غزلان بنعمر تكتب: أنا شارلي… لكن… ؟!

اختارت فرنسا طريقها للتعبير عن صدمة الحادث الإرهابي الذي أوقع بحوالي 12 صحافيا من أسبوعية شارلي إيبدو ، اختارت فرنسا أن تعبر عن قلقها بأن تنظم مسيرة ضد الإرهاب ، واختارت أن توجه رسالة مختلفة عن تلك التي أطلقتها أمريكا بعد العملية الإرهابية التي شهدت فصولها ذات يوم من أيام شتنبر 2001.

لم تكن صدمة الحادث الإرهابي الذي جرى بدم بارد وبتخطيط محكم ، أن يمر دون أن يطرح معه أسئلة عميقة وجادة ، فبعد الصدمة سيجد العقل نفسه أمام سيل من الأسئلة ومن القضايا ما لا يمكن حصرها ، لا يتعلق الأمر نهائيا بالبحث في مشروعية القتل الذي تعرض له صحافيوا الأسبوعية ، فهو بالتأكيد فعل مدان وفعل جبان ولا يستحق غير الإدانة الشديدة ، وإن كان يظهر اليوم من خلال ردود الفعل التي يجري التعبير عنها هنا وهناك ، انه لا يخضع لإجماع الشارع العربي والإسلامي ، إذ يعتبر الكثيرون أن الرسامين الذي جرى اغتيالهم ، قد نالوا الجزاء الذي يستحقونه جراء فعلهم الذي أهانوا فيه الإسلام ونبي الإسلام ، وجروا عليهم غضب أزيد من مليار ونصف مسلم . لقد تناقلت العديد من المواقع الإلكترونية ، وعلى صفحات الشبكة الاجتماعية العديد من التعاليق التي تعتبر ما تعرض له رساموا الأسبوعية شارلي إيبدو فعلا يستحقونه ، وأشادت بالأبطال الذين نفذوه.

سنترك جانبا تفاسير المؤامرة ، وأن الأجهزة الاستخباراتية وظفت الأخوين كواشي وشركائهما لتنفيذ العملية ، للتبرير لاحقا لتدخل غربي في سوريا على غرار ما حدث بعد أحداث شتنبر 2001 بالعراق ، وسنعود للصدمة باعتبار أنها استهدفت ضحايا من نوع جديد ، وباعتبارها استهدفت أسبوعية ساخرة وقررت قتلها. الصدمة نابعة من وقائع وأحداث متشابكة ومتناقضة جعلت الحدث فعليا له وقع الصدمة ، أحد طرفيها يكمن في الدقة والسرعة والثقة في النفس التي توفرت للأخوين وهم ينجزان فعلهما الإجرامي في حق رسامي الأسبوعية ، في يوم اجتماع هيئتها التحريرية وبحضور من استهدفهم العدوان. لم يكن الحدث إرهابيا تقليديا ، فعل فردي يستهدف بشكل عشوائي جماعة معينة وفي الغالب الأعم يكون فعلا انتحاريا ، الحدث كان فعلا مخططا له وجرى ترتيبه بالشكل الذي تنتج عنه ضربة موجعة للأسبوعية تذهب بجل طاقمها.

جريمة باريس إن كان لها من دلالة أيضا ، فدلالتها تكمن في كونها أعلنت وبشكل لا غبار عليه أن موجة الإرهاب سوف لن تتوقف قريبا ، وأنها ستشهد فصولا دامية ، وأن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية التي سبق وأطلقت حربها على الإرهاب منذ هجمات نيوريوك وواشنطن في شتنبر 2001 ، لم تحقق نتائجها ولم تتمكن من محاصرة بؤر الإرهاب.

هذه هي الصورة في تفاعلاتها وما سيترتب عليها من سياسات غربية تجاه ظاهرة الإرهاب التي تستهدفهم ، فما هي الصورة في هذا العالم المسمى عربيا؟

لا يزال هذا العالم المسمى عربيا متخلفا غير قادر عموما على التصالح مع العصر ، وعلى مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية والسياسية لعالم اليوم ، لم يتمكن من إنجاح مساره الديمقراطي كما حدث في أوربا الشرقية وأوروبا الوسطى ، وكما حدث في أمريكا اللاتنية وكما يحدث في العديد من تجارب دول إفريقيا ووسط أسيا ، جل هذه التجارب تمكنت بعد نهاية الحرب الباردة من أن تفتح سيرورة تحول ، وحده هذا العالم المسمى عربيا ظل خجولا مترددا في تدشين إصلاحات حقيقية ، حتى ما سمي الربيع العربي في السنوات الأخيرة قام ببعث الروح مجددا في الحركات التكفيرية وعزز من حضور الجهاديين ، خاصة ، بعد تفكك الدولة الليبية والأوضاع الصعبة التي تعيشها منطقة شمال إفريقيا ، هذا ناهيك عما يحدث في اليمن ومناطق أخرى.

