فتنة التكفير تهدد مغرب الإختلاف

  منذ الأحداث الدامية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي 2003، تمكنت الأجهزة الأمنية المغربية من تفكيك العشرات من الخلايا الإرهابية في مناطق مختلفة من المغرب. وقد نجحت هذه السياسة الأمنية إلى حد بعيد في حماية بلادنا من كثير من المحاولات التي استهدفت زعزعة أمنه واستقراره. ويأتي الإعلان الأخير لوزارة الداخلية عن إيقاف أعضاء شبكة جديدة في تسع مدن مختلفة مع العثور بأحد المنازل في مدينة أكادير على أسلحة نارية وذخيرة حية كان يعتزم أفراد الخلية استعمالها في مخططاتهم الإرهابية… يأتي هذا الإعلان إذن ليؤكد أن المغرب مازال معرضا لخطر الإرهاب، وهو الأمر الذي يفرض مزيدا من اليقظة والجهد الأمني، إلا أن المؤكد أيضا أن هذه المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي، فقد أصبح التهديد الإرهابي خطرا حقيقيا يتنامى بشكل يلفت الإنتباه، ويقتضي وقفة مشتركة ونقاشا مجتمعيا واسعا حتى يتم استئصال هذا الورم الخبيث والغريب عن ثقافة المغاربة وسلوكهم.

   بلاغ وزارة الداخلية الأخير أشار إلى أن أعضاء الشبكة المذكورة كانوا يعتزمون استهداف شخصيات سياسية ومدنية وعسكرية، وقد تعرفنا حتى الآن على شخص واحد بين المستهدفين، وهو الناشط الأمازيغي أحمد عصيد، الذي تم تداول اسمه بقوة خلال السنوات الأخيرة على خلفية الآراء التي يعبر عنها باستمرار، والتي وضعته في مناسبات متعددة في مرمى التكفيريين. ولنذكر هنا على سبيل المثال قضية “أسلم تسلم” التي تعرض بسببها للتكفير الصريح من بعض المحسوبين على التيار السلفي. حدث هذا قبل سنتين، وحينها خرج رئيس الحكومة عبد الإلاه بنكيران بتصريح – في افتتاح مؤتمر شبيبة العدالة والتنمية- يعلق فيه على تكفير عصيد قائلا:” إنه ليس من المعقول التعريض للرسول (ص)، لأنه سيد الخلق، ولا نقبل بهذا.”. مثل هذا الكلام العاطفي قد يكون مقبولا لو تفوه به أي شخص يعبر عن تعلقه بدينه ونبيه في إطار نقاش حضاري بعيدا عن العنف والتحريض، أما أن يصدر عن شخصية سياسية في موقع مسؤولية تسيير الشأن العام فهو أمر غير مقبول بتاتا، لأن مسؤوليته تلك تحتم عليه أن يحمي الحريات ويدافع عنها ويرفض التكفير والتكفيريين، لا أن يقدم لهؤلاء  المسوغات التي تبرر سلوكهم وتمنح له المشروعية.

   لم يعد خفيا على أحد أن الإرهاب ليس سلوكا منعزلا، بل هو ثقافة تتغذى على الخطاب الديني المنفلت من المراقبة، والذي يستورد أدواته النظرية من الفكر الوهابي التكفيري الغريب عن بيئتنا وعاداتنا الإجتماعية، والذي تزايد نفوذه وحضوره بشكل مخيف بالرغم من المجهودات التي بذلتها الدولة في ضبط الشأن الديني وتنظيمه. لذلك ليس غريبا أن يكون أحمد عصيد على رأس قائمة الشخصيات التي كانت تخطط الخلية الإرهابية التي تم تفكيكها مؤخرا لاغتيالها، لأن قرار استهدافه كان قد صدر فعليا منذ أن تعالت أصوات التكفيريين ضده بدون أي رادع، ومن تم فإن إسقاط شبكة إرهابية جديدة  ليس هو نهاية المطاف، وإن كان في حد ذاته إنجازا يستحق التنويه. لذلك لابد أن يكون هذا المجهود الأمني مصحوبا بتدابير أخرى تجعل جميع الفاعلين في خندق واحد ضد الإرهاب ومع الأمن والحرية وقيم التسامح والتعايش والإختلاف.

    إن المغرب مدعو اليوم إلى القيام بإجراءات حقيقية وفعالة لمواجهة المد التكفيري الجارف والمنفلت من العقاب، وكل محاولة تكميم الأفواه باسم الدفاع عن الإسلام يجب أن يتم التعامل معها باعتبارها جريمة تستوجب العقاب، مادامت تسيء إلى ركن أساسي من أركان الحرية الإنسانية. لذلك فإن الرد الحقيقي على قوى التكفير والإرهاب ينبغي أن يعبر عنه من خلال المضي بالمغرب قدما نحو الديموقراطية والمدنية وحماية الحريات، وفي مقدمتها حرية التعبير والمعتقد في إطار القوانين والمواثيق الدولية التي تنسجم مع كونية حقوق الإنسان.

    ولعل سماح السلطات المغربية قبل شهرين بتأسيس ” مؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر ” المحسوبة على التيار الشيعي، يعد خطوة إيجابية، لأن المنع والتضييق لا يولدان إلا مزيدا من التشدد والتطرف والعمل السري. إلا أن كثيرا من الأصوات سارعت لانتقاد هذه الخطوة، مثلما هو شأن الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية المتمثل في حركة “التوحيد والإصلاح”، التي نظمت مؤخرا ندوة بالرباط خصصتها لما وصفته ب ” خطر التشيع على المغرب وسبل الوقاية منه “. والحال أن الخطر الحقيقي الذي كان حريا بهذه الحركة أن تساهم في محاربته في هذه المرحلة يكمن في أولئك الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على إسلام المغاربة، ولا يتورعون عن رمي كل من يعبر عن اختلافه بسهام التكفير. ودرءا لهذه الفتنة النائمة المستيقظة التي تستهدف في لائحتها مغرب الإختلاف والتعدد، ما أحوجنا اليوم إلى التكاثف من أجل حق الإنسان المغربي المعتدل والحضاري: السني، الشيعي، العلماني، اليهودي، الملحد… الذي يعبر عن التعددية المغربية التي تمنح لهذا البلد الغنى والثراء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.