غزوة المقابر وكشف المستور

هل يوجد عاقل يستطيع أن يصدق أن السلطات في مدينة الرباط قد منعت دفن امرأة، وقالت لأهلها وعشيرتها احملوها بعيدا عن مقابرنا، فارموها في البحر أو أحرقوها؟ هذا هو بالضبط ما حاول أن يروج له أتباع جماعة العدل والإحسان طيلة يوم الخميس 26 مارس 2015، وهم يهمون بدفن السيدة خديجة المالكي زوجة المرشد السابق للجماعة عبد السلام ياسين رحمهما الله معا.

أتباع الجماعة دشنوا على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ سموه (ممنوع_الدفن)، ونشروه على نطاق واسع، وملؤوه صراخا وعويلا، حتى يصل صوتهم إلى كل مكان في العالم، ليعلم القاصي والداني بأن سلطات العاصمة المغربية منعتهم من إتمام عملية دفن امرأة رغم أن إكرام الميت دفنه.

والحقيقة البعيدة عن كل كذب بواح، أن الجماعة كانت تريد دفن السيدة خديجة المالكي في قبر يجاور قبر زوجها، وهو الأمر الذي رفضته السلطات، حيث أخبرت القائمين على الجنازة بأن الأمر غير ممكن وبأن هناك قبر آخر قد خصص لإتمام مراسيم الدفن. فلماذا لم يقل أتباع الجماعة الحقيقة كما هي ولجؤوا إلى الكذب، رغم أن الكذب في الإسلام حرام؟؟؟ وهو الدين الذي جعلوا أنفسهم قيمين عليه، يتكلمون باسمه، ويمارسون السياسة باسمه، ويسعون لدولة الخلافة باسمه.

ووحده الله يعلم أنه لو فتحنا هذا الباب مشرعا في وجه المغاربة لاختيار أماكن دفن أقاربهم، لوجدنا أنفسنا في بضع سنين أمام ظاهرة تشبه تلك التي توجد في مصر، حيث انتشرت ظاهرة المقابر العائلية، فصار للأغنياء والأعيان وعلية القوم مقابرهم التي توجد في أرقى الأماكن، في حين لا يجد الفقراء وعامة الناس مقابر يدفنون فيها. فلماذا هذا الإصرار على الدفن في مكان بعينه، وكأن الميت لن يكون في حضرة الله ورحمته إلا في ذلك المكان دون بقية الأماكن؟

ويجب أن أعترف أنه في كثير من الأحيان، تبدو لي ممارسات جماعة العدل والإحسان لا تختلف في شيء عن ممارسات المخزن. هي فقط الغيرة التي تحرك قيادة الجماعة التي تعتقد أنها تستحق نفس الجاه والحظوة. فما الفرق بين إمارة المؤمنين والخلافة؟ وما الفرق بين تقبيل يد الملك وتقبيل يد الشيخ؟ وما الفرق بين مقابر المشور السعيد حيث ترقد جثامين الأمراء، وبين مقبرة الشهداء حيث تريد الجماعة أن تجمع جثامين شيخها المؤسس وعائلته في مكان واحد وكأن مقابر باقي المغاربة لا تجوز مجاورتها؟

لقد أخطأت جماعة العدل والإحسان حين جعلت نفسها تنقاد لمعركة دونكيشوتية، لم أجد لها من اسم يليق بها سوى غزوة المقابر، خصوصا حين سمحت لأتباعها بانتهاك حرمة مقبرة الشهداء، والدوس بأحذيتهم على قبور موتى المغاربة، وتعطيل باقي الأسر عن دفن ميت لها أو زيارة قبر عزيز عليها.  لكن خطأها الأكبر كان في كذبها على الرأي العام، وهو الكذب الذي أخذ بعدا أكبر حين كشف غضب نادية ياسين ما ظلت الجماعة تخفيه لسنين، حين قالت بالحرف: …ياك أعباد الله، العالم العربي كلو شاعل، وجا هاد السيد الله يرحمو وبـرد ليهم الطرح في المغرب، وهذا هو الجزاء ديالو…“، وهي العبارة التي تختصر كل شيء وتظهر لكل ذي قلب سليم، كيف تواطأت الجماعة مع المخزن من أجل إجهاض حركة 20 فبراير.

فحين قررت جماعة العدل والإحسان الانسحاب من حركة 20 فبراير، قالت في بيان عممته على وسائل الإعلام بتاريخ 18 دجنبر 2015، أن أسباب انسحابها تكمن في نقطتين أساسيتين:

أولا) طبيعة السقف السياسي لحركة 20 فبراير والمحدد في الملكية البرلمانية، منخفض جدا وهو ما يجعل منها حركة تنفيس لا حركة تغيير.

ثانيا) محاولات باقي الأطراف المكونة لحركة 20 فبراير فرض القيم والتوجهات اليسارية على الخطين السياسي والإيديولوجي للحركة، وهو ما اعتبرته الجماعة يناقض هوية الشعب المغربي المسلم.

وها نحن نكتشف اليوم، أن كل ما قيل حينها كذب في كذب، وأنه مجرد محاولة هروب للأمام عبر إلصاق تهم واهية بشركاء كانوا صادقين في نضالهم، وأن السبب الحقيقي وراء انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير، والذي ظل طي الكتمان هو صفقة طبخت في الظلام بين المخزن وقيادة الجماعة، حتى يستمر الفساد والاستبداد، وذلك في غفلة من أتباعها الطيبين الذين لا يناقشون أي شيء ويكتفون بالتنفيذ الأعمى للأوامر وكأنهم آلات فاقدة للرشد وغير قادرة على التحليل.

ورب ضارة نافعة، فلقد انقلب السحر على الساحر، وعوض أن تساهم غزوة المقابر في تكريس مظلومية الجماعة، وتعزز من مكاسبها السياسية جراء لعبها الدائم على وتر الضحية المهضومة الحقوق، فقد كشفت لنا عن سياسات قياداتها الحربائية، حيث الكذب والتقية وإظهار عكس ما تضمره النفوس. ولا يأتي أحد ليقول لي أن تلك السياسة وأحكامها وأن الغاية كما قال ماكيافيلي تبرر الوسيلة، لأن هذا الكلام مرفوض جملة وتفصيلا، خصوصا ممن يدعون ليل نهار أنهم يمارسون السياسة باسم الإسلام وأن غايتهم نشر الفضيلة والتقوى بين الناس. فمن يكذب مثلما يتنفس لا ثقة فيه، ومن يتهم الناس بتسقيف الحراك في حين هو يجالس المخزن من أجل عقد الصفقات وإحباط محاولات التغيير، لا يمكن أبدا التعويل عليه من أجل إقرار الديمقراطية  ونشر قيم الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.