غزّة المغربية

   مشاهد الدم والخراب والمعاناة التي تأتينا من غزة لا تطاق. ولا يمكن لأي ضمير حي أن ينأى بنفسه عن ما يجري هناك من قتل ممنهج تفرضه آلة الحرب الهمجية الإسرائيلية على شعب أعزل يحاصره الإحتلال من جهة، وترهنه حماس من جهة أخرى، وذلك في ظل صمت مطبق للمجتمع الدولي عموما وللمحيط الإقليمي العربي خصوصا. لذلك فإن موجات الغضب والتضامن الشعبية التي تعرفها هذه الأيام عدد من دول العالم لها ما يبررها، فالموقف في غزة يؤلم ويسائل الإنسانية جمعاء بغض النظر عن الإنتماءات الهوياتية العرقية أو الدينية. وأخلاق الإنسانية تقتضي أن يقف الجميع في وجه العدوان الإسرائيلي وفي وجه كل السلوكات الإرهابية التي تهدر دماء الأبرياء وتقتل أحلامهم أيا كانت الجهة التي ترتكبها وأيا كانت الجهة التي تستهدفها.

   المغرب الشعبي ظل وفيا لعاداته في التضامن مع القضايا الإقليمية. وحملات استنكار ورفض الممارسات الإسرائيلية طاغية على الشارع المغربي الذي خرج للتظاهر تضامنا مع غزة وأبنائها. ولا حديث في المنتديات العامة إلا عن غزة المحاصرة ومعاناتها أمام وحشية العدوان الإسرائيلي الغاشم. وإذا كان الواجب الأخلاقي والإنساني يحتمان علينا جميعا أن نعبر عن التضامن مع غزة وأهلها في هذه الظروف العصيبة، فإن هذا السلوك ينبغي أن يشمل كل القضايا الإنسانية التي تعرفها كثير من مناطق العالم. لذلك يحق لسائل أن يسأل: لماذا لم نشهد مظاهرات منددة بتنكيل دولة داعش بمسيحيي الموصل مثلا؟. لماذا لم يخرج هذا الشارع ليندد بإرهاب ” بوكو حرام” و “داعش” وغيرهما من الجماعات التكفيرية والإرهابية؟. بل لماذا لا يحضر المغاربة بهذه الكثافة في المظاهرات التي تهم الشأن الداخلي سواء في مطالبها الإجتماعية أو السياسية؟. هذه الإنتقائية في تعبئة الشارع والتفاعل مع القضايا الوطنية والدولية يراد من خلالها أن نكون عربا وفلسطينيين أكثر من العرب والفلسطينيين أنفسهم، وأن نحول أنظارنا عن همومنا ومشاكلنا الخاصة. وهكذا ينسى المغاربة قضاياهم الحقيقية ويعجزون عن ترتيب أولوياتهم.

   غزة إذن ومعها فلسطين قضية إنسانية كونية، وينبغي أن يتم التعامل معها على هذا الأساس. لذلك عرفت كثير من دول العالم مظاهرات رافضة للعدوان الصهيوني، ولم يتوقف الأمر على الشارع المغربي أو ” العربي والإسلامي ” فقط. أما عندما يتم تسويقها على أساس قومي أو ديني، فإنها تفقد تأثيرها وزخمها الإنساني الذي تغذيه الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة. وأكثر ما أساء للقضية الفلسطينية هو تحويلها لقضية عربية خالصة ارتبطت بما عرف خلال العقود الأخيرة بالصراع العربي الإسرائيلي. والحال أن الدول التي اعتبرت فلسطين ضمن قضاياها الوطنية معنية بشكل مباشر بهذا الصراع، لأن ما يجري في فلسطين يعد مسألة أمن قومي بالنسبة لها. وهو ما ينطبق على مصر وسوريا والأردن ولبنان تحديدا. في حين واضح أننا في المغرب إنما نتحرك بمنطق التبعية على أساس قومي وهمي، وكلما برز موقف متحفظ أو رافض لهذا الأسلوب في احتضان شؤون الآخرين والتعاطف الشعبي معها، تتعالى أصوات التخوين والصهينة كالعادة.

من حق المغاربة، بل من واجبهم، أن يعبروا عن كل أشكال التضامن مع غزة في هذه المحنة التي تمر منها، غير أن هذا التضامن ينبغي أن لا يكون على اساس عرقي أو ديني فحسب، وإنما لدواعي إنسانية لا تخص فلسطين وحدها بل تتعلق بكل المستضعفين في العالم. ثم إن تبني القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا الإقليمية التي يعج بها الشرق، يجب أن لا يتم على حساب قضايانا الوطنية الحقيقية المتمثلة في التفقير والتهميش، وفي تفشي البطالة وتراجع القدرة الشرائية للمغاربة وأزمة التعليم واتساع الفوارق الإجتماعية والمجالية، وفي سؤال التنمية وآليات الحكامة والتطلع إلى الديموقراطية في هذا البلد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.