في إعادة الإعتبار للمرحلة المراهقة

يجمع الكثير من الآباء والأمهات وأولياء الأمور ، وكذا بعض المسؤلين في مجال التعليم على أن الاولاد والبنات تطرأ عليهم الكثير من التغيرات في مرحلة المراهقة، فيبدون كما لو كانوا يحملون داخل رؤوسهم مخا يختلف عن باقي البشر… ويغلب على معظمهم الميل إلى سلك سلوكات غريبة وخطيرة في بعض الأحيان لمجرد التميز أو لفت الانتباه ، يقول أحد الأولياء الأمور.
في نقاشي مع أحد الأصدقائي كمسؤول تربوي حول مرحلة المراهقة ، وبعد إطلاع المتواضع على مناهج الدراسية والتربوية، أتضح لي أن منحى أو التوجه العام حول مرحلة المراهقة في المنظومة التعليمية – التربوية في المجتمع المغربي يشوبها نوع من الإستهزاء والإستهتار بقيمة هذه الفئة العريضة في المجتمع. فهذه المنظومة في غالبية محتوياتها و بنود مساطرها ومناهجها لا تعدو أن تكون نوعا من الملاحظة والتحليل النظري للمراهقة في ذاتها وفي معزل عن الوسط الإجتماعي والمحيط المادي الذي يعيش فيه المراهق(ة) ، وكذا التطورات والتغيرات التكنولوجية الحاصلة في العالم المعاصر .
إن المراهقة ظاهرة ملازمة للإنسان لا محيد عنها، وهي كما وصفها العالم الأمريكي ” ستانلي هول ” وأحد المؤسسين ” لسكولوجية المراهقة ” بأنها ولادة ثانية أو ميلاد جديد للإنسان في حياته وتطوره . لكن ما لا ينبغي أن ننساه، هو أن مراهق(ة) اليوم هو راشد الغد و أن كل مراهق(ة) سيصبح بعد بضع سنوات راشدا. هذا الأمر يغفله القائمون على المنظومة التعليمية- التربوية وكذا فئة عريضة من الآباء و أولياء الأمور.
إن مخاوف المؤسسات الشأن التعليمي – التربوي و المجتمع من المراهقة ما هي إلا نتيجة لفعل مقصود وإقصاء ممنهج بآليات وسائل لا تمت بصلة إلى المجال التربوي و التنشئة الإجتماعية الهادفة، هذا المنهج لا يساعد المراهق(ة) في تحمل مسؤولياته في المستقبل، وهنا يلعب الإعلام الرخيص والغير المسؤولة الدور الرئيسي، وكذا تصريحات بعض المسؤولين الذين يقدمون المراهقة كمصدر للمتاعب و التشويش متناسين أن كل مراهق(ة) هو في حقيقة الأمرتحصين و تحسين وتطوير للمجتمع الغد .
إن التغبرات الفزيولوجية و النفسية لدى المراهق(ة) تتجسد من خلال سلوكه الإنسياقي والإندماجي تارة و التمردي والنرجيسي تارة أخرى، ما هي إلا مكانزمات لتعزيز حسه الإجتماعي الذي هو في طور التشكل. ففي هذه المرحلة تتموضع الأسس المتينة ” للشخصية ” التي هي عبارة عن ” معيار للضبط ” ، بحيث يتطلع المراهق(ة) – كما سلف ذكره – نحو الأفضل والأمثل، ونحو ما يسميه بياجي ” برنامج الحياة ” الذي من خلاله يحاول المراهق(ة) الإندماج في عالم الراشدين، فهل يأخذ هذا بعين الإعتبار عمليا في منظومتنا التعليمية – التربوية ؟ .
إن التفكير الصوري أو العقلي المعرفي – حسب ” بياجي ” – الذي إكتسبه المراهق(ة) من خلال إطلاعه الواسع على أصناف المجتمعات الآخرى عبر شبكات التواصل الإجتماعي، سيسمح له بطرح ” الممكن ” عوض ” اللاممكن ” الذي يتبناه المجتمع، انطلاقا من تصوره لبرنامج حياته.
هذا الأنتقال التمردي المفاجئ في التفكير لدى المراهق(ة) سيؤدي لا محالة إلى خلخلة ونقد البنية الذهنية للمحيطه الإجتماعي الذي يحيا فيه ، وكذا اصتدامه مع قيمه ، لكن ليكن في علمنا أنه في نفس الوقت يساهم في بناء المجتمع والتوجه نحو إشراف المستقبل، وغالبا ما يكون استشراف المستقبل مصحوبا بـ” إرادة التغيير”، أو ” الإصلاح “، الذي يؤدي إلى إضعاف الإرتباط بالحاضر والواقع والإلتصاق بالمثل العليا، مما يجعل المراهقين يشكلون و ينخرطون في جماعات أقرانهم لمناقشة هذه المثل وطرح مشاريع وآفاق المستقبلية ذات أبعاد مختلفة ، ومن أهمها الأبعاد إجتماعية عاطفية وفكرية، وهنا تلعب شبكات التواصل الإجتماعي الدور الريادي والفايسبوك نموذجا في ذلك. هذا هروبا من الواقع الآني، ما هو إلا تحصيل حاصل للمنظومة التعليمية – التربوية التي تنهجها الوزارة الوصية على هذا القطاع الهام و الحيوي في المجتمع . فمتى ستأخذ هذه الوزارة الوصية هذا الطور التكنولوجي الهائل لستثماره وتوجيهه بما يخدم سن المراهقة في علاقته بالأسرة ، المدرسة و المجتمع ؟
إن عدم مواكبة المنظومة التعليمية – التربوية لمتغيرات العصر واستمرار التعليم التقليدي الذى يعتمد على التلقين السلبي، و الذي لا ينمي الإبداع لدى المراهق(ة)، و لا يعده لتقبل الرأي و الرأى الآخر، و لا ينمي شخصيته و لا مهاراته الحياتية و القيادية و لا يعده لمتطلبات سوق العمل هي بداية أو تمهيد الطريق للممارسات إنحرافية لدى المراهق(ة) المغلوب أمره.
خلاصة القول، إن تشجيع المراهق(ة) على النشاط الترفيهي الموجه والقيام بالرحلات الإستكشافية وإشتراكه(ها) في الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وكذا في مشروعات الخدمة العامة والعمل التطوعي و الإنساني من أهم الوسائل والطرق للتقرب و التعرف أكثر على هذه ” الشخصية المتقلبة المزاج “، كما تتيح لنا فتح الحوار معه(ها) ، بعيدا عن بروتوكولات المنزلية ، المدرسية و الإجتماعية . إن على الوزارة الوصية على المنظومة التعليمية و التربوية ، أن تعيد النظر في برامجها وطرائقها البيداغوجية و مناهجها الديداكتيكية، حتى تثير اهتمام المتعلمين (المراهقين جزء منهم)، وتعيد إليهم الثقة بأهمية المدرسة كمؤسسة تعليمية وتربوية ، تهدف إلى توجيههم و إدماجهم في الحياة الإجتماعية. وبدون إعادة النظر وتجديد أثاث و أدواة هذا البيت العتيق وإعادة ترتيب محتوياته و نهج أسلوب الحوار من طرف العاملين فيه، فإن هذا البيت يهدد بفناء نفسه بنفسه. إذن ” فلنحاول تعليم الكرم والإيثار، فنحن نولد أنانيين ” كما قال ريتشارد ديكنز .

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

للتواصل: besp-akrouh@Hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.