في الحاجة إلى نقد الممارسة الدستورية بعيدا عن التخوين والتشكيك

خالد أوباعمر

أثار بلاغ الديوان الملكي الذي تم بموجبه إعفاء السيد عبد الإله بنكيران من مهامه كرئيس حكومة معين من طرف الملك وفقا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور الكثير من الجدل في الوسط السياسي والحزبي في المغرب. لكن عدد كبير من السياسيين و المحللين والمراقبين الذين يسوقون أنفسهم في الفضائيات وفي الصحافة الورقية والإلكترونية كخبراء في علم السياسة والقانون الدستوري صمتوا صمت القبور بخصوص الطبيعة الدستورية لبلاغ الديوان الملكي والأساس الدستوري الذي بني عليه قرار الإعفاء من الأصل؟!!.

في هذا السياق لا بد من التمييز بين أمرين أساسيين في قرار إعفاء بنكيران من الناحية القانونية والدستورية:

عندما عين الملك الاستاد عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة في شهر أكتوبر من سنة 2016 احترم الملك منطوق الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور التي تنص على ان الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها وبهذا يكون الملك قد عمل من خلال التنزيل السليم لمقتضيات هذا الفصل على احترام المنهجية الديمقراطية وإرادة الناخبين الذين بوؤوا حزب العدالة والتنمية الصدارة الانتخابية.

و قد كان من التبعات القانونية لهذا التعيين الدستوري السليم صدور ظهير تعيين الاستاد عبد الإله بنكيران في الجريدة الرسمية على اعتبار ان الملك يمارس صلاحياته المخولة له بموجب الدستور بمقتضى ظهائر وفق ما ينص عليه الفصل 42 الذي يبقى من الفصول الدستورية الأكثر عرضة للاستغلال السياسي بحكم انه يحتمل أكثر من تأويل او قراءة دستورية.

اما في واقعة اعفاء السيد بنكيران فإن قرار الإعفاء هذا يطرح أكثر من سؤال في الشكل والمضمون.

على مستوى الشكل تم إعفاء بنكيران من مهامه كرئيس للحكومة بموجب بلاغ للديوان الملكي رغم ان الرجل معين بموجب ظهير وفق الصلاحيات التي يخولها الدستور للملك وبالتالي فإن قاعدة توازي الأشكال توجب من الناحية الشكلية إعفاء السيد رئيس الحكومة بموجب ظهير حتى يكون للاعفاء حجيته الدستورية والقانونية.

أما على مستوى المضمون فإنه و بالبرجوع إلى الوثيقة الدستورية فإن الحالة الوحيدة التي يمكن فيها إعفاء رئيس الحكومة استنادا لمقتضى دستوري هي حالة تقديم رئيس الحكومة لطلب استقالته الى الملك المشار إليها في الفصل 47 وهذا ما لم يقم به السيد عبد الاله بنكيران الذي صرح للصحافة قبل اعفائه بأنه ينتظر عودة الملك من جولته الافريقية الى البلاد لاعطائه مآل مفاوضات تشكيل الحكومة من خلال تقرير شامل لكل المراحل التي قطعتها هذه المفاوضات في العلاقة بالفرقاء السياسيين الذين تفاوض معهم من أجل تكوين أغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة التي عينه الملك من أجل تشكيلها.

على الباحث الدستوري ان ينتصر لروح الدستور في قراءته لقرار الإعفاء الذي طال بنكيران بدل البحث عن مبررات سياسية او إقتصادية او اجتماعية لتسويغ بلاغ الاعفاء الذي يطرح اكثر من سؤال حول طبيعته القانونية وأساسه الدستوري؟؟

وفي هذا الصدد لا بد من الإشادة بتشبت المؤسسة الملكية بمقتضيات الفقرة الاولى من الفصل 47 من الدستور بخصوص تعيين رئيس الحكومة من نفس الحزب لأن في هذا الأمر حرص ملكي على احترام إرادة الناخبين وعلى تنزيل الدستور بطريقة ديمقراطية وسليمة في ظل مطالب سياسية تدفع الملكية في اتجاه تبني التأويل غير الديمقراطي في التعاطي مع أزمة البلوكاج الحكومي!!

واقعة إعفاء رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بموجب بلاغ صادر عن الديوان الملكي نافذة أساسية لفتح نقاش جاد ومسؤول حول اعطاب الممارسة الدستورية في المغرب بدون اي مزايدة لان المهم هو كيف نستفيد من الثغرات الدستورية وكيف نساهم جميعا في تطوير الممارسة الديمقراطية والدستورية في بلادنا بعيدا عن عقلية المؤامرة والتشكيك لأن الرابح في الأول والأخير هو الديمقراطية المغربية الناشئة و التي لا يمكن بناؤها الا من خلال التراكم الإيجابي..

من حق المؤسسة الملكية ان تمارس صلاحياتها الدستورية وفق ما يتيحه لها الدستور من مهام في شتى المجالات ومن حق الملك ان يتخد القرار الذي يراه مناسبا لمصلحة الوطن والمواطنين في ظل عجز رئيس الحكومة عن تشكيل الحكومة بعد مضي أكثر من خمسة أشهر بسبب منهجيته الفاشلة في المفاوضات السياسية التي استأنفها مند تعيينه في شهر أكتوبر من سنة 2016 في علاقته بالفرقاء السياسين دون ان يصل إلى أية نتيجة تذكر…

لكن بموازاة ذلك لا مانع من فتح النقاش الدستوري حول طبيعة بلاغ الإعفاء وحول أساسه الدستوري لأن الممارسة الدستورية هي التي تكشف الثغرات الدستورية وباصلاح الاعطاب الدستورية نساهم في تطوير العملية الديمقراطية ببلادنا لأننا في مرحلة الانتقال فقط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.