فاصل و نواصل، مع الشوط الحكومي الثاني

فاصل و نواصل، مع الشوط الحكومي الثاني

كان المسار التنموي في المغرب يسير السلحفاة، ثم جاء بن كيران ليقلب السلحفاة على ظهرها، و ليتوقف القطار التنموي البخاري بطيء الحركة عن السير، إن لم نقل اندحر إلى الخلف متراجعا نحو المنحدر. فكما كان متوقعا، انتهى الشوط الحكومي الأول، بعد انسحاب لاعبي الاحتياط بأوامر من الكابتن شباط، بهزيمة غير مفاجئة؛ هذه الهزيمة ليست سوى ترجمة حرفية لإخفاقات متتالية في معالجة الحكومة للملفات و القضايا الاجتماعية و الحقوقية التي كانت تنتظر يدا أمينة جريئة و متمكنة، قادرة على فتحها و تفحصها و إيجاد الحلول الفعالة لها. و هي القضايا و الملفات التي من أجلها صوت 1.5 مليون منتخب من ضمن كثلة انتخابية قدرت ب 14 مليون مسجل، لصالح حزب العدالة و التنمية؛ و هي أيضا، ترجمة لفشل دريع في احترام الحزب لبنود برنامجه الانتخابي الذي هو بمثابة تعاقد اجتماعي و أخلاقي –ملزم- بين الحزب المرشح و المنتخب؛ يلزم الطرف الأول باحترام شروطه لصالح الطرف الثاني الذي منحه ثقته و حمله أمانة عجزت عن حملها الجبال و الأعلام؛ بعدما زاغ الحزب عن وعوده التي قدم من خلالها نفسه للمغاربة كسفينة نجاة ستنقدهم من أزمة الفقر و الظلم التي عاشها المجتمع طوال عقود من الزمن، و التي كانت سبب شرارة العشرين من فبراير و الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اجتاحت مدن و قرى البلاد سنة 2011، مطالبة بالتغيير السياسي و الاجتماعي للوضع العام للبلاد. و الآن، و قد انتهى الشوط الأول من المقابلة الرتيبة الخالية من كل نسمة نفس رياضي، و ضمن هذا الفاصل بين الشوطين الذي تعيشه الحكومة و معها جميع مؤسسات الدولة، و أمام انسداد الأفق السياسي، ليس للحكومة فقط، و إنما للدولة عامة، بعد انسحاب النخب السياسية الحقيقية، التي سئمت الوضع القائم و الذي عمر عقودا و تحولت معه الحياة و الممارسة السياسيتين إلى ريع و تجارة و صراعات انتخابوية شعبوية و جري وراء مكاسب ضيقة لا تفيد المواطن و لا الوطن بشيء، و لأجل ضمان إطالة عمر المباراة و الحفاظ على فريق الهواة في الحكومة، وجد الكابتن بن كيران في خطة التحالف مع عدوه الدود أسهل طريق لتحقيق مكاسبه السياسية، و لو على حساب ما تبقى من النبل و الأخلاق في السياسة “الرسمية” –إن تبقى منها شيء أصلا- ضاربا بعرض الحائط مسئوليته السياسية و الأخلاقية، أمام كل تلك الاتهامات التي سبق أن وجهها، مرات عديدة، لحليفه المحتمل صلاح الدين مزوار؛ متهما إياه، من خلالها بالفساد المالي و السياسي… ربما كان بن كيران، يظن، أنه بتغيير قناع الحكومة “المخروم”، بقناع جديد؛ سيتمكن من تغيير الواقع و الحقيقة الماثلة.

قيل قديما، أن فيلسوفا في بلاد الإغريق، خرج ذات نهار من بيته و بيده قنديل موقود، و بينما كان يسير، و كأنه يبحث بواسطة ضوء القنديل عن شيء تائه منه في الأرجاء، أوقفه رجل مستفسرا إياه باستغراب عن سبب حمله القنديل المشتعل في وضح النهار، فما كان من الفيلسوف، إلا أن أجابه بكل ثقة أنه يبحث عن الحقيقة!…

يبدو أن السيد بن كيران لن يضطر إلى سكب زيت في جوف قنديل حزبه المنطفئ، لينير طريق البحث عن الحقيقة –إن كان مهتما بشأنها- فالحقيقة واضحة وضوح الشمس، و إن كانت عتمة الظلم و ظلام النفوس و سبات الضمائر، قد أمست الميزة السائدة في هذا البلد، فهي (الحقيقة) لا تحتاج إلى بحث مضن، و ما على السيد بن كيران، إلا أن يترجل من برجه العاجي الذي صعد إليه على ظهر الهموم و المعاناة اليومية للمواطن، و يُنزل زجاج السيارة الفارهة التي يستعملها في تنقلاته اليومية، عند أي شارة مرور حمراء، ليسأل أول بائع كلينكس يُسرع نحوه، عن هذه الحقيقة الضائعة، و ليكن متأكدا أنه سيجد عنده الجواب اليقين، فالحقيقة، و لله الحمد باتت بعرض سماء الوطن، و ما عادت خفية في زمن ثورة الإعلام و التواصل، و لم يعد بمقدور أي كان حجبها أو منع الخوض في جزيئاتها، و أصبح ترهيب المغربي في هذا العصر، بقانون قاس، كقانون الإرهاب أو القانون الجنائي للجم عقله عن التفكير في هذا الكائن الوجودي (الحقيقة) بصوت مسموع، كمن يحاول عبثا، إخافة طفل ببعبع بالٍ؛ فطفل اليوم هو الآخر، ما عاد يخشى فزاعات عتيقة دار عليها الزمن و فقدت كل عنفوانها أمام الرغبة الجامحة نحو التحرر و الإنعتاق من كل القيود؛ بعدما انهار جدار الرعب السميك. هذه الرغبة التي وجدت في وسائل الإعلام البديل و الإمكانات التكنولوجية المتاحة و التي تغير في ظلها وجه العالم، ما يذكيها.

