fbpx

في أثر المجرمين الدوليين بالريف

مدخل:

أتوخى من هذا المقال* تقديم قراءة في كتاب “إشكاليات التسوية الأممية و الدولية للجنح و الجرائم الدولية: حالة حرب الريف الكيماوية  1921 – 1926″ ** لمحمد الغلبزوري، تمكن أساسا من إبراز القيمة المضافة لهذا الإصدار الأكاديمي ( هو في الأصل أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه) الذي يندرج إجمالا في مجال ” العدالة الدولية ” ، لكنه يتناول بشكل خاص الإشكاليات النظرية و العملية التي تطرحها تسوية الجرائم و الجنح الدولية انطلاقا من القواعد المؤطرة للقانون الدولي. و مرد هذه الإشكاليات هو تميز القانون الدولي – مقارنة مثلا مع التشريعات الوطنية – بجملة من الخصائص من أهمها : طبيعته الإفتراضية و غير الإلزامية في حالات كثيرة، تداخل ما هو سياسي بما هو قانوني فيه، خضوعه لجدلية العلاقة بين قوة القانون و قانون القوة ، تأرجحه بين الشرعية  Légalité و المشروعية  Légitimité …و يطرح ما سبق إشكالا عاما يمكن صياغته انطلاقا من الأسئلة التالية : هل يمكن تسوية الجرائم و الجنح الدولية ؟ و كيف يمكن أن يتم ذلك ؟ هل هناك إمكانية عملية لتسوية الآثار المترتبة عن الحرب الكيماوية على الريف ؟ ما هي القيمة المضافة لدراسة الأستاذ الغلبزوري ؟ ثم كيف يمكن تفسير هذا التحالف و الصمت الغربيين عما حصل ؟

 1- إشكاليات التسوية و إمكاناتها النظرية و التطبيقية : اعتمد المؤلف مقاربة منهجية ذات بعدين؛ بعد نظري عام، و بعد  تطبيقي خاص بحالة محددة (حرب الريف الكيماوية). 

أ- البعد النظري : انطلق الكاتب هنا من الضبط المفاهيمي الذي يفرضه موضوع الدراسة، حيث قدم – انطلاقا من القانون الدولي – تعريفا، أو على الأدق تأصيلا فقهيا و قانونيا،  لمفهومي “الجنحة الدولية” و “الجريمة الدولية”؛ و هكذا بين في ما يخص الأولى – باعتبارها تندرج في إطار الفعل الدولي غير المشروع – شكل ارتباطها بالدولة،  ثم الأضرار المترتبة عنها و كيفيات إثبات العلاقة السببية معها، و انتقل بعد ذلك لتحديد طرق تسوياتها الممكنة ( قضائية، دبلوماسية…) و الهيئات المسؤولة عن ذلك، لينتهي إلى تحديد مفهوم المسؤولية الدولية. و في الجزء الثاني من هذا المحور انتقل للحديث عن مفهوم الجريمة الدولية، مبرزا صعوبات التمييز بينها و بين “الجنحة الدولية”، ثم بين بعد ذلك الأركان الثلاث للأولى : المادي و المعنوي و الدولي، و هي من هذا الجانب لا تختلف كثيرا عن الجريمة العادية (ص 233)، و انتقل بعد ذلك لاستعراض الصور المختلفة التي يمكن أن يتخذها الركن الدولي لهذا النوع من الجرائم : العدوان، الحرب، الإبادة الجماعية، جريمة ضد الإنسانية  (ص 244). منهيا هذا الشطر من البحث بالتوقف عند الأهم؛ و هو استعراض الكيفيات المختلفة التي تمكن من تسوية الجرائم الدولية، مبرزا التطور التاريخي للقانون الدولي في هذا المجال من خلال عرض أهم القوانين و المعاهدات و الإتفاقيات الدولية ذات الصلة، و أيضا تحديد المؤسسات الدولية و الأممية ( محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية، مجلس الأمن …) التي يمكن اللجوء إليها للنظر في هذا النوع من الجرائم سواء كانت مرتبطة بالأفراد أو الدول، مبرزا حدود صلاحيات كل واحدة من هذه المؤسسات. 

