في الذكرى الرابعة للإعلان عن فيدرالية اليسار الديمقراطي

23 مارس 2014.. الزمان في الفعل السياسي حلقة مركزية

تحل الذكرى الرابعة لتأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي، وهناك مجموعة من الأسئلة المطروحة على المستوى السياسي والتنظيمي والتعبوي والإشعاعي تشغلنا وتدفعنا إلى التفكير الجماعي في كل ما يحصل من حولنا من اجل تكوين فكرة/ رؤية كاملة عن الوضع العام، وهذه الفكرة تهيئ لإنضاج الشروط الذاتية والموضوعية لإنجاز تحليل ملموس وموضوعي وتقودنا للغوص في عمق المهام المطروحة علينا، وتعبد الطريق من أجل تأسيس قاعدة ثابتة وسليمة يبنى عليها المسار الاندماجي المأمول كحاجة مطلوبة في زمن سياسي محدد، ومن تم المساهمة في إعادة بناء اليسار على أسس نقدية سليمة. أهم هذه الأسئلة هو كيف السبيل ليسار ديمقراطي مستقل يكون بشكل جدي مقنع ومستقطب وفاعلا محوريا في العمل السياسي بالمغرب في الزمن المنظور؟

الإجابة على هذا السؤال في صيغته الافتراضية المفتوحة لا يستقيم إلا إذا كان يعني التبني لتصور جديد لمفهوم اليسار بتعبيراته المختلفة، غير اليسار الكلاسيكي الذي أضاع بوصلته و زاغ عن أهدافه، ذلك أن هذا الأخير لم يعد يشكل، في الواقع، ثقلا حاسما في معادلات المشهد السياسي المغربي. إن جل معطيات الحياة السياسية والمؤشرات الأساسية لتطورات المستقبل تدفع إلى تصور العكس من ذلك تماما؛ هناك إذن مسافة كبيرة بين الطموح في أن يلعب اليسار هذا الدور المحوري وبين أن يصبح في مستوى ذلك الطموح في زمن محدد سياسيا. إن هذه المسافة هي بالغة التعقيد بحيث لا يمكن اجتيازها إلا ببذل جهود كثيرة على المستوى النظري والسياسي والتنظيمي من قبل قوى اليسار التي هي مدركة، بهذا المستوى آو ذاك جدية التحدي الذي يواجهها على هذا المستوى بما يقلص مساحات التباعد في الاطروحات ويشجع عملية إعادة البناء واسترجاع المبادرة في سبيل إنجاز مهام التقدم الاجتماعي والسياسي والحقوقي التي كان اليسار رافعا للوائها منذ عشرات السنين.

في سياق الإجابة كذلك، لابد من الدخول إلى عمق الواقع عن طريق السياسة بمساعدة العقل والفلسفة أي العقلانية العامة، ذلك أن وظيفة الفلسفة حسب هيغل هي استيعاب الزمان بالأفكار وصياغة الزمان والتعبير عنه عن طريق المفاهيم. في هذا الإطار عُرف الزمان بالعقل فالعقل هو الزمان، والزمان هو العقل؛ أما السياسة هي تنفيذ الضروري عن طريق الإمكانية التي نوفرها عن طريق تعبئة بشرية أساسا وإمدادها بالوسائل والآليات وفي وقت محدد كتنفيذ برنامج آو خطة عمل موزعة على عدة سنوات، والقاسم المشترك بين السياسة والفلسفة هو تعريف الوعي العام الإنساني والوعي الخاص الوطني المحلي في فهم تركيبه وكيفية التعامل معه؛ من هنا يستقر تعريف الوعي على أنه التوجه العام للإنسان وتحديد موضعه في العالم الذي يعيش فيه؛ و بذلك تكون التصورات و البرامج و خطط العمل مثل البشر تشيخ ثم تموت، و يولد دائما جديد منها في حركة لا حصر لها ولا نهاية، والمشاريع تولد في شروط تاريخية محكومة بعدة من العوامل الذاتية والموضوعية؛ وإذا لم نؤمن بذلك فإننا نلغي أي قاعدة للقياس وأي أساس للمعايير وبالتالي نسهم في خلق حالة من العدمية والعبثية تقود إلى تأبيد ما هو قائم وتخلق الشعور باستحالة التغيير. وخلافا لذلك كفاعل سياسي لي قناعة قوية أن فيدرالية اليسار الديمقراطي هي آلية لاستنهاض البديل الديمقراطي اليساري كمشروع مستقبلي؛ فكيف علينا أن نسير بهذا المشروع؟

إذا كان مفهوم الوقت آو الزمان عند الإنسان منتظم ويمكن التنبؤ به وتقدير توقعاته بناءا على معطيات دقيقة فمن الممكن التخطيط لعمل سياسي متكامل وناجح وفي اللحظة المناسبة؛ أما إذا كان مفهوم الزمان عشوائي فوضوي وارتجالي عند الفاعلين فإن النهاية تكون سلبية أو ناقصة، في هذا السياق أقول إن توظيف مفهوم الزمان وتحليل مركباته المتداخلة لتعليل وفهم الأوضاع الراهنة يقودنا إلى عدم السماح بتكرار نفس الأخطاء.

نعم إن عدم نجاح عدد من التجارب السياسية سواء على مستوى التنسيق أو الاندماج أو التكتل بغض النظر عن توجهاتها هو عدم إدراك القائمين عليها بشكل كافي ووافي لفلسفة الزمان وتداعياته.

