فـاضل.. روحُـه تسكننـا

قصة قصيرة

أحس “فاضل” اليوم بشيء من الاختناق و الاختلاف !! الجو غير الجو الذي ألفه، و الوجوه غير الوجوه التي اعتادها ظلٌّ يتساءل بينه وبين نفسه: ما الذي حدث اليوم ؟ جلس في المقهى وحيدا كما يفعل في أغلب الأحيان.. في زاوية المقهى يحلو لفاضل الجلوس على الكرسي الخشبي البني اللون وإلى الطاولة الخشبية المغطاة بالمنديل الأصفر الباهت.
جاء النادل القصير القامة، الأسمر البشرة يرتدي بذلة رمادية، قميصا أبيض و ربطة عنق حمراء مزركشةً بكل ألوان الطيف. فاضل أشغلته هذه الألوان عن طلب قهوته المعتادة، ثم انتبه فجأة بعد أن كرر النادل السؤال بصوت مرتفع: أنا في الخدمة سيدي ماذا تحب؟
قهوة سوداء في فنجان. يشرب فاضل ماء القهوة الساخن في عزّ الصيف، قدراتُه الماديّة لا تتيح له شرب الماء المعدني البارد. في المقهى يجلس الناس مثنى و ثلاث و رباع، عشاقا و أحبابا و أصدقاء، سماسرة وتجار العقار.. هنا في المقهى تقضى الحوائج.. في الزاوية المقابلة يجلس شاب مُسمَّر العينين في شاشة حاسوبه المحمول، لعله طالب جامعيّ..تدخل فتاة شقراء تمشي متبخترة يزلقها أغلب الحضور بأبصارهم، فاضل بدور يسترق إليها النظر، تجلس هي الأخرى وحيدة.. انشغل فاضل بمطالعة صحيفة يومية بئيسة عن الاهتمام بأمر الفتاة..
الآن أحس بالتذمر و العبث، فاضل ليس راضيا عن طريقة عيشه، أصبح عصبيّ المزاج هذه الأيام، ربما بسبب ضغط العمل، إذ يكاد لا يجد وقتا لممارسة هواياته المفضلة. يخرج مع نفس الصبح و لا يعود إلى البيت إلا عند الغروب. يعرج على المقهى ليمارس طقسا من طقوسه المعتادة قبل أن يعود إلى البيت وقد نال منه التعب و أخذ منه العياء كل مأخذ..
على ذكر البيت، فإن بيت فاضل عجيب غريب، غرفة في الطابق السادس من عمارة بشارع الفتح في غرفة فاضل فوضى!
كتبه غير مرتبة، فراشه نظيف لكنه غير مرتب. جرائد، مجلات، أوراق و أقلام مترامية هنا و هناك.. لحسن حظه انه ليس من حزب المدخنين و إلا لكانت غرفته ضحية أعقاب !!السجائر
فاضل شخص بسيط عفوي، لكنه عالم من الأفكار و الأسرار، له قصة حب جمعته مع الكتاب و الكتابة، لا تطرب روحُه إلا و الحبر يسيل مرارا كما الدمع على الورق الأبيض لينسج فقرات و كلمات و جملا في الشعر و النثر..
الجميل في حياة هذا الشاب محاولاتُه المتكررة لفك لغز الحياة وصياغة خارطة طريق تتيح له الانتقال الى عيش أفضل. رغم سريالية المشاهد التي تتراقص أمام عينيه يظل يدافع عن قصة كفاحه، رغم فصول الإخفاق و النجاح المتصارعة يقاتل بأشرس الأسلحة لهزم التعثر و تكسير وهم الهزيمة…
عندما تأملت تجربة فاضل و فلسفته في الحياة وجدت روحه تسكن كل الشباب المكافح من أجل غد أفضل و حياة أكثر أمنا و هناء و حرية و كرامة

تعليق 1
  1. عبد الكريم الغازي يقول

    أسلوب قصصي رائع و مشوق يشد القارئ شدا و يجعله يستعجل النهاية و يستبطئ الأحداث حتى لا تنقضي لذة القراءة و شهوة المتعة السردية بين احضان القص المتفرد… جميل ما قرأت ها هنا.. تحياتي و تقديري لصاحب القلم الرائع محمد علي التكانتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.