فصل النقابي عن الحزبي…مهمة مستعجلة.

حين تجد رئيس الحكومة في الشارع وسط تجمع نقابي وعمالي،يخطب فيهم ويمرر لهم وجهة نظر الحكومة المناقضة تماما لمصالحهم ومطالبهم وهم يصفقون. وحين تجد زعيما نقابيا يدا في يد مع زعيم حزب سياسي ووزير في الحكومة في منصة تجمع نقابي آخر، والى جانبهما وزير قطاع يحتج موظفوه وأطره ضد ممارساته و قراراته. وحين تجد حزبا سياسيا يشتري نقابة على المقاس لتصبح مركزيته النقابية،ويضع احد أعضاء مكتبه السياسي على راس لائحة مرشحيها لانتخابات مجلس المستشارين ، وحين ينجح يصبح بقدرة قادر رئيسا للفريق البرلماني لذات الحزب في الغرفة الثانية.

فاعلم انك في بلد اختلطت فيه الأمور لدرجة الميوعة المناقضة لكل منطق سياسي واجتماعي.

اعرف وأومن أن النقابة ليست مجرد أداة للدفاع عن مطالب مادية ومهنية ،بل هي كذلك مدرسة للنضال والتكوين وتعميق الوعي الديمقراطي. إلا أن التحولات العميقة التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الأخيرة أدت إلى اختلال كبير في ميزان القوى وتقلص في القدرات التنظيمية للنقابات. وهو ما يدفعنا إلى طرح مسألة العلاقة بين النقابي والحزبي،أي مسألة الاستقلالية في القرار وأيضا مسألة الديمقراطية الداخلية في علاقتها بجماهيرية الإطار النقابي،والذي يفسر بشكل كبير التناقص المستمر في الإقبال على الانخراط في العمل النقابي،و تشتت هذا العمل وتنامي نزوعات الانشقاق مع تراجع مشاركة الأعضاء في تسيير إطاراتهم وتزايد مظاهر المحسوبية و الزبونية في مجال مفروض فيه بالضرورة أن يكون مناهضا لكل هذه الأمراض.
إن هذا الوضع يقتضي وبشكل مستعجل مهمة فصل النقابي عن الحزبي ،بتغليب منطق الدفاع عن المصالح الاجتماعية برؤية نضالية شمولية ،تستهدف استرداد حقوق العامل والموظف وحماية مكتسباته التي لا تقبل التفويت تحت أي مبرر كان ،خاصة تحت مبرر التكتيك السياسي أو مراعاة توازنات لا علاقة للفعل النقابي بها. إن هذا الفصل من شانه أن يعيد الثقة لمؤسسة النقابة ،ويعزز فرص دمقرطتها الداخلية ويساهم بالتالي في تعزيز فرص بناء وحدة نقابية حقيقية،هاجسها الأساسي هو حماية المصالح الفعلية لمنخرطيها.
ونؤسس لهذا المطلب اعتبارا أن العمل النقابي هو عمل تطوعي بالأساس،وحين يختلط بالحزبي يصبح واجبا حزبيا ويصبح الفاعل النقابي مرتبطا في قراراته وتحركاته بقرارات فوقية تصاغ في مكان أخر داخل مؤسسة الحزب/ الراعي الرسمي،وتتحول معه النقابة إلى مجرد وكالة رهن إشارة الزعيم الحزبي لتصريف تكتيكاته. وبدل أن تكون البرامج النضالية والتوجهات النقابية تعبيرا أصيلا عن المصالح الفعلية للقطاعات الاجتماعية المختلفة، تتحول في هذه الحالة إلى مجرد قناة لتصريف اختناقات الحقل الحزبي وذراعا يستند عليه الفاعل الحزبي لتقوية مواقعه التفاوضية داخل اللعبة السياسية.

ختاما نوضح أن هذا لا يعني أنني أدافع عن منطق النقابة الخبزية التي ليست إلا وسيلة لفصل العمال والموظفين عن النضال السياسي ،بل الهدف هو جعل الاختيار السياسي حرية شخصية يمارسها العامل والموظف و الإطار النقابي كقناعة تتحقق بفعل التكوين الذي يتلقاه داخل مؤسسة النقابة وليس فعلا أوتوماتيكيا يستجيب لرغبات الزعيم النقابي وأوامره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.