في أن الإرهاب نفي لحرية التعبير !!!

تعلمنا من مهنة تدريس الفلسفة مسألة قليلا ما يوليها الغالبية الأهمية التي تستحقها ، وهي توضيح المفاهيم التي يتم توظيفها في توصيف الأحداث والوقائع ، وهو ما يؤدي إلى الغموض والتشويش وضبابية الرؤية ، والتي ينتج عنها تذبذب المواقف والتصرفات من هذه الأحداث ، واضطراب الخطابات لدى الخاصة والعامة ، وفي هكذا ظروف تكون ” الحقيقة ” هي الضحية الأولى والأخيرة …

وتفاديا لسوء الفهم هذا، سنوضح ماذا نقصد في مقالنا بالمفاهيم التي تضمنها العنوان ، وذلك حتى لا يسير معنا القارئ مغمض العينين !! ونساهم حسب تصورنا للموضوع في تشكيل صورة أقرب إلى الصحة حول ما يقال وما يمارس باسم كل من الإرهاب و حرية التعبير، لنبين بعد ذلك كيف يقود الإرهاب، أو ممارسة الترهيب بتعبير أدق إلى نفي لحرية التفكير والتعبير في نهاية المطاف …

بالنسبة لي يعني مفهوم الإرهاب، كل ممارسة للعنف المادي الجسدي أو الرمزي ضد الأفراد والجماعات لإجباره بالقوة على تبني فكرة ما أو تصرف معين ، خارج القوانين المتعاقد عليها التي تحميها الدولة . إن أي ممارسة للعنف بغض النظر عن ممارسه و ضحيته تعتبر ترهيبا بشكل ما ، ونحن لا نحتاج لتعداد نتائجه على الفرد والمجتمع لما يشكله من نقيض لممارسة للحق في الحياة ولحرية التعبير .

لقد ارتبط المصطلح في العقود الأخيرة بالجماعات الإسلامية المتطرفة ، والتي تستخدم العنف ضد المدنيين قبل العسكريين لتحقيق أهدافها التي تؤصل لها دينيا ، و قد ورد معنى كلمة الإرهاب بشكل مختلف في عدة آيات قرآنية ، ومن أهمها  ﴿ترهبون به عدو الله﴾ [الأنفال/ 60] ، والتي تفيد في نهاية الأمر جواز استخدام كل أشكال القوة لإخافة العدو أو من هو غير مسلم في نهاية الأمر حسب تصنيف هذه الجماعات وحسب تأويلها للنصوص الدينية ، لذلك يتم إخراج جماعات إسلامية باكملها أو حتى دول معينة من دائرة الإسلام ( موقف الجماعات السنية المتطرفة من إيران الشيعية مثلا )..

وعموما يتم اللجوء لإرهاب الغير للحصول منه على تصريحات أو مواقف من مواضيع معينة ، هكذا فإذا تجاوزنا حالات العنف الذي يكون هدفه السرقة أو الاغتصاب مثلا ، فإن أغلب أشكال العنف غير المشروع الأخرى تصنف على أنها إرهابية وتقوّض أسس التعايش والأمن وحرية التعبير بل والحق في الحياة …

و لما نتحدث عن حرية التعبير فنحن نقصد قدرة كل شخص على التعبير عن مواقفه بكل حرية وبكامل إرادته ، وحسب ما تسمح به القوانين المشروعة ، وليس حسب هواه وميوله الإيديولوجية أو الدينية أو ثروته …إن حرية التعبير والرأي والتي لا تنفصل عن حرية التفكير و حرية التدين ، كلها لن يكون لها وجود أو اعتراف أو ضمانة لتحقق ما لم يتمكن الشخص الذي يتمتع بها من تجسيدها عبر التعبير عما يريد ويعتقد بكل حرية وبدون خوف أو ترهيب من أي كان …هكذا يتم التعبير عن المواقف والآراء والتصورات من كل القضايا والمواضيع وبدون خطوط حمراء، شفويا أو كتابة وبكل الوسائل المتاحة للتعبير ، و تخبرنا المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، الذي يعتبر “دستور الإنسانية ” في هذا المجال بأنه : ” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ” . وهذا ما يفيد بأن حرية التعبير مقدسة ولا يحدّها إلا القوانين التي تحاول تنظيمها لكي تضمن للجميع التمتع بها على قدر المساواة .

