فصل المقال فيما بين العنف الشرعي والإرهاب من اتصال

يطرح الهجوم الإرهابي الأخير على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة مجددا مسألة الفرق بين استخدام العنف من طرف الدول من جهة والتنظيمات والأفراد من جهة أخرى ، وذلك حسب الحالات والغايات والدوافع والسياقات … وحتى لا نظل في مستوى العموميات ، نقصد بالعنف الشرعي استخدام القوة الفيزياية سواء جسدية أو عبر وسائل تقنية كالأسلحة أو القوة المعنوية لإخضاع شخص أو جماعة معينة لإرادة من يمارس القوة ، ويكون العنف شرعيا لما تمارسه الدولة الديمقراطية بهدف فرض النظام العام واحترام القانون الذي يعبر عن إرادة الأغلبية المنتخبة بشكل شفاف ونزيه ، وفي ظل دستور يضمن العدالة والحرية والمساواة وفصل السلط وسيادة القانون … ونحن إذ نركز على صفة الدولة التي يحق لها استخدام العنف أو يمكن تبرير ممارستها له بل ووجوب احتكارها لاستخدامه كما يؤكد عالم الاجتماع الألماني المعاصر ماكس فيبر ، قلت نحن إذ نشدد على شكل هذه الدولة ، فلكي لا يفهم أن عنف الدول الاستبدادية والديكتاتورية ضد شعوبها يعتبر مشروعا أيضا …

تستخدم الدول ذات السلطة المشروعة العنف داخليا لفرض النظام والقانون ، أو خارجيا ضد عدو خارجي ، وفي كل الحالات يخضع استخدام القوة للقرار السياسي وللمعايير الدولية المتعارف عليها … هذا على الأقل نظريا ، لأننا شاهدنا عدة دول تدعي الديمقراطية تستخدم العنف بشكل مدمر ومخلف لملايين الضحايا ، وخارج القانون الدولي وما يسمى “بالشرعية الدولية “، وما مثال الاحتلال الأمريكي للعراق ببعيد … أما تدخل الدول بوساطة العنف داخليا فيظهر كلما اشتدت المظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية ، كما يبدو بوضوح في التعامل مع المجرمين الخطرين خلال القبض عليهم مثلا …

والحالة الثانية التي يعتبر فيها العنف شرعيا فهي حالة الدفاع عن النفس ، سواء للفرد أو للجماعة أو للدول ، فكل الشرائع السماوية و الوضعية ، وميثاق الأمم المتحدة نفسه يقر بحق الشعوب المحتلة في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل التي يدخل من ضمنها العنف المسلح طبعا… كما أن دفاع الشخص عن نفسه وموته في سبيل ذلك يعتبر شجاعة وفضيلة أخلاقية لدى غالبية الشعوب والثقافات…

خارج هاتين الحالتين يعتبر كل استخدام للعنف كيف ما كان شكل هذا العنف ، سواء جسدي أو نفسي معنوي عبر اللغة والصور … قلت يعتبر كل ممارس لهذا العنف في علاقته بالغير وبالدولة إرهابيا لا يجب التسامح معه ، فلا يمكن التسامح مع من يقتل الآخرين لأنهم يختلفون عنه في المعتقد أو في الدين أو المذهب أو التوجه الايديولوجي و السياسي … إن السماح بهذه الممارسات يعيدنا لعصر الهمجية والبربرية وحرب الكل ضد الكل كما وصفها الفيلسوف توماس هوبز .

في الدول الديمقراطية ، تبقى حرية التعبير مضمونة بنصوص الدستور و ضمانة القضاء ، وتنتهي حرية الشخص لما تبتدأ حرية الغير ، لكن من رأى أن الغير يعتدي على حريته أومقدساته بل ويشكل له أي تهديد ، فما عليه سوى التقدم بدعوى قضائية واحترام نتيجة التقاضي ، أما أن يتم مقابلة الاختلاف في الرأي والمعتقد وفرض المقدسات على الآخرين بقوة السلاح فلا يمكن أن يعتبر سوى إرهابا أعمى …

قد يكون الهجوم المسلح على الصحيفة الفرنسية اليوم ، والذي حصد 12 قتيل مدني أعزل ، نفذ من طرف جهات معينة لخلط الأوراق أو لإرسال رسائل ما ، ولا يكفي ترديد أحد المهاجمين أو ما نقل عنه قوله ” لقد انتقمنا للنبي محمد ” لكي نصدر حكما نهائيا ، مفاده أن المهاجمين يتبنون فكرا جهاديا وأنهم ردوا على سخرية الصحيفة سابقا من نبي الإسلام ، أقول حتى ولو لم يتأكد هذا الاستنتاج إلى حدود الآن رسميا ، فإنه من الواجب أن يكون لنا موقف مسبق مندد بهذا التصرف الهمجي بغض النظر عن مبرراته ، مادام لا يمكن تبريره كما أسلفنا …

كان يمكن أن نجد تبريرا لهجوم إرهابي على قاعدة عسكرية فرنسية للرد على تدخلها عسكريا في دولة ما ، وكان سيكوم مشروعا لو ذهب معارضو تدخلها لمواجهتها في ميدان المعركة ، لكن أن يتم قتل صحفيين بدم بارد في واضحة النهار، ونجد للأسف من يحاولون تبرير الجريمة من منطلق الانتقام لنبي الإسلام محمد عليه السلام ، فهذا موقف خطير من الآخر المختلف عنا في معتقداته ودينه …

لقد ثبت أن تلك الصحيفة سخرت من مجموعة من الأنبياء ، بل وتسخر من الرؤساء والزعماء والأحزاب وكل الديانات ، ولم يسبق أن اعتدى على صحفيها أحد من أتباع شخص أو نبي أو ديانة ما ، فلماذا يتم الآن تصفية جل صحفييها ، هل المسلمين في فرنسا وأوربا مستعدين الآن لتحمل تبعات هذه العملية ؟؟ من المستفيد من هذا الإرهاب الأعمى ؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.