في أية عجينة ستضع خميرتك ..؟؟

” ستندمون إن لم تعودوا إلى مراكز التكوين ”

   هكذا بملء فيه، وبإيماءة  صارمة مع نوع من الخيلاء والاعتداد بالنفس ، أطلق الوزير الأول  كلماته تلك التي توحي بالوعد والوعيد ، مؤكدا مرة أخرى بأنه لن يتحول عن ” اجتهاده ” قيد أنملة ، ولن يتزحزح عنه مقدار رأس إصبع، وبلغة مبتذلة وهجينة، تزاحمت معها صور شتى عن ماضي الحركة والإخوان)الأنا (والخونة)الآخرون(..فجر كلماته السابقة بلسان حاد وكأنه السيف البتار الذي ينفذ إلى القلب فيفعل به الأفاعيل والأعاجيب !!

    بعد انتشار روائح الفساد النتنة ، فضلا عن ” النباهة والاستحمار” في كشف عورة “التماسيح والعفاريت ” عشية تسلمه زمام الأمور، أراد لنا بنكيران أن نعود إلى رشدنا أو نعيد رشدنا إلينا ، فنتصالح مع أنفسنا، وأن لا نسأل عن أشياء أو مطالب ،لأن ذلك سيسيء لنا ثم  لصورة البلاد، فنصبح على ما فعلنا نادمين، مذكرا باستفهام استنكاري)واش نستو كلام سيدنا ؟ (لا يحتمل إلا جوابا قطعيا واحدا) وهو: بلى(!  ثم  أن المغرب بلاد الأمن والاستقرار و”الحمد لله على الاستقرار ” !!

     أراد وزير الدولة “النبيه ” للمواطن المغربي أن يفيق من سباته، وأن يفرك يديه بالماء والصابون، فإن لم يجد فصعيدا طيبا، ثم يكنس ذاكرته المتصدعة، ويزيل كل ما علق بها من صور العدل والكرامة والحرية والمساواة..وإن لم يستطع،  فما عليه إلا أن يغلق عليها في صناديق عقله، ويدخل رأسه بين كتفيه، وأن يبلع ريقه ومعه لسانه وأنفته في حلقه حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا.

ماذا تبقى لنا  ؟

    لم يسبق لحكومة من الحكومات في العصر الحديث ، ولا لنظام سياسي في أي بقعة من بقاع العالم مهما بلغت درجة قسوته وتسلطه، أن قام بالاعتداء على معلميه وأساتذته وأستاذاته بهذه القسوة والوحشية التي تابعناها وتابعها العالم معنا ، حيث شظايا الكلام  النابي  والساقط ، والهراوات تتهاطل، بشكل عشوائي على بقايا جسوم ، تئن من فرط والحرمان اليأس والألم ، وهي مخبوطة على الأرض، ترتجف متجدلة في دمائها لا حول لها ولا قوة !!

   فالمجزرة التي ارتكبت في حق الأساتذة المتدربين  في إنزكان كما في طنجة و البيضاء وتازة وفاس … تعد حدثا تاريخيا، ورمزا لوحشية دولة بوليسية مستبدة لا تعترف إلا بالطاعة العمياء والخضوع التام ، وأن سنوات الجمر والرصاص ، وسياسة تكميم الأفواه  وتلفيق التهم الجاهزة ، لا زالت قائمة وبإمكانها أن تطفو فوق سطح الأحداث ،لأحقر الأسباب و في أية لحظة ، فلا عهد جديد ولا دستور جديد ولا هم يحزنون !!

    من خلال سماعنا للغة “الشيخ “الوزير ، وهو يخطب في شبيبة حزبه و”مريديه”، وقد اتخذت كلماته منحى و لهجة  تهديدية ، ثم طبيعة الجريمة التي طالت هؤلاء الأساتذة والأستاذات، من ضرب ورفس وشتم وإسالة دماء كيفما أتفق تحت ذريعة ” الحفاظ على الأمن والاستقرار ” و” ضرورة تطبيق القانون ” ، يمكن القول : إنها جريمة نكراء ، تعكس وحشية وجبروت نظام مخزني لا يدين إلا بدين العنف والعنف دينه و إيمانه ، وأن ما يخفيه لنا المستقبل قد يكون أخطر وأشد هرعا وهولا، أما ثالثة الأثافي فهي الصلف والانتهازية والرعونة التي طالما أبانت عنها حكومة الواجهة بقيادة بنكيران وجماعته تجاه رجال ونساء التعليم بوجه خاص، هؤلاء الذين أعطوا كل شيء لهذا الوطن ولم يأخذوا مقابل ذلك شيئا !!

