في الحاجة الى دولة الرعاية بدل الريع

” المثقف المغربي فقد كل شيء ماعدا جيبه “

إن من اكبر المواضيع التي تعرف هجوما وفي غالب الاحيان بسخرية من طرف المنظرين المشوهين للنيوليبرالية في البلدان المتخلفة، هوالدفاع عن دور الدولة المحوري في  التدخل الاقتصادي والاجتماعي في البنيات الاجتماعية لهذه البلدان . منطق التماثل و الاستيراد الكسول للمفاهيم والتنظيرات الرائجة عالميا و اعلاميا يكسب في غالب الاحيان ثقة عمياء بالنفس تحول الافكار والمعتقدات الى بداهات مقدسة . يعلمنا التاريخ الانساني ان نحذر البداهة لأن فيها نوعا من الاستبداد ، فتاريخ الإنسانية هو تاريخ لهدم بديهياته ،”تاريخ العلم هو تاريخ اخطائه” ( غاستون  باشلار ) . وتوقيف التاريخ  لمصلحة المنتصر إجتماعيا  وسياسيا و ثقافيا يكذبه التاريخ نفسه .إن الخطاب  النيوليبرالي المشوه السائد  في المجتمعات المتخلفة و من ضمنها المغرب ، ينظر من اجل تدخل حد ادنى للدولة في المجال الاقتصادي و الاجتماعي ويسلع كل شيء و يخضعه لعلاقات السوق و منطق الربح والخسارة بمفهومه الاقتصادي الضيق، وفي نفس الوقت و في تناقض صارخ، يدافع عن صنمية ” السلطة وقوتها ” في مستويات البنية الاجتماعية السياسية و الايديولوجية . حيث يبدع في تنظيراته لتحويل الدولة  الى  كيان برأس قروسطوي و اقتصاد ليبرالي متوحش . التخلي عن القطاعات الاجتماعية ،و خوصصة المؤسسات العمومية و تشجيع الراسمال الخاص… تصبح شعارات  هذا الخطاب و كل مقاربات معاكسة لهذه الشعارات تصبح مرفوضة بل مدعاة للسخرية باعتبارها محاولة لاستعادة خطاب شبع موتا و عنوسة . الإقتصاد في بديهيات هذا الخطاب الرث هو مجرد معادلات موازاناتية رقمية و يتناسون كما كتب يوما سمير امين ” ان الاقتصاد الخالص مجرد شعودة “. الاقتصاد هو قبل كل شيء علاقات اجتماعية بشرية ، ابدع من طرف البشر في سيرورة تطورهم واخضعوه لمصالحهم . المشكل ان منظرينا هؤلاء لا يتحمسون ينفس المستوى  في مناقشة ” دولة الريع ” ونقدها نظريا وتدبيريا . فهم يسخرون من المقاربات الإقحامية للدولة في الاقتصاد و القطاعات الاجتماعية لرعاية المواطنين الفقراء و يسكتون بشكل فصامي على تحويل هذه الدولة إلى بقرة حلوب لدى الفئات المستفيدة من السلطة الحاكمة  من الاغنياء والانتهازيين. فشعار الحد الادنى لتدخل الدولة يليق فقط بالبؤساء . إن بؤس هذا الخطاب يتجلى في ثلاثة مظاهر اساسية :

1 –  فصام وجودي : التشوه الايديولوجي الذين يعانون منه، والذي يجد اسبابه في خضوع الحداثة السطحية التي تعرض لها المجتمع إلى العلاقات التقليدانية العميقة السائدة فيه. وبالتالي تصبح الافكار والتكنولوجيا والمعارف و العلاقات الحديثة ….مجرد هياكل واجهاتية بدون عمق ثقافي و قيمي ؛

2- بؤس معرفي المتخلف يفهم ليبراليته بتخلف ، حيث يعاني النيوليبرالي المشوه المغربي إ فتقادا لمنهجية الابداع في قراءة الواقع المغربي، وعقما في إمتلاك الادوات المعرفية لتفكيك البنية الاجتماعية المغربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا . وبالتالي يلتجأ الى الترديد الببغاوي لمقاربات وافكار اخرى انتجت في سياقات مختلفة وفق تقليد انيق واعمى يمارسه القن بكل امانة  تابعا لسيده المعرفي و ضمن مقاربة انتقائية لاتستحضر مختلف المقاربات الموجودة ( دولة الرعاية في بعض البلدان المتقدمة )؛

3- سيطرة المصلحة على المعرفة :  حيث تتحول الافكار الى سلع في سوق نخاسة السلطة . فالنيوليبرالي المتخلف المغربي يطبق نيوليبراليته المتوحشة حتى على افكاره.

