فاتحة لنهاية الاستبداد

محمد المساوي

نحن الآن بصدد التخلص من سنة والذهاب إلى سنة أخرى، رغم اقتناعي أن الامر لا يعدو أن يكون أكثر من لعبة أرقام، و أن الامر ما هو إلا اجبار جماعي على  استعارة الفرح، واستدعاءٌ له رغم أنفه، انه فرح مقدود من نظرة كوسموبوليتية لأوجاع العالم وافراحه، لكن لنصدق اللعبة ولننخرط فيها ولو على سبيل التجريب..

هيا أيها الفرح المستعار، قل كلمتك وامض قبل أن يلحقك يوم الاثنين الثقيل…
قبل 38 سنة كتب الشاعر أدونيس المهووس بجائزة نوبل وبنقل الثقافة العربية من الانغلاق والتحجر الى التفوق والتطور بضربة لازب، كتب هذا الشاعر كتابا حالما، اختار له عنوانا حالما هو: “فاتحة لنهايات القرن”، في الكتاب كان ادونيس مهوسا بكتابة بيان الحداثة العربية، وانتشال الثقافة العربية من أوحال الجمود والخضوع للمقدس، لكن أحلام ادونيس ذهبت ادراج الرياح، كما ذهب حلم التتويج بجائزة نوبل ادراج الرياح…
أدونيس كان شاعرا ماكرا مرهف الاحساس، أراد أن يختصر المسافات، ليقفز الى المنصات ويُشهر نفسه أمير الثورة على التقاليد، بيد أن رياح الواقع كانت أشد بأسا من سفن أدونيس ومن رومانسيته الساذجة، أتى الربيع الاحتجاجي فقضى على كل هواجسه ووساوسه، وكانت فاتحته؛ نهاية حلم راود جيلا متخما بالطوباوية والرومانسية الاخاذة.

أعجبتني هذه الدغدغة اللطيفة لهواجس المستقبل ثقافياً، وحفّزتني لأنقل الصورة الى واقعنا المغربي، وبالضبط واقعنا السياسي وما اعتراه من نتوءات والتواءات، أصابت مَنْ أصابته بالدوخة، ووقف في وجهها موقف الحازم من لم تنل منه رشاوى رومانسية المستقبل الموعود.
نحن الآن نقف على أعتاب نهاية سنة 2017 واستقبال سنة 2018، ومياه كثيرة جرت تحت جسر الواقع، حسابات سياسية وسياسوية هنا وهناك، أحلام مشروعة وأخرى مسكونة بهوس الانعتاق الجماعي سيطرت على أنفاس 2017، وإن كان لي أن اسرد بعضها في هذا العمود، فيمكن لي أن اتي عليها كما يأتي:
بالنسبة إليّ سنة 2017 بالرغم من سوداويتها وبالرغم من تكلفتها الاجتماعية والسياسية، إلا أنه فيها تم التطاول على كبرياء عرش “الثالوث المحرم” (الدين السياسة الجنس)،هذا التطاول أتى أساسا عبر تقنية “اللايف” الفايسبوكي التي فجرت المسكوت عنه في السياسة والدين والجنس.
أقوى لحظات تفجير هذا المسكوت المحاط بأطنان من سرديات الأسطورة وحراس المعبد، كانت على يد شاب قادم من هامش السياسة، وآت من تاريخ لا يستكين ومنطقة لا تخضع للتجميع القسري، انه ناصر الزفزافزي الذي كسّر رتابة الفعل والخطاب السياسي الغارق في طلاسيم حكايات الحيوانات وقصص الفقه السياسي المتخم بنوازع الخضوع والاذلال.
ناصر الزفزافي، وحراك الريف كان هو الحدث الذي صنع الحدث، ولم يكن من باب الاعتباط أن عدّته صحيفة لومند الفرنسية أحد أهم 5 أحداث عرفتها القارة الافريقية، وعندما نتحدث عن لومند فنحن نتحدث عن منظار الكولونيالية الفرنسية التي ما زالت ترى في جزء كبير من إفريقيا فناءً خلفيا لحديقتها الغنّاء.

ناصر الزفزافي وحراك الريف، فضحا السياسة الرسمية وأرغماها على أن تركب مفارقة فجة، فحواها الاعتراف الضمني بمشروعية مطالب الحراك، من خلال ما سمي ب”الزلزال الملكي”، لكن في نفس الوقت الاصرار على اتهام الحراك ونشطائه بتهم سوريالية، ألّفها شخص كسول لا يتقن غير الاتهام الفارغ.
من جهة أخرى وجّه خطاب الحراك وخطاب ناصر ضربةً قاصمة لخطاب الالتواء وخطاب (فين وذنك هاهو)، كان خطابا مباشرا لا يلتمس المجاز ولا الاستعارات الحيوانية لمداراة الواقع، والتماس بعض الاعذار له، في المقابل كان خطاب الاستعارة والنضال عن بعد أكبر ضحايا 2017.

سقط بنكيران سقطة مدوية، لم يكن ينتظرها حتى أعتى أعداؤه، فكثر أيتامه وعلا زعيق الندب والنواح عليه، بعد أن استفاق متأخرا، ليمدّ “خيره” إلى العديد من المنابر الاعلامية الورقية والالكترونية، بعد أن كان منافسه الياس العماري وحده من يتسيد هذا المجال….بكت الصحافة البنكرانية ومازالت تبكي بقدر ما تأكل، وكلما نضب الكلأ سيتناسون بنكيران وسنُدفع نحن أيضا لننساه.

الواقعية السياسية واللايف الفايسبوكي لناصر الزفزافي وللحراك عامة والعناد المخزني المعمّد بعدم قابليته للاصلاح، أسقط أضحوكة “التصويت للعدالة والتنمية محليا والتصويت للفيدرالية وطنيا”، بدا هذا الخيار أقرب إلى ترانيم الكنائس منه الى فهم الواقع السياسي المغربي، واستحال اخيرا هذا الخيار الى مجرد عويل وبكاء وندب ولطم، على اهدار الزمن السياسي وطرد الزعيم الأوحد.

بالاضافة إلى زعزعة أصنام الواقع السياسي المخزني، سمح اللايف الفايسبوكي بإحداث ضجيج تطاول على الدين والجنس، حيث ظهر نبي جديد عبر تقنية اللايف، وسار يدعو لدينه الجديد عبر هذا المسلك، رغم أن عين السلطة ترصدته باكرا ومنعته من استمرار نشر خبله وهواجسه. في الجنس ظهر “اللايفور” ماريو، وراح يفتح نافذته التي كان يتتبعها آلاف المغاربة للتلصص على حكايات الأَسِرَّة، وحكايات الأجساد خلف الأبواب الموصدة، فكان مصير ماريو مثله مثل النبي الجديد، تلقفته السلطة ومنعته من الاستمرار في افساد ذوق العامة والتطاول على مشاعرهم الدينية والحميمية.

لكن، بالرغم من كل شيء، في سنة 2017 ظهرت بوضوح بوادر “فاتحة النهاية للاستبداد”؛ الاستبداد السياسي والديني والجنسي، وما حراك جرادة إلا تكريس لهذه الفاتحة التي نأمل أن تزهر وتكبر وتزكو أكثر فأكثر، فمستقبل المغرب الديموقراطي رهين بتحرك الهامش بعد أن استكان المركز، ودخل في لعبة الاستمناء السياسي، وعجز عن ابداع مخرجات الانعتاق من الاستبداد…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.