فصل المقال فيما بين حراك الريف وحراك جرادة من إتصال

طلع علينا الناطق الرسمي بإسم الحكومة، على إثر إجتماع المجلس الحكومي بعد يوم واحد عن التدخل الأمني السافر لقمع حراك جرادة، بتصريح شارد مما ورد فيه أنه “لا علاقة بين ما يحدث بجرادة وبين ما حدث بالحسيمة”. وذلك في الوقت الذي كان من المفروض فيه أن يقدم السيد الوزير توضيحات حقيقية حول ما يحدث بجرادة لينور الرأي العام لا أن يضلله. كما كان عليه، على الأقل، أن يبيِّن ما بنى عليه زعمه ذاك. لكن إكتفاءه بتلك الجملة المرسلة يكشف عن رغبة الوزير ومن خلاله الحكومة على النظر إلى حراك الريف كحراك بخلفيات سياسية إنفصالية وغيرها، وبالتالي السعي إلى عزل الحراكات الشعبية بالمغرب في أفق ضرب كل واحدة على حدة تحت مبررات واهية يتم من خلالها شرعنة القمع، ويكشف أيضا عن منطق تجزيئي/ إنفصالي يحكم نظرته إلى الشعب المغربي.
وتصريح السيد الخلفي الهادف إلى عزل حراك جرادة عن حراك الريف ليس جديدا، فقد تم الترويج له منذ بداية حراك جرادة بذريعة رفع العلم الوطني من طرف المحتجين في مسيرات جرادة وحمل راية الجمهورية الريفية بالريف.
لكن بغض النظر عن تصريحه وتصريح غيره من المسؤولين الذين هدفهم التماهي مع السلطة وتبرير عنفها وإن على حساب مصالح الشعب والقانون، لو نظرنا للحراكين بنظرة فاحصة وباحثة حقا عن أوجه التشابه والإختلاف بينهما فماذا سنجد؟
سنجد أن الحراكين قد إنطلقا على إثر حدث مأساوي يعبر عن قمة الحگرة والبؤس الذي يعاني منه المواطن المغربي سواء بالريف أو بجرادة، ويتعلق الأمر بطحن الشهيد محسن فكري بالنسبة لحراك الريف واستشهاد الأخوين الحسين وجدوان في بئر الفحم الحجري بجرادة: إن إنبثاق حراكان من حدث موت مواطن يكافح من أجل لقمة العيش الكريمة طحنا قي حاوية الأزبال أو خنقا في بئر الفحم الحجري هو مؤشر قوي على وحدة الحراكين وتشابهما من حيث إنطلاقتهما المباشرة.
أما إن شئنا الخوض في الحيثيات التاريخية الإقتصادية والسياسية والإجتماعية لجغرافية الحراكين فإننا سنجد أنفسنا إزاء واقع يطبعه التهميش الممنهج والشامل مع إستحضار ما يميز كل منطقة عن الأخرى. فالريف عرف ولا يزال تهميشا عاما إمتد لعقود من الزمن، رافقه تخريب ونهب ثرواته ومؤهلاته الطبيعية، مع تفريغه من طاقاته البشرية عبر سياسة التهجير ثم من خلال تهريب ثروة المُهجَّرين ( تحويلاتهم المالية) وعدم آستثمار ولو جزءابسيطا منها في تنمية حقيقية بالريف. نفس الشيء بالنسبة لمنطقة جرادة حيث تم إستنزاف ثرواتها المنجمية وما رافقها من تخريب للبيئة دون الإكتراث بحياة وصحة ومستقبل أبناء المنطقة.
ونقطة التشابه الأخرى، تتمثل في أن الحراكين رفعا مطالب حقوقية إقتصادية وإجتماعية وثقافية بحسب خصوصية كل منطقة، وتلك المطالب تمت بلورتها من خلال نقاشات عمومية بين المواطنين والمواطنات في كل من جرادة والريف.
أما التشابه بين الحراكين، الفاضح لسياسة الدولة ولتصريحات مسؤوليها فيتمثل في الطريقة التي سيتم إعتمادها لضرب الحراكين وتغليب المقاربة الأمنية في التعامل مع كل الحراكات الإحتجاجية بالمغرب، مع تنويعات خادعة في أجرأة تلك المقاربة الفاشلة.
ويتذكر الجميع كيف تم الضغط على رؤساء المجالس المنتخبة بإقليم الحسيمة للخروج ببيان يشيطن حراك الريف ونشطائه وكذا تحريك بعض الجمعيات المرتزقة لعزف نفس السمفونية، وسيتوج ذلك بالتصريح الخطير والواهي الذي صدر عما يسمى بقادة أحزاب التحالف الحكومي الذي إتهم الحراك الريفي بالتآمر الخارجي على أمن الدولة والإنفصال… وذلك في سياق حملة إعلامية مسعورة لتشويه الحراك ومطالبه وسلميته وتخوين نشطائه.
