فيلم نبيل عيوش افسد المجتمع !

علامة التعجب في عنوان المقال، هي المقال! في حياتي القادمة، إن كان ثمة تناسخ أرواح، وإن حدث وغدوتُ رئيسا للمغرب، أو ملك ربما، سأصك قانونا يعتقل بموجبه كل من يطلق معلومة معرفية مغلوطة او حكم مسبق على قضية ما ، فيصدقها الناس، وتتداولها الألسن، وتصير حقيقة بين العامة، وما هي إلا هراء وبلاهة وجهالة! سأسميه قانون «مكافحة التجهيل». فأن تكون جاهلا، لا بأس فكلنا جهلاء نتعلم حتى نموت، أما أن «تجهل» الناس قسرا، فتلك جريمة، تستوجب العقاب! مضحك أن تسجن من يسرق منك 100 درهم، ولا تجرم سارق عقلك! سأفتتح المعتقل بأولئك الذين قالوا: «فيلم نبيل عيوش الأخير سيفسد قيم المجتمع»! وفي المعتقل، سنعاملهم معاملة كريمة: نمحو أميتهم، ثم نعلمهم كيف يفتحوا الموسوعات ليستخرجوا تعريفا لمصطلح ما ثم نطلعهم على مفهوم المجتمع، وبعد هذا قبيل إطلاق سراحه، «نقرص» أذانهم ونقول لهم: «عيب تهضروا في اللي متفهموش فيه»!.

جريمة هؤلاء مرت دون عقاب، فأتت ثمارها العطنة، أي عبث بعقول الناشئين! لاسيما في مجتمعات نقلية تنتهج ثقافة: «قالوا له»، وليس لديها «وقت» ولا «مزاج» للقراءة وتحصيل المعرفة من مصادرها! لهذا تقول «أناتول فرانس»: إذا قال خمسون مليون شخص مقولة حمقاء، ستظل مقولة حمقاء!». كل المنتقدين لفيلم نبيل عيوش، لم يشاهدوا إلا لقطات لم تتجاوز دقيقتين من الفيلم، وانتقدوه واتهموا مخرجه بإفساد المجتمع وكأنه هو الذي اوكلت له أمور الحكم والسهر على التعليم والسياسة والثقافة في هذه البلاد السعيدة، بينما عيوش لم يقول شيئ وهو لم يبدع في شيئ، فعل كما يفعل أي صحفي، صور مشهد ونقله للناس، غير أن الناس التي نقل لها المشهد عقولها منخورة ولعل المخرج كبس بيده على موضع الجرح فصدح صراخ الآلم !.

في هذا يقول أدونيس، الشاعر والمفكر السوري الكبير: «أنت لا تكرهني، أنت تكره الصورة التي كونتها عني، وهذه الصورة ليست أنا». وبالمنطق نفسه نقول لهم أنتم لا تكرهون عيوش ولا فيلمه، بل تكروهون الصورة المشوهة التى رسمتها أذهانكم عن المخرج وفلمه. وهذا شأنكم، فأنتم أحرار في أن تقبلوا أو ترفضوا ما تشاءون، ولكنكم لستم أحراراً في تشويه معارف الناس وسرقة عقولهم.

المغاربة، عاشوا ويعيشون سنوات من الجهالة وهي طافحة كمواسير المجاري الخربة بفضل سياسية وثقافة “الاستحمار”، وهي الجرثومة التي انتقلت إلى أنظمتنا الإجتماعية بشتى أنواعها عبر التجارب التكليخية، على رأسهم التعليم والذي مشاكله لا تنتهي، ونظام الصحة بحيث يذهب المغربي الذي ينتقد فيلم عيوش خوفا على المجتمع للمستشفى فيجد نفسه مجبرا على دفع الرشاوى، وفي طريق بالكاد لا يجد مرفق عمومي أو حديقة عمومية أو علامة تشوير كاملة، ولا حتى مرحاض عمومي، تنقض عليه ضرورة قضاء حاجته فيقضيها في الشارع العام، والمغاربة يموتون في حوادث السير أكثر من أولئك الذين يُقتلون في الحروب، والاحصائيات تقول أننا شعب لا يقرأ ومستوى مطالعة الكتب والجرائد في تدني مهول، وفي مراتب تجارة المخدرات والدعارة لا نتخلف أبدا على زعامتها، ومع ذلك لا أحد تحدث أو سئل عن من يفسد أخلاق المجتمع، وهناك مثال مغربي على وزن الخاتمة يقول “ طاحت الصمعة.. وعلقوا الحاجم.. طاحت الصمعة وعلقوا عيوش” .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.