فدرالية اليسار الديمقراطي مشروع سياسي فاشل

مسألة التحالفات التي توجه سياسة الحزب الإشتراكي الموحد حاليا قد تؤدي إلى تقزيم الحزب ، و نظام التيارات الذي رسمه واَعتمده داخليا والذي من المفروض أن يكون علامة قوة الحزب وإشعاعه اَنكسر أمام هذا الجموح الجارف نحو توسيع رقعة التحالفات ولم يتمكن من تجنيب الحزب واقع الإنكماش والتقوقع .

ما هو الربح الذي سيجنيه الحزب من فدرالية اليسار ؟ ما هو المشترك بين الحزب الإشتراكي الموحد والمكونات الأخرى للفدرالية ؟   وما الذي يجمع مدرسة اليسار المغربي بالمدرسة الإتحادية ؟ .

الربح الوحيد الذي سيجنيه الحزب من الفدرالية هو اَنطفاء “الشمعة” ، أما ما سيجنيه الآخرون فهي أرباح ثمينة قُدمت لهم مجانا خالية من الصوائر والأتعاب . فدرالية اليسار مشروع سياسي موجه لتنمية الفرص الإنتخابية وليس موجها لبناء أداة حزبية قوية التي قد تشكل تجديدا نوعيا على المسرح السياسي المغربي ، وموجه كذلك لدعم الكنفدرالية الديمقراطية للشغل ومدها بالتغطية السياسية التي باتت في الحاجة إليها خصوصا بعد تنصيب ملك عليها . غياب “الشمعة” عن الحملات الإنتخابية كرمز سياسي أعتبره أولى الخسائر التي مني بها وسيمنى بها الحزب الإشتراكي الموحد ، فالمجهودات التي يبذلها مناضلو وأطر الحزب بدءا من توفير المقرات وبناء الحضور الحزبي محليا وتنظيم اللقاءات والتظاهرات العمومية والتواصل مع الجهات الرسمية وتبني ملفات المواطنين والمشاركة في المنتديات وتأسيس الشبيبات والقطاع النسائي علاوة على الإلتزام بنشر الديمقراطية الداخلية وتبديل الهياكل المسيرة في آوانها القانونيةإلخ  كل هذه المجهودات لن يستفيذ منها الحزب بل ستمتصها “الرسالة” بدم بارد أثناء موسم الحصاد الإنتخابي ؛ إن رمز الرسالة ليس إطارا ديمقراطيا لخوض المعارك الإنتخابية بالنسبة للحزب الإشتراكي الموحد .

والكتفدرالية الديمقراطية للشغل التي يعتبرها الحزب الإشتراكي الموحد أحد أهم حلفائه والتي أعلنت مؤخرا اَلتحاقها بدار المخزن ولم يعد يربطها بالأسرة الديمقراطية إلا الإسم ستكون المستفيد الأول والأكبر من فدرالية اليسار ، وسيكون الخاسر مرة أخرى هو الحزب الإشتراكي الموحد . ليس هذا فحسب بل خسارة الحزب تتمثل في ماهو أعظم،   خسارة ستلحق بالحزب من الداخل ، الأمر يتعلق يالأطر الكنفدرالية المنتمية إلى الحزب الإشتراكي الموحد التي أصبحت تشكل قوة ضغط مهمة يفوق تأثيرها تأثير التيارات داخل الحزب وحساباتها وولاءاتها تتجاوز حدود الحزب وهي الجهة التي تدعم وتبارك الفدرالية . فعلى ماذا يراهن الحزب إذا من وراء هذه الشبكة من التحالفات ؟ وهل الحزب على علم بآداء وسلوكات بعض الكنفدراليين المنتمين إلى الحزب ، أو على الأصح ، المختبئين في الحزب والمتاجرين بإسم الحزب الإشتراكي الموحد داخل ال ك . د . ش والذين يستغلون الحزب للمساومة على المواقع النقابية لحساب مصالحهم الشخصية الموغلة في المحسوبية والفساد ، والذين يشاركون بتفان نادرفي ذبح الديمقراطية الداخلية في هذا الإطار النقابي الذي كان بالأمس مفخرة لجميع المغاربة ؟؟ .