في التقدير العام ، نحن اليوم نعيش تطورا نوعيا في مسار ظاهرة الإرهاب المنسوب للحركات التكفيرية الجهادية ، لم تكن جريمة باريس إلا مقدمة أولية لهذا المسار الدموي الذي يتغذى ويستفيد من بعض ما باتت توفرها العولمة ، وما تمنحه وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة من تداول سريع للمعلومة وطرق مبتكرة للتحريض والتعبئة. إن تبلور داعش وتحول مسار الحركات الجهادية معها ، من حركات تمارس بشكل عشوائي وغير منظم عمليات جهادية بدون أفق أو بهدف التخريب والانتقام إلى مشروع دولة وحديث باسم دولة ، هو مسار طبيعي ومنطقي ، وهو محصلة سياسات جرت في المنطقة ، سياسات بدأت معالمها الأولى قبل و بعد نهاية الحرب الباردة واندحار الاتحاد السوفيتي.

إن داعش تطور نوعي لتنظيم القاعدة ، والقاعدة كما نعلم هي في الأصل نشأة أمريكية في سياق صراعها مع الاتحاد السوفياتي ، كما أن القاعدة تمويل سعودي خالص ، ونصوص دينية وفقهية إسلامية حشدا وتعبئة. قبل أن تتفرق القاعدة مللا ونحلا كانت أداة استعملت لقهر السوفيات وإنهاء وجودهم كقوة دولية استعملتها أمريكا وحلفائها ، وبعد أن انتهت من وظيفتها تلك وجرى التفكير في إضعافها ، كانت القاعدة قد شقت أجندتها الخاصة بها ، وباتت أشبه بالمخلوق الذي تمرد على خالقه ، والبدايات النوعية كانت “غزوة”واشنطن ونيويرك في شتنبر 2001.

من مخاض تجربة القاعدة ولدت داعش وولدت تنظيمات أخرى باتت تشكل خطرا حقيقيا ومنها أنصار الشريعة التي يوجد لها امتداد في تونس وليبيا والجزائر ومناطق أخرى ، لذلك لا يصمد التحليل الذي يصور هذه التنظيمات محض توظيف لأجندة الغرب في المنطقة ، لقد أصبح لها ناب ومخالب ، وأصبحت لها أجندتها الخاصة وانقلب السحر على الساحر .

في الأصل تعود كلمة القاعدة للتأسيس لمعسكرات تدريب للمجاهدين لمقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ، حيث كان يطلق على هذه المعسكرات اسم القاعدة ، ويرجع العديد من الباحثين تاريخ تأسيس القاعدة لسنة 1988.

بغض النظر عن تاريخ النشأة، تشكلت القاعدة وأعلنت جهادها ضد “أمريكا واليهود والصليبين” سنة 1998 ، أي سنوات بعد خروج الجيش السوفياتي من أفغانستان ، وذلك عبر تلك الفتوى الشهيرة التي سهر على إصدارها كل من بن لادن والظواهري وآخرين والتي جاء فيها تلك العبارة الشهيرة ، التي أعلنت من خلالها القاعدة دخولها في إستراتيجية جديدة ، حيث ورد في الفتوى ما يلي: “إن حكم قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين وعسكريين، فرض عين على كل مسلم في كل بلد متى تيسر له ذلك، حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم . وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام، مسلولة الحد كسيرة الجناح. عاجزة عن تهديد أي مسلم” (ويكيبيديا).

لقد كان منطقيا بعد خروج السوفيات من أفغانستان ، أن تشق القاعدة طريقا مختلفا ، وكانت الحاضنة بعد أرض أفغانستان هي العراق ، الذي جرى احتلاله من طرف أمريكا وتفكيك جيشه وحل دولته عقابا لتمرد نظام صدام الذي سعى، في سياق نهاية حربه ضد إيران ، لفرض العراق كقوة إقليمية في المنطقة ، وفرض نفسه ناطقا باسم منطقة الخليج.

