غمزات حول قنصلية برشلونة و الفساد و الإصلاح، و عن الخنافس و الأسود و النباح

  تحذير هام :

  المقال التالي يتضمن لقطات مخلة بالفطرة الآدمية ، كما تتخلله مشاهد خادشة للمشاعر البشرية ، و عليه ينصح القراء الأفاضل ، و كل الذين يعتبرون أنفسهم متمتعين بروح سامية و نفس عزيزة ، بالإبتعاد عن قراءة هذه السطور..

  وقد أعذر من أنذر .

المقال  :

   أعزائي القراء ، نحن الأن ببرشلونة العاصمة الكاطالونية ،أين إندلعت فيها و أمام القنصلية العامة للمملكة المغربية سنة 2011 و بتزامن مع إنطلاق الحراك الشبابي المغربي – المتمثل حينها في حركة 20 فبراير – ، وقفات إحتجاجية منددة بجميع مظاهر التسيب و الفوضى و الرشوة و الإهانة، و كل أنواع الفساد التي نخرت هذه الإدارة الوطنية .

   مع توالي يوميات هذه الوقفات النضالية السلمية ، التي سببت وقتها حريق المعدة للكثير من أفراد جماعة “العفن الجمعوي ببرشلونة “، شرع هؤلاء الأفراد و من يدور في مستنقعهم ، في توجيه الشتائم و تلفيق التهم إلى أسود الشباب الذين زأروا مرفوعي الرؤوس ضد إنتهازيي الجالية، و ضد منظـومة الفساد التي كانوا يسترزقون منها  .

… و لعل من بين الشتائم التي رددتها جماعة “العفن الجمعوي ببرشلونة ” ضد المحتجين، هي كون الشعارات و الخطابات التي رفعت أثناء تلك الوقفات لا تعدوا إلا أن تكون نباحا، نباحٌ يصدر من كلاب تنبح و تعوي في الهواء الطلق و بأن قــــافلـــــــتهم تسيــــــــر و “الكـــــــلاب” تنبـــــــــــح ؟؟ .

أعزائي القراء أترك و إياكم عاصمة كاطالونيا ،لأنتقل و إياكم إلى العاصمة الفرنسية ..

   معْــلمة مذهلة تلكم التي أدخلت عقلي في حيرة ،و التي لم أتوقع أبدا أن أتشاهدها عيناي خلال إقامتي في باريس منذ سنوات خلت ، و التي ما زالت صورها عالقة في ذهني إلى حد الساعة .. ؟؟ ،و المعْــلمة المذهلة هنا ،ما هي سوى مقبرة، مقبرة شاسعة مجهزة بكل مقومات المقابر، شيدها الفرنسيون لـيوارى تحت ثراها الراحلون من ” الكلاب ” ؟؟.

  لازلت أتذكر أننــــي كنت كلـــما مررت من فـــــوق نهر السين، أمدد عنقي لأطل عليها من نوافذ الميترو، أسترق نظرات من جدرانها النظيفة المزخرفة ، و شباكها الحديدي الكبير و خلفه ألوان من أكاليل الورد و الزهر ، يضعها الزوار فوق مقابر ” الكلاب ” .

  لما بدأت أيامي تتوالى و تطول في أوروبا ، بدأت غشاوتي تتلاشى ، لأبدأ بعد ذلك في فهم : لماذا خصص هؤلاء القوم مقبرة لدفن و تكريم ” الكلاب ” ؟ .

  فعلى سبيل المثال، لا يمكن للمرئ الزائر لــباريس أو برشلونة أو غيرها من مدن أوروبا، و هو يتجول في أي متجر من متاجر التسوق الكبرى و الصغرى ، إلا أن تثير إنتباهه أجنحة متوفرة بها كل الضروريات و الكماليات الخاصة فقط بالحياة اليومية للكلاب و القطط، كمأكولاتها ومشروباتها و ملابسها و ألعابها، و صابــون و شومبــوان و آلات حـــلاقــة و تـــجميل ” الكلاب ”  .

  و ليس مستغربا أيضا، أن تُوجد بداخل الصيدليات، رفوف أدوية و ضمادات، و جميع ما يلزم لعلاج الحالات المرضية، و الوعكات الصحية التي قد تلم بــ” الكلاب “.