جهتان إذا هما المستفيدان من فدرالية اليسار : جهة يشكلها سماسرة الإنتخابات والكائنات الإنتخابية وهم ، على أية حال ، كُثر وموجودون في المكونات الثلاثة للفدرالية ، وجهة ثانية يمثلها اللوبي النقابي الكنفدرالي . لقد كان واجبا على الرفيقة منيب ، في سياق اَستنهاض الأداة الحزبية ، تنظيم لقاء وطني تحت إشراف المكتب السياسي مع اللجنة النقابية للحزب للتداول في واقع الفساد واَنعدام الديمقراطية الذي تعرفه ال ك – د – ش باَعتبارها حليفا تقليديا للحزب ، وكذلك توجيه تعميم لجميع فروع الحزب للقيام بنفس الشئ محليا للوقوف على تورط العديد من المحسوبين على الحزب الإشتراكي الموحد في المستنقع الكنفدرالي ، “مناضلون” اَختطفوا الحزب ومجهودات مناضليه الحقيقيين الشرفاء وجمدوا أنشطة الكثير من الفروع من أجل مآرب منحطة ، “مناضلون أساؤوا للحزب ولتضحيات مناضلي اليسار المغربي الذين اَكتووا بلهيب سنوات الجمر والرصاص جراء مناهضتهم للفساد والمفسدين ، كان على الرفيقة منيب ، وهي التي في عنقها أمانة الحزب ، أن لاتسكت أمام هذا الواقع بل عليها مسؤولية حماية تراث الذين بفضلهم لايزال صوت اليسار رنانا ومؤثرا لا أن تدعو إلى اَستمرار اَنخراط المناضلين والمناضلات في العمل داخل هيئات الكنفدرالية الديمقراطية للشغل التي أصبحت قلعة من قلاع الفساد والإستبداد والريع والمعاداة للديمقراطية ، بل كان واجبا على قيادة الحزب ، وفاء للمشروع الديمقراطي الذي يناضل من أجله ، أن تسحب نقابيي الحزب من ال ك – د ش اَحتجاجا على اغتصاب الديمقراطية الذي اَقترفه مؤتمرها الأخير .

الحزب الإشتراكي الموحد منخرط في معركة سياسية كبيرة تفوق حجمه وقدراته مما يجعل التفكير في تأسيس تحالفات أمرا لامندوحة عنه ، بل عين العقل ، لكن الإنخراط في تحالف من أجل التحالف وكيفما اَتفق لمجرد وجود تقارب في المرجعية قد يكون اَنتحارا في بعض الأحيان ، لذلك ينبغي ، في اَعتقادي ، وقبل الشروع في أي مشروع تحالفي العمل على إعادة النظر فينظرية التحالفات التي يعتمدها الحزب حاليا والتي توجه كل خطواته السياسية . إن التحالف أنواع ومستويات ولايجب أن ينظر إليه بالأسود والأبيض كما لايصح أن يكون المقصد من أي تحالف الوصول إلى الإندماج التنظيمي ، فمسار التحالفات يختلف عن مسار الإندماج لأن لكل واحد منهما مقتضياته وأدبياته ؛ وفي الحقيقة ، فدرالية اليسار تقدم فسيفساء سياسية لانغمة ولا طعم لها لأنها تجمع بين المسارين معا ولأنها أيضا جمعت أطرافا متنافرة كل واحد منها يعاني من تضخم عقدة الأصول التاريخية وتشبثها بالشخصية المستقلة ، أما ما ذهب إليه الأستاذ عبد الرحمن بن عمرو في مقابلة له مع إحدى اليوميات المغربية مؤخرا بأن مكونات فدرالية اليسار كلها منحدرة من أصل واحد هو الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ليست سوى محاولة لترميم ما يمكن ترميمه في بناء حديث التشييد ؛ و”الوفاء للديمقراطية” التي لاتزال متعثرة في الإنسجام داخل الحزب الإشتراكي الموحد تقدم نموذجا ساطعا على صعوبة التوافق إن لم يكن اَستحالته ، بين الكيانات السياسية المنبثقة من الحركة الإتحادية وروافدها وبين مثيلاتها المنبثقة من الحركة اليسارية ، لذلك يبدو أن البون كبير بين مكونات الفدرالية وأن المشترك بينها لايتعدى حدود المصلحة الإنتخابية .

