فؤاد أبوعلي: النقاش اللغوي بالمغرب يحتاج إلى رؤية شمولية بعيدا عن التجاذب الهوياتي

أقرَّ الدستورُ الجديد في ديباجته، بأن اللغة العربية هي اللغة الرّسمية للمغرب إلى جانب اللغة الأمازيغية، غيرَ أنَّ تحولات العصرِ و ما يعرفه من تقدم تكنولوجي ،اتخذ مبررا لاعتماد اللغات الأجنبية كلغات للتدريس،بل الأكثر من ذلك ،هناك من دعَا إلى اعتماد الدارجة في المدرَسة المغربية،مما يطرحُ سؤالاً حول نوايا هؤلاء.

حوارنا معَ الدكتور فؤاد أبُوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، الذي كانت فرصة للإجابة عن تساؤلات متعلقة بالائتلاف و أهداف تأسيسه و واقع اللغة العربية في المغرب.

  • مَنْ يكون فؤاد أُبُوعلي؟

فؤاد بوعلي أستاذ باحث في اللسانيات من مواليد مدينة خنيفرة وسط المغرب حاصل على دكتوراه الدولة في اللسانيات العربية  ومسؤول في العديد من المنتديات العلمية والفكرية ورئيس تحرير المجلة المغربية لدراسات الترجمة

  • كَيفَ جاءت فكرة تأسيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية؟

فكرة الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية أتت نتيجة مخاض عسير وحروب كبيرة على اللغة العربية وتشظي الهيئات المدافعة عن لغة الضاد وغياب رؤية واضحة واستراتيجية للنهوض وضبابية العلاقة مع اللغات الوطنية والأجنبية.لقد أتى الائتلاف المغربي لحماية اللغة العربية وتطويرها وتنمية استعمالها تعبيرا عن حاجة أكاديمية ومجتمعية ترمي إلى النهوض بواقع العربية علما وتعليما وممارسة. وقد تأسس الائتلاف ليس في وجه لغات أخرى أو لمحاربة استعمالات لغوية معينة بل لإعادة الاعتبار للغة الضاد وتنفيذا للمقتضيات الدستورية الجديدة والمساهمة الفعالة في أجرأتها وتنزيلها.  فليس من المعقول ولا من المنطقي أن تظل لغة الدستور والقرآن حبيسة الكتب القديمة والخطابات الأدبية بعيدة عن الواقع العلمي والمهني للأمة.  لهذا يعد الائتلاف مبادرة تجمع كل الغيورين والمختصين والباحثين من مختلف التخصصات والتوجهات والانتماءات من أجل النهوض باللغة العربية والإعلاء من شأنها وتنمية دورها  والعمل على استخدامها في كافة الإدارات والمرافق والقطاعات الإنتاجية، والكشف عن قدراتها التعبيرية في شتى الميادين، إضافة إلى إبراز مكانتها في المجتمع المغربي ونشر الوعي بأهميتها. وكذا العمل على التطوير المطرد للغة العربية على مستوى متنها وأدواتها ومواردها اللغوية العصرية، ودراسة مختلف التحديات التي تواجهها في وطنها والكشف عن المخاطر التي تهددها.

  • دفاعكم عن العربية فيه إقصاءٌ للغات أخرى كالأمازيغية ؟

أعتقد أن الرد على هذا السؤال يتم من خلال اعتراضات: اولا أنا من حيث اللسان أمازيغي وجزء كبير من أعضاء الائتلاف نفس الأمر، ثانيا نحن نصر في المؤتمر الوطني للغة العربية على حضور المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ممثلا في عميده الذي تجمعنا به وبأعضاء المعهد علاقات قوية ، وثالثا وثائقنا التأسيسية تؤكد على أننا نشتغل تحت سقف الدستور الجديد بلغتين رسميتين مما يعني أن القضية اللغوية تحتاج إلى مقاربة تشاركية وهذا ما نلح عليه.

  • الائتلاف من مطالبهِ المُلحَةِ الدفاعُ عَنِ التعريب في التعليم المغربي،ألاَ يتناقضُ ما تلحون عليه بتطورات العصرِ في ظل التقدم التكنولوجي؟

يحلو لكثير من المتغربين أو دعاة الخصوصية الربط بين أزمة المجتمع ولغته باعتباره متمسكا بلغة جامدة قيدت في مدونات أهل البيداء ومازال البعض يعتبرها لغته الأساس . لكن الواقع الحضاري للأمم والشعوب أثبت أن التنمية لا يمكنها أن تتحقق بغير لغة وطنية /مواطنة. فوطنيتها تكتسبها من تراكم حضاري واعتراف مؤسساتي وتواصل رسمي استقر في المشترك الجمعي. تمتحها من خلال اعتبارها لغة تداول وسوق وتقنية . وقد اكتسبت العربية في التجربة التراثية مناعة مكنتها من النفاذ إلى كل ميادين العلم حتى غدت معاجمها مكتنزة باصطلاحات وبنية مفرداتية غنية وقابلة للتوظيف . كما استطاعت مؤسسات التعريب والترجمة أن تراكم قدرا مهما من المفاهيم المنقولة إلى فضاء العربية والمستفيدة من واقع التجربة المعيشة. فما الذي ينقص إذن ؟ الذي ينقص هو إرادة سياسية حقيقية في جعل العربية بوابة المجتمع المعرفي المنشود

  • مَؤخرًا دَعَا “نبيل عيوش” اعتماد الدارجة كلغة تدريس،مَا موقفُ الائتلاف من هذه الخطوة؟