إن تطبيق مقولات الليبرالية المتوحشة في المغرب ، والتي تهدف الى  تحويل الافراد الى مجرد ” سلع ” تخضع لآليات السوق  عبر التخلي عن تدخل الدولة في الاقتصاد و ابتعادها عن القطاعات الاجتماعية لاشباه المواطنين :من صحة وتعليم وشغل و حياة كريمة.. ، هو  بمثابة توفير الظروف الموضوعية للفشل التنموي و ديمومة التخلف و الاستبداد و الفقر. إن المغرب يكاد ان يحتكر جميع مؤخرات التراتيب في المؤشرات الاجتماعية الدولية : من فقر وتعليم و صحة وبطالة و سكن ….حيث يعيش ثلث سكانه تحث عتبة الفقر و الاغلبية من سكانه تعاني إما بؤسا صريحا او مقنعا ،  فأغلبية مكونات الطبقات الوسطى تعاني بؤسا مقنعا ،تحاول المحافظة بالقروض الماصة لدمائها التمسك بالمظاهر الاجتماعية. فهذه الفئات  في حقيقتها   “وسطى” من حيث موقعها من علاقات الانتاج، لكن كنمط حياة  فهي معدمة ماديا وثقافيا و وجوديا .  إن تطبيق  الليبرالية المتوحشة على السياسات العمومية المغربية على شعب يعيش مثل هذه الظروف البئيسة، كمحاولة  اي خيمائي اقتصادي فاشل لتحويل البؤس الى ثروة . فتغييب الدولة لدورها الاجتماعي و تهربها من مسؤولياتها التاريخية : في تعليم المواطنين تعليما عصريا متقدما ،و وضعها لمنظومة صحية ناجعة لحمايتهم من الامراض، وقيامها بسياسات عمومية لتوفير الحياة الكريمة لهم ،ستجعلهم مجرد قرابين مازوشيين يقدمون أنفسهم ضحايا لسوق سيتقبلهم كمستهلكين حد ادنى.. و احياء حد ادنى.. و متعلمين حد ادنى …. فالسوق حتى بالمقاربة النيوليبرالية يحتاج لمستهلكين مقبلين على الحياة والمتع، و ليس على زومبيين شعارهم ” السميك” في كل شيء .

كما أن العولمة و ثورة الاتصال والاعلام و التطورات السريعة الذي يعرفها العالم و عدم تكافؤ العلاقات الاقتصادية و الثقافية والاجتماعية تفرض على الدول المتخلفة والتبعية وضع سياسات حمائية اجتماعية  واقتصادية لمواطنيها  ووضع خطط  تنموية لتكون في مستوى هذه التغيرات و تصبح قادرة على المنافسة والمساهمة في هذا العالم بدل ان تكون نتاجا سلبيا لتفاعلاته.

أن تحالف صنمية السلطة في السياسة و صنمية السلعة في الاقتصاد ، مدمر للحريات الفردية و الحقوق الاجتماعية، حيث يقوم بخصي المغربي في خصيتيه الاساسيتين لكل تنمية : الحرية و الكرامة  . وبالتالي فهذا التحالف  لايمكن الا ان ينتج نيولبرالية مشوهة تولد جميع شروط القهر و الهدر . فيتحول المغربي الى  عبد مهووس بأدنى مستوى  في هرم ماسلو، يحلم بحقوق اساسية بيولوجية في الوقت الذي ” يتمتع” بسوريالية،  بنقاشات نخبة رثة تحاول ان ترسم مصيره “بفونتاسمات” نتيجة استمناء معرفي وفكري بعيد عن واقعه لكنه قريب من مصلحتها .

إن نخبة الرداءة ومنظري الاستبداد و الفقر مسلحين بكل ادوات القوة من مدرسة و جامعة و اعلام واحزاب و سلط … مما يحولهم إلى مزورين للتاريخ اقوياء . لكن الزيف جبان وعمره قصير، فالتاريخ مطرقة لتعرية الزيف و الغش .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.