فينوس

ضوء خافت ، موسيقى هادئة ، طاولة خشبية مستديرة في ركن دافئ ، تزينها قنينة نبيذ و بضع ورود حمراء . دخلت بابتسامتها المشرقة و كأنها شمس يوم جديد، عيون داكنة كسواد ليلة شتاء طويلة ، فستانها جمال يكسو الجمال ، خصلات شعرها تنساب على كتفيها كشلال منهمر من أعلى التل ، توقف الوقت ، اختفت الأغنية ، انصب تركيز الحواس و الوجدان عليها . دخلت فينوس لشاطئ كياني و اجتاحته بقداستها ، قمت تبجيلا و هيأت عرشها المتواضع ثم تربعت عليه و على قلبي ، سكون المعابد يجوب المكان ، خشوع ممتزج بالشهوانية ، ملاك في مواجهة شيطان هائم ، مشهد عبثي ، عبث بكل شيء ، شتت المشاعر و لطخ بها الفراغ كتلطيخ فنان مجنون لثوب أبيض ، فتنقشع اللوحة ثم التحفة .
بدأت إلهتي بالحديث ، شرعنا في القداس و أنا متضرع و نظري صوب شمعة مركز الطاولة ، هاهي فيناليا روستيكا ليلتنا في أوجها ، لا أسمع إلا نبرة صوتها السماوي كأنه نقرات خفيفة على أوثار قيثارة . تارة تفضفض لي روتين الجنة و تارة تنقلني إلى الشام حيث دمر بيت أهلها على يد أنصار يسوع ، ثم إلى الحجاز حيث التقت أول عربي في حياتها . طافت بي في أصقاع الأرض إلى أن حطت رحال كلماتها في المكان الذي ولدت فيه . حدثتني عن ذكريات طفولتها في قبرص ، عن لعبها في الشواطئ بالرمال و الحصى و كيف كانت تصنع القلائد و الأساور من خيوط الصيادين الرفيعة المليئة بالصدف . لم أنطق بكلمة ، ثابت كجلمود فوق الكرسي ، كانت إيماءات رأسي وحدها تعبر عن وجودي و تجعلها تسترسل في الكلام ، فجأة توقفت فسألتني :
– ماذا عنك ؟
أيقظني السؤال و أرجعني إلى اللحظة بعدما غادرها تفكيري بعيدا سابحا كسفينة هربت بها أشرعة فينوس برياح قصصها نحو الماضي ، سكبت كأس نبيذ ، تناولت رشفة لأستعيد بها وعيي بعدما غفلت عنه و لأتذوق مذاقها الحلو لعله ينعشني و يدغدغ حواسي الجامدة ، نظرت إليها في حيرة ، فأجبت : -عني أنا ؟
بدا على عينيها الإصرار، و رفضت الكلمات أن تخرج من فمي، حتى تكرر سؤالها فنطقت و أنا أنفث أنفاسي بحسرة و كأن شيء ما يجثم على صدري :
-غريب في وطني ، متاهة شائكة لم يطأها أحد بعد ، غامض ككهف مقفر يداعبه النسيم لكنه لا يستطيع أن يصل إليه لثقله و عجزه ، هائم في الحياة و الناس ، أراقبهم من بعيد ، أراهم و لا يرونني ، أقف لأرمق الأماكن و أشعر بالأزمنة و أغوص في نفسي ، تعرفت على شيء منها و لا زال المزيد ، معقد جدا .
لمحت استغرابها من الهرطقات التي نطقت بها عند حديثي عن نفسي ، فتداركت الموقف و اعتذرت :
-سامحيني عن مجازي و أنانيتي ، فقد جعلتك تنتظرين الإجابة ، و انجرفت في الوصف دون أن أفيدك بمعلومة واحدة.
تبدلت ملامحها و أبشرت قائلة :
-لا بأس ، لم أعرف عنك شيئا بعد لكن كلامك الشاعري المبهم أعجبني ، إنه كلام مجانين صادر من عاقل.
تنفست الصعداء رغم أن كلامها كان جارحا بعد الشيء، فقد نعتتني بالمجنون. و في غفلة منا انفتحت نافذة المكان على مصراعيها و هبت ريح قوية أطفأت نور شمعتنا ، ناديت النادل و أنا أصرخ :
-أيها النادل ، أشعل الشموع فورا و أغلق النوافذ ، ما هذه الخدمة السيئة !
جاء النادل مهرولا بعد أن أحكم إغلاق النافذة فأخرج كبريته و أشعل شمعة الطاولة . عم النور من جديد لكنه ليس كما كان من قبل ، تغير كل شيء ، وجدت نفسي وحيدا !

3 تعليقات
  1. momo يقول

    جميل

  2. houyam يقول

    amazaing … i don’t know what can i saw but it great … and this text discrabte as you are … WOW !!!

  3. أبو سامية يقول

    ثابر و أكمل على هذا المنوال !!!! رضوان الله عليك أيها الشاب الموهوب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.