في بعض مستلزمات التنمية البشرية.

دأبت الأدبيات التنموية على اعتبار التنمية عملية شمولية ،تمت بصلة إلى كل مكونات المجتمع المادية والرمزية والبشرية ،وكل ما يصل هذه المكونات بمجالات الاشتغال،حيث طرحت بصدد ذلك عدة مقاربات وتصورات ومفاهيم ورؤى حسب ميولات ونزوعات وتخصصا ت المشتغلين والمهتمين ،فتعددت خانات الأولويات والأسبقيات لحقل على أخر،ولمستوى على أخر ،وللأهم على المهم أو دونه ،وللضروري على الكمالي، أو العرضي، وكذا التأكيد / الإلحاح على الأساسيات في مراحل وخطط وبرامج السياسات التنموية،على اعتبار كرامة الإنسان وصونها،والعمل على حفظ الأمن الإنساني ، وتحقيق الرقي والازدهار للكيان الإنساني مادام هو الغاية الميتا- قصوى لكل عملية تفكير في اتجاه سعادته ورفاهيته .

    فبالرجوع إلى الأثر الفكري والفلسفي والثقافي ،بشكل عام ، والذي يتناول الإنسان كقضية جوهرية ،في أطروحاته ،والتي يتوخى من ورائها العمل على بنائه كهدف أسمى من حيث وجوده ،كمركز قطبي في علاقاته بكل الموجودات ،باعتباره الوحدة الجوهرية التي تعود إليه كل الوحدات في ارتباط بها ومن أجلها ،وهو ما يفهم من عملية الخلق الإلهي له – الإنسان –وعمليات التسخير والعلاقات السببية التي توجد فيما بين المخلوقات لأجله ،ليتمتع بكل النعم والخيرات المادية والمعنوية التي يعيش عليها وبها ،ويعمل على تحيينها وتطويرها ،والإبداع في صناعتها وفي إيجادها ،وكذا تنظيم معطياتها ومكوناتها ،وخلق إمكانيات تجديدها والأدوات والصيغ والطرق الميسرة لقطف ثمارها وعائداتها ،بفعل العلوم والمعارف الدقيقة والتقنية والإنسانية / الاجتماعية ،وذلك عبر الحكامة الجيدة والترشيد العقلاني لمكونات النظام الطبيعي ،في ارتباطه بعناصر النظام الاجتماعي البشري ،،وبما بوجده هذا الأخير من أنسجة وأنظمة وأنساق تضمن السير الطبيعي للحياة ،والحياة الكريمة والتنظيم المعقلن،والحكمة في التدبير الجيد لكل الموارد الطبيعية والبشرية ،واستغلال الإمكانيات المتاحة ،وفتح الأبواب على مصراعيها أمام التصورات والفعاليات الإنسية العاملة على التفكير والتدبير والطرح والعمل ،في/ على ضبط كل ما يشكل الثروات والواقع الاجتماعي البشري ،بكل تشكلاته سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني ،بداخل مجتمع ما ،وذلك عبر ما يصطلح عليه بعدة مفاهيم نذكر منها مفهوم  ” تدبير الشأن العام ” مفهوم ” السياسة التنموية ” مفهوم ” سياسة الصالح العام ” .

    فإن كان مفهوم ” السياسة ” يحيلنا على مفاهيم الشأن العام ،وعلى مكونات الجماعة السياسية ،وعلى كل ما يرتبط بهما من مقولات عامة ، تخصهما وفي جدل قائم ومستمر بينهما ،فالحراك قائم بين عناصرهما ذات الأبعاد الشمولية ،والتي تتنازعهما الاختلافات والصراعات وأشكال التنافر ،في أنماطها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقيمية ،فالسياسة حقل ” تخصيص ” لمصالح الأفراد والفئات والجماعات ،و” تركيب ” لما يؤطر المصلحة العليا للمجتمع عبر المؤسسات الإدارية والبشرية والثقافية والعلمية ….في اتصال متعدد الأبعاد ومتفرع إلى مسارات تنطلق من ما هو كائن، وبالعودة إلى التجارب السابقة التي بمثابة مختبرات الفعل السياسي، إلى ما يجب أن يكون ،عن طريق إيجاد السبل والصيغ ،الممكنة لخدمة الصالح العام ،بواسطة حكومة قادرة على تنظيم وتجميع وتوليف كل العناصر والعوامل المساهمة في تكوين أرضية بنيوية جامعة مانعة لكل الأسس التي يقوم عليها العمل التدبيري والتسييري للشأن العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والثقافي ،ومن ثم خلق رؤية سياسية مالكة للرؤى والحجج والبراهين العقلية والفكرية في اختياراتها وتصوراها ،مجسدة للطموحات والآمال والتطلعات العريضة للجماهير وعموم الشعب ،ومكرسة للمواطنة الفعلية ولثقافة الحق والواجب ،وإحلال العدل والحرية والمساواة والقيم التقدمية والديمقراطية والتوزيع العادل للثروات ،وعاملة على دمقرطة المؤسسات ومجالاتها ،منجزة للأهداف والمرامي والمساعي على أرض الواقع ،كل ذلك بعيدا عن سياسات الترقيع والتخريجات الأيديولوجية والسياسية الفارغة من كل مضامين التنمية البشرية .