  بل و إنني مازلت أتذكر، ذاك التاجر الفرنسي الذي يبيع توابيت و مجسمات قبور البشر، فالأمر عنده جد عادي، لما يعرض بداخل متجره توابيت و قبور أعدت خصيصا ” للـــكلاب ” ، منحوثة عليها صور و أسماء القطط و ” الكلاب ” ، تكون جاهزة لتدفن بها و فيها ” الكلاب ”  .

  أما بوسط الحدائق و بالمنتزهات، فالكثير منها فيها مساحات، ممنوع أن يدخلها بني البشر.. لأنها خاصة فقط بــــ”الكلاب”  .

  و أما إذا عرجــنا جهة المجال الجمعوي و الحزبي و الإعــلامي الفرنسي و الأوروبي تحديدا، فلا يمكن حـصر عـدد الهيئات و المنظمات و القنوات، التي وضعت على رأس أولوياتها، الدفاع و بكل ما أوتيت من إستطاعة، عن الحيوانات و عن ” الكلاب ”  ..

****

  فيا له من حظ سعيد هذا الذي صادفته ” الكلاب “، كرموها و رفعوا شأنها في بلدان ؟؟..

و يا له من حظ تعيس ذاك الذي صادفته ملايين من بني أدم في بلدان أخرى ؟؟ يتمنون مساكين أن يحظووا، ولو بالنزر القليل مما حظيت به تلكم “الكلاب”.

  فإذا كانت الحكومات و المجتمعات الغربية، قد عملت على تكريم “الكلاب” ماديا، و ما زالوا أوفياء لهذا التصرف الحضاري الإنساني ؟؟ فإن العرب في أيام عــزهم الغابرة، هـم بـدورهـم قد شـرفوا هـذا الــنوع الحـيـوانـي ولـو بإقحام “الكلاب” في ما نظموه من شعر و ما قالوه من حكم، و لعل أشهر حكمة ترددها كل الألسنة العربية هي :

  القــــافلـــــــة تسيــــــــر و “الكـــــــلاب” تنبـــــــــــح .

و أضافت العرب في نظمها  :

                                 قل ما شئت بمسبتي    ..   فسكوتي عن اللئيم هو الجواب

                                 لست عديم الرد ، لكن  ..   ما من أسد يجيب على “الكــلاب”

****

أعزائي القراء، أترك و إياكم عاصمة فرنسا ،لأعود و إياكم إلى أرض الوطن ..

في أيامنا الحالية الشاهدة على تقهقرنا، أمعن العرب و المسلمون و خاصة أولياء أمرهم، في إحتقار العباد، فما بالكم بمنح قيمة ما إلى الحيوان و إلــى”الكلاب” .

   سُأل أحد الأباء في إحدى مدن المغرب المهمشة، عن إبنه الذي هاجر إلى فرنسا، عن أحواله في بلاد غربته ،كيف أصبحت  ؟.

فكان رد الأب :  ’’…ماذا تنتظرون من شخص أصبح يعيش وسط أناس يحترمون ” الكلاب” و يكرمونها، أن يكون حاله ؟؟، ..، لـــن أخــاف و لن أقـلق على إبني، إنه بخير و سوف يكون بالتأكـيـد أفضل، فالذين يرفــعون قـدر الـحـيوان و ” الكلاب” لا يهملون و لا يضيعون أبدا حق الإنسان …’’

****

أعزائي القراء..

سنة 2011 و في عز الحراك الشعبي المغربي، و بمسقط رأسي كنت مارا بمحاذاة إحدى مقاهي ، قاصدا حينها المشاركة في فعاليات وقفات – عشرين فبراير تنسيقية أحفير -، فإذا بي ألتقي بصديق عزيز لم أره منذ سنوات، كان جالسا ينتظر قهوته  ..

تبادلت و إياه التحية و السلام، ثم عرض علي أن أجلس معه، قبلت دعوته ثم طلبت قهوتي، في تلك اللحظات كان الشباب العــشرينيون يهيؤون المنصة لإطلاق فعاليات وقفة نضالية إحتجاجية.

و نحن نتجاذب أطراف الحديث، فإذا بصديقي يلتفت بإستخفاف بإتجاه شرفاء 20 فبراير، و يقول  :

  ( أووف..  مرة أخرى غادي يقلبو لنا الراس هاذ لكلاب بالنباح ديالهم؟؟ ) .

صديقي العزيز لم يكن يعلم وقتها، بأن الشخص الجالس معه، ما هو سوى ” كلب” سيشرع هو الأخر في “النباح” بعد حين  ..