     فمادام الاقتصاد المغربي في إطار التقسيم الدولي الجديد للعمل، موجها بالدرجة الأولى لخدمة الدوائر الإمبريالية ، وانعكاسا مشوها للأزمة العالمية الراهنة، فإنه سيظل معوقا لامحالة إعاقة مزمنة لاانفكاك منها إلا بمطاردة الفقراء وذوي الدخل المحدود ، فيكفي قراءة تقرير منظمة التجارة العالمية الخاص بالخدمات يقول بيير بورديو، حتى تعرف أي سياسات للتعليم تلك التي ستفرض علينا خلال السنوات القادمة .

     وعليه، فمن نافلة القول أن بنكيران قد اجتهد وتفنن أكثر من الوزراء السابقين جميعا في تنفيذ إملاءات المؤسسات المالية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ،  فضلا عن خلق الشروط المناسبة للاستثمار، على حساب الشعب الفقير وكفاءاته  المخلصة ، وبالتالي فإن ” المسكوت عنه ” في المرسومين الوزاريين المشؤومين اللذين أصدرتهما وزارة التربية الوطنية هو: العمل على  خلق جيش احتياطي من رجال ونساء التعليم رهن إشارة المستثمرين في التعليم الخصوصي، في أفق القيام بطقوس صلاة الجنازة على المدرسة العمومية .

     إن ما بلغناه من الوهن والخور والإذلال، وما أصبحنا نراه نصب أعيننا من مخططات لاستغلالنا وتجويعنا وتركعينا ــ عملا بالمثل القائل ) جوع كلبك يتبعك ( ــ يجعل كل ذي عقل لبيب يلعن هذا الزمن الرديء، ضائعا في سراديب الشك والظنون ، متسائلا في ضيق وحنق عما ينبغي القيام به إزاء هذا الهجوم الشرس و الممنهج لإبادة  شعب ومجتمع ، ومحو ذاكرة وتاريخ وأخيرا في أية عجينة سيضع خميرته؟

   هل بإمكان هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام والتضليل العمومي التي تمول من عرقنا الممزوج بدمائنا، أن تتوقف عن بث سمومها وتفاهاتها في وجهنا وفي وجه أبنائنا ؟وهل باستطاعتها أن تتلف بضاعتها الفاسدة ،  وتنتفض في وجه مدرائها ومسؤوليها؟ أما آن الأوان أن نرى في هذا الإعلام رجالا ونساء يعكسون  بصدق وأمانة نبض الشارع وما يعتمل فيه ويعبرون عن الآم وآمال الإنسان البسيط المقهور في أقصى أقاصي هذا الوطن   ؟

    وهل بإمكان هذا ” الفسيفساء ” الذي يتبجح به الإعلام الرسمي،  وكل الأقلام المأجورة  في الداخل كما في الخارج ،من نخب ومثقفين وجمعيات وأحزاب ونقابات ومؤسسات… أن يأخذ على عاتقه مهمة تفكيك ما استغلق على الأذهان، وإزالة هذا الحجاب الصفيق البغيض من أمام أعين الناس بدل التطبيل والتزمير لاستثناء مزعوم  ؟؟

     لكن و من جهة أخرى وبعدما ارتسمت  آيات الضعف والنكوص على ملامح فئات عريضة من أبناء هذا الشعب المقهور ، هل بإمكان هذا الأخير الذي لا يحس إلا باليأس والتذمر والإحباط ، أن ينهض ويستنهض الهمم ، ليخلص نفسه من هذا الظلم الجاثم على قلبه، ويوقف هذا الاستنزاف المفرط لطاقات أبنائه و لخيرات البلاد ؟ ثم هل بإمكان هذا الشعب أن يستعيد مجده البطولي ، مجد محمد بن عبد الكريم الخطابي ، وكل المناضلين الشرفاء والأحرار اللذين ما فتئ هذا الوطن يحبل بهم  ؟

    ماذا تبقى في رصيد هذه الغالبية المسحوقة حتى لا أقول الساحقة، وهذا المواطن الصموت وهو المثخن جراحا؟ لماذا لا يموت هذا المتهم المدان الذي لم تثبت براءته بعد، ميتة سريعة بدلا من موته على السفود ؟؟  ألم يقل ماركس ” ليس للعمال ما يفقدونه غير قيودهم “؟

     ختاما، لا أملك إلا أن أعلن تضامني المطلق مع الأساتذة المتدربين، ثم أؤكد مرة أخرى على أن النضال حتى إسقاط المرسومين المشؤومين هو حق مبرر ومشروع ، وفي نفس الوقت أقول لكل من شارك في مجزرة “الخميس الأسود ” سواء بالتخطيط أو بالتدبير، إن التاريخ لن يرحمكم أيها الأنذال مهما تزلفتم بالجد والمثابرة لأسيادكم ، ولن تنفعكم أيها الساديون شعاراتكم الفارغة التي لم تعد تنطلي حتى على تلاميذ الصف الأول من السلك الابتدائي ، ولسوف تساقون يوما إلى مزبلة التاريخ كما تساق الخنازير إلى حظائرها .

* أستاذ بالتعليم الثانوي الإعدادي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.