    إن هذا وغيره مما يمكننا الحديث عنه ،هو جوهر عمليات التدبير السياسي العام ،بما يؤسس عليه من ” مدخلات ” ،وما يراد تجسيده فعليا وعمليا من قرارات ومساطر إجرائية ملموسة ،وهو الشق المادي الملموس المجيب عن المطالب والحاجيات والإستحقالقات المشروعة ،سواء تعلقت بما هو مادي الذي يضمن استمرارية حياة الكائن الإنساني ،أو بما يشكل الروح المعنوية والإنسانية له ،وهو ما يصطلح عليه ب ” المخرجات ” ، أي كل القرارات المتخذة على جميع الأصعدة المتعلقة بالحياة الإنسانية عموما . إن تلك ” السلة ” أو ” علبة ” المدخلات التي يجب على الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والثقافيين والإداريين الرسميين أن يضعوها في مشوارهم العملي الإداري التدبيري بكل أقسامه ومستوياته ،حسب المسؤوليات المنوطة بهم ،ومختلف التخصصات والاشتغالات المجالية ،تسمح لنا بالقول بأنها الجندي الخفي الذي يدلنا على مكان الألغام الممكن انفجارها في أية لحظة ،إذا ما لم نأخذ حذرنا منها ولا حسبانها ،وعلى الشباك والفخاخ الممكن الوقوع فيها ،إذا ما لم نحترز ونحترس ونفكر في عملية السير الآخذة في الحسبان كل ما يشكل فضاء المعركة بامتداده الأفقي والعمودي .

    إذن ،فالتساؤل المطروح هو كيف وبأية طريقة يتم تجميع العناصر والمعطيات في ” علبة المدخلات ” ،لرسم سياسة تنموية هادفة وبناءة  ؟ فالمتوخى من هذا السؤال هو النظر إلى كل عملية تفكير وانشغال لدى المهتم والمختص ورجل السياسة والإدارة ،ورجل الاقتصاد والاجتماع ،ورجل الإعلام والثقافة والتربية ،في علاقاتها بكل العناصر والعلامات والمعطيات الكمية والنوعية المشكلة للنظام الاجتماعي بمفهومه العام ،وهو ما يشغل الفكر التنموي والسياسات التنموية .و ” عليه فالمعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية تؤثر بالغ الأثر في تحديد مفهوم التنمية  ” (1) ،إلا أنه تطرح أسئلة عديدة حول مفهوم ” المعطيات ” الذي يشكل المادة الخام لعملية التخطيط التنموي ،إذ كيف يتسنى لنا الحصول على هذه المعطيات المكونة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؟ وما هو الاصطلاح الذي يطلق على عملية تجميع المعطيات ؟ وما الغاية التي يتوخى من ورائها من جهة الرؤية السياسية لأي نظام سياسي كان ؟ ،لا شك أن الطريقة المتبعة في ضبط وقياس التقدم الاقتصادي والإنساني والتنمية الإنسانية للبشرية جمعاء ،ولكل دولة على حدة ،لها كبير الأثر على التفسيرات والخلاصات التي يقوم بها المختصون فإذا ما اعتمد القياس مثلا على مؤشرات غير مضبوطة أو غير صحيحة أو لا تفي بمتطلبات القياس ،فسيؤدي ذلك إلى أخذ صورة مغلوطة خاطئة عن الواقع المعيش،مما سيؤدي بدوره إلى إجراءات وتدابير وسياسات قد تكون مجانبة للصواب وغير تلك المرغوب فيها … وهذا التسلسل في مجانبة الصواب قد يفرز ظواهر وحالات أخطر من تلك التي أريد التخلص منها ومعالجتها . فتشخيص الواقع والتعرف عليه جيدا وبكل موضوعية من الخطوات الأولى الكفيلة بإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المطروحة ” ( 2 ) .