هكذا يعتبر الإرهاب إذن نفيا لهذه الحرية عمليا ومقوّضا لها من عدة وجوه نشير للبعض منها . فهو ممارسة تستهدف إجبار الناس على التخلي عن دينهم أو معتقدهم أو أرائهم السياسية بالعنف و القوة المادية ولو وصل الأمر لتصفيتهم جسديا بأبشع الطرق في القتل والتنكيل والتعذيب ، وكم من ألاف الضحايا قتلوا فقط لأنهم مختلفون دينيا أو طائفيا أو عرقيا وبكل وسائل القتل والتفجير الممكنة …

ولسنا محتاجين لجرد أمثلة في هذا الإطار فالواقع الإقليمي والعالمي أمامنا واضح وضوح الشمس …

ومن جهة أخرى باسم محاربة الإرهاب تم خوض عدة حروب ،والتي أصبحت ذات بعد كوني تقودها أمريكا ضد تنظيم داعش حاليا ، و تحصد الآلاف من الضحايا من كل الأطراف، وخاصة من المدنيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في التوازنات الجيوستراتيجية التي تتم صناعتها بتوظيف هذا المفهوم عالميا …

أما على مستوى الدول ، فهناك سباق محموم للكل نحو سن المزيد من التشريعات تحت مسمّى محاربة الإرهاب ، والتي ستضيّق حتما مجال ممارسة حرية التعبير عمليا ، بحيث سيسهل التخلص من أي صوت مزعج عبر إلصاق هذه التهمة به، بل إن بعض الدول، ومنها المغرب ، أصبحت تجرم حتى وضع ” جيم ” على منشور في الفايسبوك في بعض الحالات التي يمكن تكييفها فيها على أنها إشادة بالإرهاب !!!

بهذا المعنى باختصار شديد ، يبدو بأن حرية الرأي والتعبير ، إلى جانب الحق في الحياة بطبيعة الحال ، تعتبران الضحيتين الأكثر تضررا من الإرهاب ، سواء مارسه أفراد معزولون أو جماعات منظمة أو دول ، فنحن نتفق مع القول بأن الإرهاب لا دين له ، رغم إلصاقه بالتنظيمات الإسلامية الجهادية ،كما أننا نعتبر بأن له أشكال مختلفة، وقد يصدر عن فرد معزول أو حتى عن جهاز الدولة نفسه ، وهنا نستحضر دول عربية ليست بعيدة عنا قتل جيشها عشرات الآلاف من المدنيين بحجة محاربة الإرهاب !!!

يخبرنا الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا بأن الغاية الأسمى من وجود الدولة هي ضمان ممارسة الحرية ، كما جعلها جل فلاسفة التنوير قيمة عليا ينبغي جعل التشريعات في خدمة توسيعها واحترامها وأساسا ضمانها للجميع، ولا يمكن تصور أن يعيش الإنسان العاقل دون أن يتمتع بحريته في التعبير عن أرائه ، وهؤلاء الذين يرهبون الناس لتغيير مواقفهم وقناعتهم وتبني تصورات محددة أو القيام بتصرفات معينة ، هم أناس جهال وعدميون وضد الحياة وضد الإنسانية ، كما أنهم ضد العقل الذي ينشد الإقناع بالحجة والبرهان ، وليس بجعل الناس يتصرفون والسيوف على رقابهم سواء كانت سيوفا مادية أو سيوفا ” رمزية ” مع التحفظ حول هذا التوصيف !!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.