إن تلك التصريحات والبيانات والحملات الإعلامية هي المطية التي إستغلتها الدولة بشكل مكشوف لضرب حراك الريف بشن أحد أشرس الحملات القمعية التي عرفها الريف. ونفس الشيء سيتم إعتماده مع حراك جرادة، فبعد جولات الحوار التي أجراها الوفد الوزاري مع الهيئات السياسية والنقابية والمدنية والمجالس المنتخبة بجرادة، ثم مع ممثلي الحراك هناك.
وفِي الوقت الذي إستبشر فيه الكثيرون خيرا من ذلك الحوار بإعتباره مؤشرا على تململ في أسلوب تعامل الدولة مع الإحتجاجات الشعبية نحو لغة الحوار والإستجابة للمطالب العادلة والمشروعة. لكن تداول بيانات ممهورة بتوقيعات الهيئات السياسية والنقابية والمدنية الدائرة في فلك السلطة توهِم الرأي العام بأن تلك الجولات الحوارية قد حلت كل مشاكل جرادة وأن على نشطاء الحراك وقف إحتجاجاتهم والعودة إلى بيوتهم. وسوف يؤدي تطور الأحداث بجرادة واستمرار الإحتجاجات الشعبية بوتيرة تصاعدية وتشبث المحتجون والمحتجات بضرورة تحقيق فعلي لكل مطالبهم، سيدفع وزارة الداخلية للكشف من خلال بيانها يوم 13 مارس 2018 على أن تلك البيات كان يتم من خلالها التهييء لضرب حراك جرادة بنفس طريقة ضرب حراك الريف. وتتمثل تلك الطريقة في إستغلال بيانات الهيئات السياسية والمدنية لتبرير و”شرعنة” مقاربتها القمعية في التعامل مع الحراكين.
وهذا الأمر يضعنا أمام إشكالية دور ومصداقية وتمثيلية المؤسسات والأحزاب والهيئات السياسية والمدنية بالمغرب. وكيف أن تلك المؤسسات والتنظيمات التي يفترض فيها تمثيل المواطنين والمواطنات والدفاع عن حقوقهم وحمايتها باعتبار أن ذلك هو مبرر وجودها، لا زالت تُسخَّر من طرف السلطة لضرب تلك الحقوق ولتبرير القمع والفساد.
ومباشرة بعد بيان وزارة الداخلية، وتماما كما حدث بالريف، تم كل شيء بسرعة وبدون سابق إنذار، وانقلبت مؤسسات الدولة مركزيا وإقليميا من التساهل، الذي دام لشهور، مع الإحتجاجات السلمية إلى منعها بالقوة المفرطة، وبجرادة كما بالريف ستنبعث عناصر ملثمة غريبة ستتكفل بمهمة إشعال فتيل المواجهات بين قوات الأمن والمواطنين، لتبدأ الحملة القمعية والإعتقالات العشوائية، وكل ذلك مدعوما بمظاهر العسكرة المبالغ فيها.
وإذا ما كان الحراكان متشابهين من حيث النشأة والمسار فإنهما، وبالضرورة، متشابهان من حيث المآل.وهو ذاته مآل الصراع من أجل التغيير الديموقراطي الحقيقي والفعلي بالمغرب، حيث تتصارع إرادة التغيير بكل أطيافها ضد قوى الفساد والإفساد.
رغم كل هذا التقاطع بين الحراكين طلع علينا السيد الوزير بتصريح شارد هارب من مواجهة واقع متفجر بسبب السياسة المتبعة من طرف حكومة يتربع فيها
وزيرا، وهي إمتداد لحكومة سابقة قادها حزبه، وهو ذاته كان عضوا فيها، إلى مستنقع أزمة بنيوية وشاملة عناوينها البارزة: فشل في النموذج التنموي، فشل في التعليم، فشل في الإقتصاد، فشل في الثقافة، فشل في السياسة، فشل في “تنزيل” دستور 2011… وغرق في المديونية والفقر والفساد.
أما أن يكون السيد الخلفي يختزل الفرق بين الحراكين في كون أن حراك الريف رفع راية الجمهورية الريفية الخطابية وعلم الأمازيغية في حين إن حراك جرادة رفع الراية المغربية، فإن الآلة القمعية التي جوبه بها الحراكين تفضح زيف ذلك الإدعاء لأنها لا تميز في الحراكات الإحتجاجية الشعبية التي تستهدفها بالقمع بين من يجمل هذه الراية أو تلك، مادام أن رفع تلك الأعلام ليس هو المحدد لطبيعة الإحتجاجات وإنما المحدد لها هي مطالبها وخطابها وشعاراتها وشكل إحتجاجاتها، وهي كلها نقط تمفصل الحراكين لا إنفصالهما. وكما أن إتهام الريفيين والريفيات بالإنفصال بسبب رفعهم لراية الجمهورية الريفية هو إساءة لتاريخ الريف المشرق والمشرّف ولروحه الوطنية فإن قمع حراك جرادة السلمي الرافع للعلم الوطني هو إساءة للوطن وللوطنية وقبلهما هو إساءة للمواطنة المغربية.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.