كثير من الأقلام الصحفية والكتاب ووسائل الإعلام يُسمٌون الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية حزبا يساريا ، ولكثرة اَستعمال هذه التسمية أصبح الإتحاد ممثلا لليسار المغربي ، في حين أن هذا يجانب الصواب ، قد يكون يسار اليمين هذا ممكن ، وقد يكون يمين اليسار هذا أيضا ممكن ، لكن أن يكون يسارا بالدلالة الكاملة للمصطلح فهذاغير ممكن ،لأن موقع الإتحاد الإشتراكي هو الوسط الإجتماعي ، بالإضافة إلى رصيد غني بالعداء لليسار المغربي ؛ تاريخ العلاقة اليسارية/الإتحادية تاريخ توتر ومقاطعة ، صعوبة في التواصل ونفور متبادل ، اَختلاف في اللغة والخطاب وفي المرجعية ، بالجملة كل واحد في وادى يغني على ليلاه .

اليسار المغربي تعبير سياسي تكون وظهر إلى الوجود من خارج الحركة الوطنية ، ظهركجواب على فشل هذه الأخيرة في تدبير التسوية السياسية لاَستقلال المغرب وكرد فعل كذلك على مسلسل التواطؤات التي اَنخرطت فيها مع القصر . كان اليسار المغربي في إبانه حركة شبابية شبيهة في بعض الأوجه بحركة العشرين من فبراير ، شباب مغربي متعلم رفض المصير الذي صنعته للمغرب “مؤامرة الإستقلال” ، جيل من الشباب عارض التوجهات السياسية والإقتصادية والثقافية والعلمية التي نهجتها الدولة آنئذ حيث اَعتبرها خيانة واَغتصابا للتضحيات التي قدمها المغاربة لاَسترجاع السيادة التي أهدرتها وفرطت فيها العائلة الملكية ، لذلك أعلن عن نفسه مشروعا سياسيا بديلا عن مشروع الحركة الوطنية التي تنكرت لتعهداتها وأصبحت شريكا في تلك التوجهات إن لم تكن رائدتها ، فرسم منذ البداية حدودا فاصلة بينه وبينها بكل روافدها ، وترسم النفور بين الطرفين الذي لايزال قائما إلى الآن .

المدرسة الإتحادية واحدة من ورثة الحركة الوطنية ، والإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية هو الممثل الأكبر لهذه المدرسة إلى جانب بعض الإطارات المنشقة عنه قديما أوحديثا من ضمنها الأطراف التي تشكل مع الحزب الإشتراكي الموحد فدرالية اليسار ؛ التاريخ لازال يُهيلُ ظلاله على العلاقة اليسارية\الإتحادية ، وحوار الطرشان هو السائد بين المدرستين ، أعني أن لاشيئ يجمع بين المسار السياسي الإتحادي والمسار اليساري ؛ إذا ما هو الرهان الذي يغامر من أجله الحزب الإشتراكي الموحد من خلال هذه الفدرالية ؟ . وأليس الحنين إلى الأحضان هو الذي دفع الأستاذ عبد الرحمن بن عمرو إلى اَعتبار فدرالية اليسار اَمتداداٌ للمدرسة الإتحادية ومن ثم للحركة الوطنية ؟ . و بالتالي ألا ينبغي التعامل مع تصريح الأستاذ بن عمرو على أنه إلغاءٌ للوجود اليساري وأنه ترجمة لطموح يسود كواليس المدرسة الإتحادية في اَبتلاع ماتبقى من أسرة اليسار والعودة بالغنائم إلى البيت الإتحادي ؟ .

            نظرية التحالفات التي يتبناها الحزب الإشتراكي الموحد هي المسؤولة عن هذا المأزق الذي آل إليه الحزب وكلما ظلت هذه النظرية خارج دائرة المراجعة ظلت المآزق في اَستقبال كل الخطوات السياسية للحزب   ، وإذا اَستمر الحزب متشبثا بهذه الخطوة التحالفية ، والتي ليست سوى هروبا إلى الأمام ، سينتهي به الأمر إلى مغادرة المشهد السياسي و الإكتفاء بموقع المُتفرج والمُصفق الفاقد لكل مقومات الفعل والتأثير ، وبكل تأكيد سيظل رهينة عند الفريق الكنفدرالي داخل الحزب وتحت وصاية الإملاءات والفتاوى الخارجة عن إرادة هياكل القرار الحزبي .

