رأي: فيلم جزيرة المعدنوس… طعنة في ظهر البلد بخنجر الدعم العمومي

ليس في فيلم جزيرة المعدنوس كتابة سينمائية ساخرة، هناك ملامح وجه عبدالله فركوس فقط، ما يمكن أن ينتزع بعض الابتسامة لا غير…

هناك فيلمان في فيلم واحد، فيلم صور بين مدينة سلا والمحمدية وأحد مدن الشمال وآخر صور في اسبانيا ومدينة مدريد بالضبط…

الجزء المغربي من الفيلم يستعرض صورة التخلف، مطاردة مخزني للباعة المتحولين ومنزل ذات المخزني الذي يعاني الفقر والبؤس، وكأن المسؤول عن وضع الفقراء هم الفقراء ذاتهم، ثم هناك مكتب المسؤلين عن المخزني ابراهيم، سواء الذي كان يشتغل تحت امرته في سلا أو الذي سينتقل إلى الخدمة تحت مسؤوليته في جزيرة المعدنوس وهي مكاتب بئيسة، بالاضافة الى تجهيزات المخزني الذي سيرسل وحيدا إلى الجزيرة، راديو ارسال سيتعطل لأنه أصيب بالبلل، وبندقية من الطراز القديم ومخزني يصطحب معه ديكا دون سبب واضح… الفيلم الاسباني يظهر مدينة مدريد بلقطة غاطسة (plan plongé) ذات جمالية عالية، فيلا وزيرة الخارجية الاسبانية التي عينت للتو في منصبها ومقر للمراقبة بالردارات عالية التقنية والدقة وقاعة اجتماعات للمسؤولين الاسبان، بالاضافة إلى عتاد عسكري جد متقدم تم تصويره في مستوى عال من الجمال الذي تعكسه الصورة السينمائية…

تقسيم الفيلم إلى فيلمين لا يظهر فقط في جمالية الصور للأمكنة المحتضنة للتصوير في اسبانيا وفقرها وبؤسها بالنسبة للاماكن التي تحتضن التصوير في المغرب، بل أيضا في طرق تناول الازمة السياسية بين الفضائين، حيث صور المسوولون المغاربة بشكل بئيس ( سفير شارد متردد بين أي جهة سيتصل بها، هل الاسبان أم وزارة الخارجية المغربية والداخلية)، اجتماع خلية الازمة في غرفة ضيقة وخطاب خشبي لا يقنع أحد حول الازمة، بينما تم التطرق لتفاعل السياسي الاسباني بكل أريحية، حوار بين وزير الدفاع الاسباني ووزيرة الخارجية الاسبانية، اجتماع للقيادة العسكرية وتفاعل وسائل الاعلام الاسباني مع الازمة بكل قنواته التلفزية والاذاعية…

هل هو اختيار سياسي للمخرج؟ أحمد بولان الذي يقدم نفسه كمخرج متمكن من ادوات اشتغاله السينمائية، خاصة فيما يخص الكتابة الفيلمية ، سيناريو ومونتاج وتصوير، يقع، وربما بوعي، في شرك الاستخدام الاستعماري المتعالي لجهات ما في اسبانيا، يتأكد ذلك خلال جلسة المناقشة التي بسط فيها، وربما بغباء متهور أيضا، مجموع ما تلقاه من دعم من القناة الاسبانية الاولى، حوالي مليونين ونصف درهم (2.500,000) اورو ومن وزارة الثقافة الاسبانية، حوالي مليون درهم (100.000,00) ، وهو دعم لا يمكن أن يتم دون تحديد أهداف محددة وهي تلميع صورة اسبانيا المستعمرة اساسا لمدينة سبتة ومليلية، وللجزر المحيطة بها ومنها حزيرة ليلى، وتسفيه صورة المغرب عبر تقديمه بذلك الوجه المتخلف والاستهزاء برموزه الوطنية ( تغيير لون العلم بفعل التصبين)، دون أن ننسى أن اعتماد عنوان الفيلم : جزيرة المعدنوس بدل جزيرة ليلى، وهو الاسم المتعارف عليها مغربيا، هو شكل من الانصياع لتدبير الرؤية الاسبانية للأزمة…

الفجيعة الكبرى حين يعلم الجمهور أن هذا الفيلم استفاد من الدعم العمومي الذي يمنحه صندوق الدعم السينمائي المحتضن من طرف المركز السينمائي المغربي والذي أجاز مروره أيضا في الدورة 17 لمهرجان الفيلم الوطني بمدينة طنجة…

ليس حجرا على رؤية ابداعية في السينما، والتي تختفي من الفيلم على كل حال، لكن على الجهات المسؤولة أن تضبط مآلات الدعم العمومي الموجه إلى السينما من جهة، والبحث والتقصي في الدعم الممنوح من جهات عمومية لدول يوجد المغرب في صراع تاريخي معها، حول العديد من القضايا ومنها أساسا قضايا ترابية على الاقل بذات المنطق الذي تمارسه ضد الجمعيات الحقوقية والتي على كل حال لا تشتغل بمنطق التخابر الموجه للرأي العام كما مارسه بولان في فيلمه السيء: جزيرة ليلى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.