و أمام وعود وزير ما يسمى بالعدل و الحريات، بإصلاح منظومة العدالة؛ فإن القضاء في بلادنا، قد تحول، على ما يبدو، مثله، مثل أي مؤسسة أخرى، لم تستطع الانعتاق من فم الزجاجة، عن لعب دوره الحقيقي في حماية الديمقراطية و الحفاظ على توازن العدالة؛ إلى أداة طيعة في يد السلطة لقمع حرية التعبير و تكميم الأفواه و كسر الأقلام الجريئة. و إلا، فما تبرير هذا المنحى الذي اتخذه المغرب باستهدافه المباشر لصحفيين و مدونين عُرفوا بخروجهم عن المسار الرسمي للدولة و النظام، و الزج بهم في غياهب المعتقلات بتهم ما كانت تخطر، من قبل، على بال أحد؟ أم أن الفساد و الإجرام الحقيقي قد انقضى وجوده من هذا البلد، و حوكم رؤوسه و رموزه، و انتهينا من كل القضايا الكبرى، للتفرغ لقضايا القبل الفيسبوكية المسروقة خلف جدارات المدارس التعليمية، و للتغريدات الطائشة على التويتر؛ كتلك،التي هدد فيها طفل في لحظة مراهقة و حماسة عفوية، رئيس دولة عظمى محاط بأعتى نظم الحماية الشخصية. هذا، بالطبع إن لم يكن الأمر كله، لا يزيد عن مجرد فاصل بين الشوطين، الغاية من وراءه كما عودونا، إلهاء الرأي العام و محاولة لإبعاد الأنظار عن الأزمة الحقوقية التي وقعت فيها الدولة على خلفية الاعتقال الجائر للصحفي علي أنوزلا.

الحقيقة المرة – و هذا الجزء يهم رئيس الحكومة- أن هذه الحكومة المنتخبة و المنبثقة عن صناديق الاقتراع، أصبحت اليوم، أشبه بذلك الغبار المسحوق الذي يكون عادة، عالقا على عجلات الجرافات الضخمة القوية. فبالله عليكم، كيف لحكومة مسحوقة عن آخرها أن تغير ما لا يتغير !؟ أتمنى أن يعي جيدا رئيس الحكومة هذه الحقيقة.

الحقيقة أيضا، أن المغربي قد سئم رتابة مباراة افتراضية تدور على إحدى شاشات البلايستيشن تتسلى بتحريكها أيادي مقتدرة و متمكنة؛ أبطالها الافتراضيين حكومة هاوية (من الهواية) و “معارضة برلمانية” انتهازية مفلسة، مباراة انسحب جمهورها منذ البداية، التي كانت محسومة سلفا.

ما عاد لهذا المغربي صبر، أمام هذه الرتابة و هذا التكرار الممل و هذا الخنوع الذي يؤدي هو تذكرته و ضريبته من حقوقه المهضومة و على حساب معيشته اليومية المنهارة. و أمام تأكد هذا المغربي من هذه الحقيقة الثابتة، بات أمله الوحيد من فريق الهواة و عميده السيد بن كيران، شيئا واحدا، لا أكثر و لا أقل، و هو ترك الملعب في أقرب وقت، علّ الذين بيدهم القرار، يصغون أخيرا، و قبل أن يحدث “الانفجار الاجتماعي”، لمطالبه و يقررون إحداث التغيير الحقيقي، بعد الاستجابة للمطالب الشعبية القديمة؛ في شقيها، الاجتماعي و السياسي، و التي أعيد رفعها بقوة، خلال انتفاضة 2011، و في مقدمتها الدستور الشعبي الديمقراطي، الذي و للأسف، كان بعيدا عما سمي بالتجاوب الملكي مع الشارع المنتفض بداية سنة 2011، و الذي من دونه لا يمكن لنا كمغاربة أن نأمل في حكومة حقيقية بوزراء لهم سلطات حقيقية، و ليس حكومة تُسير بالريموت كونترول، حكومة تتمتع بالصلاحيات و الاستقلالية اللازمة لتنفيذ برنامجها و توجهاتها دون أي تدخل أو توجيه أو تأثير من أي جهة أخرى. أيضا، و من دون الدستور الشعبي الديمقراطي الذي يجب أن يخضع في صياغته لإرادة الشعب، لا يمكن للقضاء أن يضمن استقلاليته و نزاهته، و الشيء نفسه مع باقي المؤسسات الرسمية.

نبيل بكاني

Bakani1@hotmail.fr

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.