         توجد داخل الحزب الإشتراكي الموحد أصواتٌ تنادي بضرورة إعادة بناء الأداة الحزبية وتنمية المنتوج الحزبي وتقوية الخط السياسي للحزب من أجل حماية الهوية اليسارية كحاضنة للمشروع الديمقراطي والعلماني الذي يؤمن به كل التقدميين حلا لجميع المعضلات الكابحة لتطور المغرب واَنفتاحه على المستقبل . إن المهام التي يجب على الحزب أن يتوجه إليها وأن يُسخر أغلب طاقاته نحوها لاتنتمي إلى دائرة السباق الإنتخابي ، على أهمية المعارك الإنتخابية وضرورة المشاركة فيها وبكل قوة ، ولاتنتمي أيضا إلى دائرة الفعل النقابي الذي لاتستفيذ منه إلا فئة الأجراء والموظفين ، هذه المهام تنتمي إلى دائرة أوسع من كل هذا ، إلى دائرة تتمثل فيها جميع الفئات الإجتماعية الصانعة للحياة العمومية اليومية ؛ إن شهادات التعليم العالي مشتتة في كل المرافق الإجتماعية وفي كل المهن والأسواق والمجالات الإقتصادية والخدماتية والإنتاجية ، والمستوى التعليمي ، على علله ، منتشر وتمكن منه الصغير والكبير ، لكن الخطاب الحزبي لايزال على حاله منطويا فئويا ولم يقدر على الإنفتاح والإنتشار ولا يعبر إلا عن الموظفين والأجراء ، أما أغلب الناس فلاتجد ما يعبر عنها في الإهتمامات الحالية للأحزاب ؛ المجتمع المغربي يتغير ويشق طريقه بتلقائية وعفوية بعيدا عن اَنشغالات الأحزاب التي لم تتغير ، فلا غرابة في أن يتفاجأ الجميع بحركة العشرين من فبراير التي أنذرت وسوف لن تعذر أحدا .

المجهود الذي سيبذله الحزب داخل فدرالية اليسار والذي سيهُدر هدرا ، لو يتحول إلى البيت الداخلي للحزب قد يُسفر عن نتائج وخلاصات تمكنه من لعب أدوار حاسمة في المستقبل السياسي للمغرب : فالحزب في حاجة إلى تنويع كتلته البشرية عن طريق توسيع قاعدة الإنخراطات حتى تشمل جميع شرائح المجتمع ولا تبقى محصورة في فئة الموظفين والأجراء . والحزب مطالب بالإشتغال في ميدان المجتمع المدني المتنوع ، ومطلوب من الحزب الإنفتاح على المجتمع الفكري والثقافي والأكاديمي والإعلامي من خلال إنشاء مؤسسات في هذا المجال موازية لمؤسسة الحزب . والحزب مدعو إلى الإهتمام بالفصيل الطلابي اَحتضانا وتوجيها وتأطيرا وتنظيما داخل الحرم الجامعي وخارجه ، ومدعو إلى تفعيل دوراللجنة الثقافية للحزب لنشر روح التثاقف والتناظر الفكري داخل الحزب عبر نوافذ إلكترونية ومن خلال الفضاءات العامة . على الحزب تجديد وتحديث اللغة التي يُصدر بها بياناته وبلاغاته حتى تصل مضامينها إلى الناس بسلاسة وتتجنب الجفاء ، أعني الإبتعاد عن لغة الخشب . على الحزب القيام ب”ثورة” داخلية في أفق إعادة البناء للأداة التنظيمية وتكوين مدرسة سياسية يسارية ؛ إذا سار الحزب نحو هذه الإتجاهات سيتمكن بكل تأكيد من خلق فرص جديدة للتحالفات وسيتحرر من الرؤية الكلاسيكية التي تشل مُؤهلات ومُقدًِْرات أطر وكفاءات الحزب التي تجد نفسها أسيرة تقاليد لم تعد تُقنع أحدا ؛ مفروض على الحزب أن يتجدد وأن يتشبب إنسانا وفكرا وممارسة   .                

Ajaha.fouad@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.