ب – البعد التطبيقي : حاول الكاتب في هذا البعد اختبار ما جاء في البعد النظري انطلاقا من حالة خاصة و متميزة تتمثل في الحرب الكيماوية التي شنت على الريف بين 1921 و 1926 من طرف إسبانيا و فرنسا، و بتواطؤ أطراف أخرى ( ألمانيا، المخزن السلطاني، بريطانيا…). فبين بهذا الصدد أن الأمر يتعلق بجريمة دولية مكتملة الأركان، ثم استعرض بعد ذلك الصعوبات الجمة التي تعترض تسوية هذا الملف الشائك بما يضمن تحقيق العدالة الدولية؛ و هي تتمثل أساسا في تعدد الفاعلين الدوليين و تداخل مستويات مشاركتهم، ثم كون أغلب المشاركين المباشرين في ما حصل و أغلب الضحايا لم يعودوا موجودين، و أيضا امتناع الدول المشاركة في ارتكاب هذه الجريمة الدولية عن فتح أرشيفها العسكري، و كذا صعوبة إثبات حاسم لوجود علاقة سببية مباشرة بين  تعرض منطقتي الريف و جبالة  للقصف بالأسلحة الكيماوية في عشرينيات القرن الماضي و الإنتشار المهول بهما لمرض السرطان، و ذلك رغم القوة الإفتراضية لهذه العلاقة كما تؤكد ذلك المعطيات الإحصائية و بعض الدراسات الطبية. لكن يبقى أهم عائق هو ما تطرحه قضية قابلية تطبيق نصوص القانون الدولي بأثر رجعي في مثل هذه الحالات…و مع ذلك فقد قدم الكاتب خارطة طريق من شأن اعتمادها تسوية هذه الجريمة رغم مرور ما يقارب قرن على حصولها، و هي تقوم على إتباع أحد الإختيارين : إما تبني الدولة المغربية لهذا الملف رسميا و الترافع عنه، و هذا يفرض عليها الإعتراف بحصول هذه الجريمة؛ و هو أمر مستبعد في الظروف الحالية لاعتبارات سياسية و إقتصادية و ترابية من جهة، لكن من جهة أخرى لاعتبار أساسي يتمثل في كونها تتحمل في ما حصل مسؤوليات عدة : قبلية، لأنها وقعت معاهدة الحماية التي شرعنت التدخل الأجنبي في الريف. و آنية، لأنها لم تستنكر في شخص السلطان ما حصل بالشكل المطلوب أثناء وقوعه رغم تعارضه مع بنود عقد الحماية. و بعدية، لأنها لم تعمل – و خاصة بعد الإستقلال – على إنصاف الضحايا. لكن أهم عائق يصطدم به هذا الإختيار، حتى في حالة تبني الدولة المغربية لهذا الملف، هو بقاء تفعيله مشروطا بقبول الدول الأخرى التقاضي بشأنه أمام مؤسسات العدالة الدولية المختصة ( يبين هذا أحد نواقص العدالة الدولية المتمثل في كونها عاجزة أمام الأقوياء !) . أما الإختيار الثاني فيقوم على مبادرة أفراد أو جماعة من الضحايا أو ذويهم بالترافع عن القضية أمام القضاء الوطني أو الإقليمي للدول المشاركة في هذه الجريمة، لكن هذا الإختيار أيضا تعترضه مجموعة من العراقيل من أهمها صعوبة تقديم قرائن مادية تثبت مسؤولية كل طرف في ما وقع، خاصة في ظل امتناع الدول المتورطة عن فتح أرشيفها العسكري للإطلاع عليه، و لكون أغلب المعنيين المباشرين بهذه الجريمة لم يعودوا موجودين. 

2- في القيمة المضافة للكتاب : ما عرضته في تلخيصي أعلاه – رغم ما في هذا الإختزال من إجحاف في حق المادة الدسمة لهذا الكتاب الذي ينفتح على حقول عدة ( القانون، التاريخ، الأنتروبولوجيا، الطب…) هو ما تراءى لي كأهم مضامين الكتاب الذي نجح صاحبه على الأقل في تحقيق جانب من العدالة الإنتقالية، و ذلك عبر الكشف عن حقيقة ما جرى (تحديد أركان هذه الجريمة الدولية) كمدخل لتحقيق العدالة الأكاديمية و الإنصاف العلمي بما يعيد الإعتبار للضحايا و ينصف التاريخ و الذاكرة. كما أن الكاتب من جانب آخر قد بين في مرافعته هذه – اعتمادا على نصوص القانون الدولي – شرعية و مشروعية المقاومة التحريرية الريفية اعتمادا خاصة على مبدأي حق الدفاع الشرعي عن النفس و حق تقرير المصير. كما فند محاولة تلطيخ سمعة الدولة الريفية الناشئة و رموزها من خلال اتهامها بارتكاب جرائم حرب ( توظيف لما حصل خاصة في العروي)، إذ بين أن ذلك حصل قبل نشوء هذه الدولة أولا، و أن رموز المقاومة الريفية تصدوا للتجاوزات التي حصلت ( تلك الأحداث كانت من الأسباب الأساسية التي جعلت الخطابي يوقف الهجوم عند حدود مليلية، لأنه لم يتخل عن صفة القاضي طوال هذه الحرب)…و هكذا أكد على الأهمية الاستراتيجية لتسوية الآثار القانونية المترتبة عن هذه الجريمة، بما يضمن عدم تكرار ما جرى و يجبر ضرر الضحايا، و المتمثلة أساسا في ضمان التوازن في العلاقات الدولية و حفظ الذاكرة المشتركة للشعوب و تحقيق العدالة الدولية كأساس لكل سلم عالمي.

