبار” ومتحكم فيها من لدنهم. وفعل المقاطعة هو جواب الطرف الأساس في لعبة الإقتصاد عن إستبلاده المبالغ فيه من طرف الفاعلين الإقتصاديين والسياسيين. وهذا الطرف الأساس الذي يبحث عنه المنشغلون بحدث المقاطعة، عن حسن أو سوء النية، هو ببساطة السيد الزبون، ذلك الكائن الذي رفعه منطق الإقتصاد الرأسمالي الماكر إلى مقام التقديس. إنه هو الذي قرر وأختار المقاطعة كشكل إحتجاجي عن عدم رضاه عن مكانته المتردية والمهينة في سلم أولويات لعبة الإقتصاد والسياسة بالمغرب.
وحين يتحرك الزبون المغربي ويعلن معركة المقاطعة فذلك معناه أن هذا الكائن أدرك قيمته ومكانته وأفقه. وما على المعنيين بأمر المقاطعة إلا أن يدركون بدورهم بأن أوان تغيير قوانين اللعب قد آن وبإلحاح. وإلا فلننتظر الكارثة!

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.