    لقد استقر الرأي العام التنموي على كون التنمية الشاملة تتطلب إشراك كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والعلميين والثقافيين والتربويين بمختلف انتماءاتهم الرسمية وغير الرسمية ،من جهة أولى ، والجماهير من جهة ثانية ، إنها مشروع عمل جماعي وحضاري لكل مكونات المجتمع ،” فالتنمية عملية حضارية تقوم بها مختلف العناصر المكونة للمجتمع ،بانضباط وثبات باستغلال الموارد الذاتية والمحلية بهدف الخروج من غياهب التبعية وتأمين حياة أفضل لمختلف المكونات والشرائح المجتمعية ” ( 3 ) ، وعليه فالسياسة التنموية تعمل على رسم دائرة الاحتياجات والضروريات للحياة وتوفير الخدمات الأساسية ،سياسيا ، اقتصاديا ، اجتماعيا ، ثقافيا ، وتربويا ،عبر قرارات وازنة وإرادة سياسية حقيقية وفعلية ،من أجل تحقيق كل المتطلبات التنموية المنشودة ذات الأبعاد الحضارية المتعددة . وبالعودة إلى مفهوم ” المعطيات ” الذي يحيلنا على مفهوم علمي أخر يعتد به أيما اعتداد ، ألا وهو مفهوم ” الإحصاء ” ، لاعتماد المؤشرات التي تأخذ بعين الاعتبار كل مجالات الحياة الخاصة والعامة للأفراد والمكونات المجتمعية الأخرى عامة ،والتي تجمع بين الرأسمال المادي والرأسمال الرمزي ،البشري والطبيعي ،التقني والعلمي ،إذ يجب أن تكون العملية الإحصائية مستوفية للشروط العلمية والموضوعية ،ف ” دور الإحصائيات هو الوصف التشخيصي المجرد للواقع أو لحالة معينة موضوع الدراسة ،بهدف مساعدة صناع ومتخذي القرارات على اتخاذ قراراتهم وإبداء أرائهم ،وعليه فالإحصائيات وسيلة فقط ،بينما الهدف الأول والأخير هو ما ” بعد الأرقام ” ، أي التحليل والدراسة وفهم الأسباب والنتائج ” (4 ) ،وإن كانت العملية الإحصائية توفر الإمكانيات علمية تجعلنا قريبين من الواقع والظواهر الاجتماعية بمختلف حقولها ، فإننا نطرح بصددها عدة أسئلة تتعلق بطبيعة سياقاتها الظرفية ،وبالجهات المسؤولة عنها ،محليا أو خارجيا ، وبالعينات المعتمد عليها ، وبطبيعة الجذاذات المتضمنة للأسئلة المطروحة ،وبمقوماتها الثقافية والعلمية والمعرفية لدى المعنيين بالعملية ، وبالأهداف المتوخاة من ورائها ، وغير ذلك من الإستفهامات والتساؤلات .

    وإن ما يجب الإشارة إليه ،هو أن عملية تطبيق السياسة التنموية تمر عبر قنوات تصب كل اتجاهاتها في بوتقة واحدة ،وهذه القنوات يعبر عنها بالأجهزة الإدارية والوسائل المادية المرصودة لها ،على اختلاف مستوياتها ومجالاتها ،فالتنظيم المؤسساتي والإداري ، وطبيعة سيرورة عمله ،يؤثر بالغ الأثر في العلاقة بين ما هو مرسوم سلفا والنتائج والأهداف والغايات المراد تحقيقها ، سواء سلبا أو إيجابا ،فالذي يجب أن ننبه إليه ” هو أن ندرك حقيقة قلما نمنحها شأنها ،وهي من أهم أسباب التخلف …- هو- التخلف في الإدارة والتنظيم ،وأن المشكلة الأم التي ينبغي أن نتصدى لها لمعالجتها في أي موقع هي إحكام التنظيم والعمل الإداري إحكاما يؤدي إلى أن تصل القرارات والسياسات والخطط إلى مستقرها ويزيد فاعلية الجهود التي تبذل في سبيل التنمية في شتى الميادين ،ويقلل من الهدر والضياع ،بل الضلال ، فيما نرسم ونعمل ” ( 5 ) ، فالارتجالية والبطء والروتينية في سيرورات العمل الإداري ،والتركيز السلطوي في اتخاذا القرارات ،والبيروقراطية السياسية والإدارية ، وضبابية المساطر والقوانين …. وغير ذلك، عوامل خطيرة تعيق المسيرة التنموية، وتساهم في تأبيد الوضع السائد وإهدار الطاقات والكفاءات والإمكانيات المتاحة.

وأخيرا ، إن السيرورة التاريخية والحضارية لكل مجتمع يريد التقدم والازدهار وكسب رهانات الالتحاق بالركب الحضاري التقدمي ، تفرض عليه أن يحسم مع قضاياه التخلفية في جوانب عديدة من حياته وأنظمته الرمزية والمادية ،وأن يسطر لمستقبله مقومات التنمية المستديمة ،انطلاقا من مفاهيم علمية وموضوعية ودقيقة في علاقاته بكل مكونات حقوله الإنسية والطبيعية .

المراجع :

1 – محمد نجيب بوليف : ” العالم العربي بين تحديات العولمة ومتطلبات التنمية البشرية ” ، ” .الأولى ،طوب بريس / الرباط .ص : 97

2 –  المصدر نفسه ، ص : 88

 3– المصدر نفسه ، ص : 97

4-  المصدر نفسه ، ص : 91

5 – عبدا لله عبد الدائم  :  ” تلك الهوة بين التقدم والتخلف ”  ، مجلة العربي ،عدد : 362 يناير 1989 ،ص : 147

benfateh70@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.