إن المرحلة التي نحن بها الآن في فيدرالية اليسار الديمقراطي، والتي دشنت بانعقاد مهرجان 23 مارس 2014 الذي شكل إعلان الميلاد كمنعطف جديد حقيقي في مسار وتطور العمل بين الأحزاب المكونة لها (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الحزب الاشتراكي الموحد وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي) والذي جاء بعد فترة طويلة من التحضير ومن العمل لتقريب وجهات النظر بين المكونات المذكورة المؤسسة لها والذي أثمر وثيقة سياسية وأخرى تنظيمية هما الآن بحاجة إلى التحيين وملئ البياضات.

بالتأكيد أن هذه النقلة بين مرحلة التحالف والفيدرالية والسير نحو الاندماج مستقبلا على صعيد الحياة اليومية والممارسة العملية هي عملية ليست هينة وليست خالية من التعقيد ولذلك فهي تحتاج منا نضال وجهد كبيرين سواء على صعيد تطوير الحياة الداخلية لكل مكون على حدة من بوابة الجوانب الإيديولوجية والاستيعاب السياسي لتعقيدات صيرورة الاندماج من جهة وعلى صعيد المهام السياسية والانخراط في النضالات الجماهيرية من جهة ثانية، و كذلك على صعيد تطوير علاقات المناضلين فيما بينهم على المستوى المحلي والجهوي والوطني؛ لكل هذا وضعت الهيئة التنفيذية خلال هذه الأربع سنوات برنامج نضالي وتنظيمي وإشعاعي انتقالي الهدف منه تيسير عملية الاندماج، أخذت منه الكثير من الوقت والجهد الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والتشريعية، ثم بعد ذلك مؤتمرات الأحزاب الثلاثة.

بعد هذا ونحن في مرحلة جديدة، علينا العمل من اجل استقرار الوضع التنظيمي للفيدرالية بعيدا عن المبارزة غير المجدية للانتماءات الحزبية الضيقة، وتكثيف العمل السياسي التعبوي في صفوف المناضلين للارتقاء بهم فوق أجواء سلبية تراكمت وأحدثت ضغوطات نفسية حادة في بعض الأحيان. إن ما يدور حولنا الآن من احتجاجات فئوية وشعبية ذات مطالب مشروعة واضحة تتكثف في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وما يستتبع ذلك في مشاركة المواطنين والمواطنات في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي وبمميزات نوعية تتجلى في تنظيمها وطول نفسها حيث تستمر لعدة شهور وأسابيع تساءل جاهزيتنا كمشروع يساري في الانخراط والتأطير والمصاحبة، ذلك ما يطرح علينا اليوم أن نعالج موضوع الاندماج بمقاربة ديناميكية ترتكز على:

  1. مراجعة التصور النظري الذي يؤطر الممارسة السياسية اليسارية في مختلف تجلياتها. وفي هذا السياق، ينبغي إخضاع رؤيتنا السياسية للتطورات السارية والمرتقبة لمقاربة نقدية تتجاوز الوصفات الجاهزة التي تتحول مع الزمن إلى عوائق معرفية غير تفاعلية بشكل يؤهلها إلى تحليل الواقع برؤية تحديثية؛
  2. العمل على تجديد الآليات السياسية اليسارية. وهذا يعني وضع مجمل المفاهيم المحورية في المشروع اليساري الديمقراطي للفيدرالية تحت مجهر الاجتهاد النقدي الذي يستلهم خلاصات تجارب وطنية ودولية بما يصقلها ويعيد إليها الفعالية ويجعلها قادرة على خلق ديناميات مجتمعية متنوعة تتقاطع فيما بينها في الافق؛
  3. تجديد التصور التنظيمي وأساليب التأطير السياسي وإخراج التنظيمات المحلية والجهوية من دوائر الفتور الذي يهيمن عليها عملا بممارسة السياسة عن قرب واستفادة من التجارب الملموسة والتي أثبتت أن التوجهات المركزية في البناء التنظيمي غير قادرة على تأطير الفئات التي ترغب في الانخراط في العمل السياسي ضمن الأحزاب اليسارية الديمقراطية؛
  4. استغلال جيد ونافع لأدوات التواصل الاجتماعي التي تعزز أشكال التنظيم الأخرى وتجعل إيقاع النهوض بالعمل السياسي الجماهيري والمؤسساتي على درجة كبيرة من السرعة والفعالية كما شاهدنا خلال مرحلة 2011 وما بعدها في العديد من المناطق التي عرفت حراكا اجتماعيا جماهيريا.
  5. توسيع الأفق العام للعمل السياسي في مختلف مجالات الممارسة ليس بهدف التكيف والتأقلم السلبي مع الواقع الجديد وإنما بهدف الإمساك بالحلقة المركزية التي تمكن من التأثير في مجريات الحياة السياسية العامة والتفاعل الإيجابي مع مختلف مستجداتها بما فيها ما هو غير متوقع أو استثنائي.
  6. العمل السياسي في أوساط الجماهير يتلاءم مع تصور فيدرالية اليسار الديمقراطي بكافة الإشكال وإعطاء أهمية متزايدة ومتنوعة للعمل النقابي والمنظمات الجماهيرية الحقوقية والشبابية والنسائية؛
  7. التقاط سياسي لهموم الناس اليومية ومطالبها الآنية الملموسة والدفاع عن هذه المطالب المتمحورة حول الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في أفق تحقيق المواطنة بكافة الحقوق؛
  8. السعي المتواصل للحوار مع تعبيرات سياسية والقوى الاجتماعية وفعاليات ديمقراطية نزيهة بهدف إعطاء بعد أوسع لصيرورة بناء حركة سياسية ديمقراطية؛

تلك في تقديري أهم النقط التي يمكن إن يتأسس عليها برنامج المرحلة المقبلة وصولا للاندماج قبل أن يداهمنا الزمن الانتخابي ونكرر لحظات عشناها في الماضي لكن ستكون اشد.

الشافعي مصطفى

عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد

20 مارس 2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.