موقف الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية الذي أبرزته بياناته ومذكرته التي أصدرها المؤتمر الوطني الثاني للغة العربية اعتبر أن هذه الدعوة انتهاك لثوابت الدستور ومقومات الهوية والحضارة المغربيتين واستقواء بالنفوذ وابتزاز للدولة والمجتمع وتحقير للتراكمات الإصلاحية والمنجزات التوافقية خاصة في مجال الإصلاح اللغوي والنهوض العلمي بالمدرسة والجامعة والبحث العلمي وتغليط للرأي العام بطرح أجوبة تبسيطية لانشغالات حقيقية أو الإجابة غير الواقعية على أسئلة غير مطروحة. بل اعتبرنا أن  دعوة التدريج والتلهيج هي دعوة رجعية وتراجعية مرفوضة ومدانة بما تمثله من محاولة للالتفاف على النقاش اللغوي والتربوي الذي فتحه الخطاب الملكي ليوم 20 غشت، ومناقضة لمقتضيات النص الدستوري والقوانين الجاري بها العمل. وإن إشكال لغة التدريس لا ينبغي أن يطرح من خلال الوصف العرضي بل من خلال الأسئلة الحقيقية. فالعربية عانت لعقود من عراقيل وعقبات أثرت على موقعها الوظيفي ودورها سواء من حيث المقررات أم المناهج أم الموارد المالية والبشرية وتقنيات التدريس… لذا فنسبة الفشل إلى لغة الضاد هي مغالطة إيديولوجية وليست نقاشا علميا. وأن هذه الدعوة ليست إلا صورة جديدة للفرنكفونية ثبتت مؤخرا في دفاع السيد عيوش عن الفرنسية. 

  • ماهي مضامين المذكرة الأخيرة التي رُفعت إلى الديوان الملكي؟

مذكرة “المؤتمر الوطني الثاني للغة العربية” التي أصدرها  الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية التي رفعت إلى الديوان الملكي ورئاسة الحكومة والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والوزارات والمنظمات ذات الصلة بقطاع التربية والتكوين، ووضعت نسخ منها لدى مجلسي البرلمان والأحزاب السياسية والفرق البرلمانية والمؤسسات العلمية والدينية والحقوقية والمدنية، تضم توصيات وخلاصات المؤتمر الذي شارك في أشغاله خبراء وأساتذة وأكاديميون وفاعلون سياسيون ومدنيون من كل الأطياف الفكرية والحزبية المغربية.  في موضوع: المسألة اللغوية في التعليم: الواقع والرهانات  وتتضمن مقترحاتنا للنهوض بالتعليم المغربي ورؤيتنا لواقع العربية في المدرسة عموما.

  • هل هذة التَّوصيات جاءت ردًا على توصيات عيوش؟

بالطبع لا. لأن رؤيتنا أوسع من اختزال مذكرة عيوش.

  • نظمتم مؤخرًا بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية مؤتمرًا تحتَ عنوان “المسألة اللغوية في التعليم الواقع و الرهانات”، ماهو واقع اللغة العربية في التعليم المغربي؟  و ماهي رهاناتكم؟

 واقع اللغة العربية بين مستويين: باعتبارها لغة تدريس فهي تعيش حالة تهميش وتحجيم من قبل اللوبيات التي ترى فيها منافسا اقتصاديا واجتماعيا لمواقعها، وباعتبارها لغة مدرسة تحتاج إلى تطوير في آليات تدريسها  ومناهجها المقررة والموارد البشرية والمادية الموظفة. إذن الصورة قاتمة وتحتاج غلى معالجة موضوعية بعيد عن المزايدات الإيديولوجية. وقد صرح وزير التربية الوطني سابقا رشيد بلمختار أن نسبة كبيرة من تلاميذ المستوى الرابع ابتدائي عاجزون عن القراءة السليمة والكتابة الصحيحة المضبوطة للغة العربية .

  • أصدرت مؤخرًا كتابا تحت عنوان”مقاربات في المسألة اللغوية بالمغرب” قدم لَمْحةً موجزة حول المؤلف للقراء الكرام ؟

يروم كتاب “مقاربات في المسألة اللغوية” الإجابة عن هذه الإشكالات المتعلقة بالنقاش اللغوي بالمغرب قبل وبعد التعديل الدستوري الأخير، وانتقالها من المبدئي الإيديولوجي إلى الدستوري القانوني، ومن خطابات الحق والأمن إلى المأسسة والأجرأة، وفق مقاربة علمية وموضوعية لقضايا اللغة والهوية. وعمدنا خلال فصول الكتاب إلى بلورة مقترح أطر مرجعية لسياسة لغوية مندمجة تحافظ على ركائز المشترك الوطني والمجتمعي دون أن تفرط في إمكانات الانفتاح على ثقافات العصر ومعارفه. فالحديث اللغوي لا ينبغي حصره في دائرة نقاش الهوية والحق الثقافي بل ينبغي الانتقال نحو آفاق المعرفة والتنمية في خريطة وظائفية للغات المتداولة، وهذا لن يتم إلا في إطار الاعتراف بكون اللغة الوطنية رصيدا جماعيا ومحور المشترك المجتمعي وليست تعبيرا عن انتماء إثني أو إقليمي. كما توقفنا عند موقع اللغة العربية في المنظومة التعليمية والمقاربة التي تقدمها الحركة الإسلامية للمسألة اللغوية في المغرب.

  • كلمة أخيرة؟

شكرا لكم على الاستضافة وأعتقد أن النقاش اللغوي بالمغرب يحتاج إلى رؤية شمولية بعيدا عن التجاذب الهوياتي من أجل مستقبل المجتمع والتنمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.