لم أعلق على كلامه المستهجن، بل بادرت إلى الإطمئنان على حاله، والسؤال عن حياته ؟؟، ليفرحني لما أفصح لي، بأنه قد و قع عقد عمل، و بأنه سيباشر وظيفته محترمة ؟؟ بداية الشهر المقبل ..

سألته إن كان عمله الجديد، قد حصل عليه بعد تخرج دراسي أو إجتياز لمباراة ما بتفوق ؟

صديقي العزيز إبتسم إبتسامة عريضة، و قال :

    ( لا هذا و لا ذاك ؟؟ ما كاين لا دراسة و لا دبلوم و لا مباراة و لا سيدي بوزكري .. القضية معارف و دخلات و تدورة .. و راك عارف ؟؟ راك فالمغرب، و في المغرب لا تستغرب ؟؟ )     .

فقلت له :

   … ( إذن فلهذا السبب هؤلاء “الكلاب” يصدعون لك الراس، و يعكرون لك مزاجك و يفسدون عليك صفاء جلستك و إرتشافك لقهوتك ،.. فلو يتحقق على أرض المغرب ، ما تنادي به هاته الجموع ” الكلابية ” ، فلن تصل يا صديقي إلى وظيفتك ، و لن يصل أمثالك إلى مناصبهم و مبتغاهم، إلا بالكفاءة و بالمرور عبر المساطر القانونية الواضحة.)

ثم أضفت بشكل ساخر :

  ( معك كل الحق بأن تــنزعج من هذا “الــنباح”، لـكن أرجوك قـلي يا صديــقي، هل لديك بعض المعلومات عن حشرة الخنفس  ؟ )

قال متعجبا :

  (الخنفس حشرة مقززة متسخة ، معروفة بعيشها وسط العفن و فضلات الدواب و أوساخها…)

سأسألك سؤال أخير أيها الموظف المستقبلي :

  (و ما مصير الخنافس، لو أخرجناها من بيئتها العفنة ، و وضعناها في وسط البيئة النقية الطاهرة ؟؟ )

تردد قليلا ثم أجابني :

 ( لا أدري.. ربما ستعود إلى عفنها أو ستفقد حياتها)

 أجبته :  (بالظبط عزيزي ، ذاك الشي لي كاين ، فالخنافس تموت في حالة ما وضعناها في الأجواء الحسنة و البيئة النظيفة  ) .

****

أنهيت قهوتي بسرعة، ثم إستأذنت جليسي بالإنصراف، بعد إعرابي له بأن الحديث و الجلوس معه مفيد، لكن علي أن ألتحق بأصدقائي و زملائي ” الكلاب ” فأنا واحد منهم، و لقد حان مـوعد “الـنباح” .. على الأقل أفضل أن أكون كلبا، ينبح في و جه كل مفسد إنتهازي كذاب و كل خوان، بدل أن أكون خنفسا  يدركه الموت و الفناء، إذا ما بزغت عليه شمس الصفاء و النقاء ..

على الأقل الكلاب التي نبحت و تنبح بكل شرف، في الهواء الطلق لبلاد الصفاء و النقاء ؟؟، دفنت و كرمت تحت تراب عاصمة حقوق الإنسان و الأضواء .

****

لقد قالت العرب حكمتها الشهيرة أيام زمان، حيث كان رجال و نساء أمتنا يصوغون حكمهم من واقع شهامتهم و علو هاماتهم .. و يستخلصون منها الدروس و العبر، لهم و لأجيالهم اللاحقة :

   القــــافلـــــــة تسيــــــــر و “الكـــــــلاب” تنبـــــــــــح  .

ليأتي رجالــــنساء هذا الزمان، لــيقلبوا المفاهيم و المعاني و الحكم، و يفرغونها من حمولاتها الأصيلة السامية، و ليقدروا بقدرة قادر و بقوة رهيبة أن يجعلوا قــــافلـــــــة العار تسير، و لا من يعترضها، و أسود الشرف تزأر، و غالبا ما يتم تصوير زئيرها على أنه نباح “كلاب” .

أعزائي القراء أترك و إياكم أرض الوطن، لأنتقل و إياكم إلى أرض كاطالونيا .. لنحط الرحال عند قنصلية المغرب ببرشلونة أين سَمعت يوما ما الخنافس زئير الأسود، فحسبته نباح “كلاب” ؟؟.

abuhidaya@gmail.com

IHTJJ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.