  3- على سبيل الختم : و أنا اقرأ هذا الكتاب/المرافعة الذي تطغى عليه اللغة القانونية، انتصبت أمامي أسئلة ذات عمق فلسفي و ثقافي : هل يزداد شر الإنسان كلما ازداد تقدمه العلمي و التكنولوجي أم العكس؟ أيهما كان الأكثر تحضرا : عبد الكريم و رجالاته أم الفونسو 13 و ليوطي و بيتان …؟ لماذا تم اللجوء إلى استعمال الأسلحة الكيماوية في حرب الريف بحجة تقليص عدد الضحايا عبر الإنهاء السريع للحرب، و لم يتم ذلك لنفس السبب في الحرب الأهلية الإسبانية بعد عقد من الزمن من ذلك ؟! ثم هل يمكن أن أذهب أبعد من ذلك للقول أن التقنية هي أفق الميتافيزيقا الغربية لذلك لنا الله في السماء و لهم فيها الطائرات ؟ (لا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد أن حرب الريف هي أول حرب يتم فيها الحسم عبر استعمال الطائرات في القصف بالأسلحة الكيماوية).   في رأيي فبعض الجواب عن تلك الأسئلة يتلخص في كلمة واحدة: “أنوال”، و التي حطمت عقدة و عقيدة تفوق الإنسان الغربي، لذلك كان الرد همجيا بغية محو آثار هذه “الكارثة الثقافية” قبل أن تكون هزيمة عسكرية، و تحالفت الدول الغربية رغم اختلاف مصالحها لسحق المقاومة الريفية باستعمال أسلحة محظورة و بطريقة سرية (اعتماد السرية في نظري لا يرجع أساسا إلى الخوف من انفضاح خرقها للقانون الدولي، و إنما إلى الرغبة في إخفاء عجزها عن هزم المقاومة دون اللجوء إلى استعمال الأسلحة الكيماوية). و للكشف عن هذه العقلية الغربية العنصرية و المقيتة و الممتدة في الزمن سأحيل على تصريحين خطيرين لمسؤولين غربيين وقتذاك . يقول ألفونسو 13 سنة 1925 : ” أما الإنسانية فيجب استبعادها عن هذا الموضوع، لأن معنى ذلك هو إرسال آلاف من الرجال الشجعان من الإسبان و الفرنسيين إلى الموت. و هذه هي الجريمة الحقيقية…يجب أن نقوم بعملية تصفية شبيهة بعملية القضاء على الحيوانات المؤذية” (ص 474). و يقول تشيرشل البريطاني بصدد نفس القضية : ” إنني لا أفهم ردود فعل التأفف و التذمر هذه بخصوص استعمال الغازات السامة. فأنا أساند بشدة استعمال الغازات السامة ضد القبائل غير المتحضرة” ( بلفور “العناق المميت” ص 283. ط 1 من الترجمة العربية). و طبعا يبقى أبلغ رد عن هذه الثقافة العنصرية المميزة للإنسان الغربي، هو ذاك الذي صاغه عبد الكريم في ” رسالة إلى الأمم المتحضرة ” ( مادارياغا ” اسبانيا و الريف : وقائع تاريخ شبه منسي ” ط1 بالإسبانية ص 517) و التي عرى فيها عبد الكريم حقيقة الحضارة الغربية.

رشيد الموساوي

*  هذا المقال هو في الأصل مداخلة في حفل تقديم هذا الكتاب بدار الثقافة بالحسيمة بتاريخ  29 يونيو 2019.

** نشر سليكي أخوين. يناير 2019.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.