إن نهاية الحرب الباردة وسعي أمريكا لإعادة ترتيب وجودها في منطقة الشرق الأوسط جعلها تستعجل احتلال العراق ، وقد كان ل”غزوة” 11 شتنبر 2001 وقع الصدمة ودافع إضافي لاحتلال العراق ، بكل ما ترتب عن هذا الاحتلال من تجميع لكل أصناف الحركات التكفيرية الجهادية في أرض العراق ، والتي عملت عدة أطراف على تسهيل دخولها أراضيها ليتحول مركز الثقل لتنظيم القاعدة إلى هذا البلد الغارق في الفوضى والصراعات الطائفية والمذهبية.

هذا دون أن ننسى أن من إحدى العناصر الرئيسية التي شكلت الخلفية الإيديولوجية والفكرية لهذه الحركات الجهادية ومنها أساسا تنظيم القاعدة ، الدور الرئيسي الذي لعبته دول الخليج وأساسا منها السعودية ، إذ بالموازاة مع الحرب والقتال الذي كان يخوضه الجهاديون ضد السوفيات في أفغانستان بدعم لوجستيكي حاسم من الغرب ، كان التمويل السعودي قويا في إصدار الملايين من الكتب والفتاوى الفقهية التكفيرية والجهادية والسلفية الوهابية ، والتي شكلت الخلفية الفكرية لميلاد وتغذية هذه الحركات الجهادية.

بموت الزرقاوي في العراق ، وصعود جيل جديد تشكلت رؤاه وتصوراته في سجون الاحتلال الأمريكي ، ستنبثق داعش وهي التنظيم الأشد شراسة ، والأكثر تخطيطا ، والإغنى مالا ولوجستيكا ، وبدل أن يتحدث هذا التنظيم حركة ، سيتحدث دولة ويسعى لتنفيذ أجندته ضمن منظور توسعي.

نحن إذا أمام تطور نوعي في تشكل هذه الحركات الإرهابية مع تنظيم الدولة ، ولذلك من الطبيعي أن يستشعر الغرب الخوف ويقدر هذا التطور النوعي الذي حدث ، ومن تم نحن لا نجد أنفسنا في التحليل الذي يعتبر كل ما حدث وسيحدث مجرد مؤامرات ، أو رغبة من هذا الغرب في أن ينسينا حقيقة تناقضاتنا مع هذا الغرب الإمبريالي المستغل لشعوب المنطقة.

وحتى على افتراض أن أصل النشأة لتنظيم القاعدة ، التنظيم الأم للحركات الجهادية التكفيرية ، فإنه من الصعب تصور تمدد هذه التنظيمات وتنامي نفوذها لولا أنها وجدت أرضا خصبة للنمو ، تغذيها سياسات أنظمة استبدادية مغلة في الفساد ، ومنظومة فكرية وثقافية مجتمعية مغلة في المحافظة والتقليد ، ودول يتداخل فيها شخصنة السلطة مع تمازج الدولة بلبوسات الطائفة أو العائلة أو الحاكم بأمره.

كيف سعى هذا الغرب لتغذية هذه الحركات وغض الطرف عن تناميها ، بما فيها غض الطرف عن تنامي تنظيم الدولة وتمدده في سوريا كما في العراق ، وتغاضيه على وضع هذا التنظيم يده على النفط الذي يباع في السوق السوداء بتواطؤ فاضح من طرفه ومن طرف تركيا حليفته في المنطقة. لكن كل ذلك هو جانب من المسؤولية وليس كلها ، المسؤولية في تنامي هذا الفكر الجهادي التكفيري توجد في أوضاع هذه المنطقة ليس فقط على الصعيد السياسي والاقتصادي وتنامي مظاهر الفقر والتهميش والعطالة في صفوف ملايين من شبابه ، بل وفي العمق الثقافي والفكري المفوت ، وفي وجود مساحة شاسعة بين تطور موضوعي وقع في البنى الاجتماعية لهذه المنطقة ، وبين تدين يحنط النصوص مغل في المظاهر السطحية ، وكأن الدين توقف في زمن تغلب فيه النص على العقل ، ليعود بنفس حمولة ذاك الزمن ، ويؤجل ، مرة أخرى ، استحقاقا تاريخيا ضاغطا هو دخول هذه المنطقة روح العصر وقيمه.

إن واقع اليوم يبرز بوضوح تعدد تأويلات الإسلام ، ومنها إسلام موروث عن عصور الانحطاط يغذي الكراهية ويحث على القتل ويقسم العالم إلى دار الكفر ودار الإسلام ، ولذلك المطلوب اليوم بوضوح قبل أن نخاطب عاطفة الغرب ونتوسل إحسانه ” الإنساني ” ، أن نعلن تمردنا وثورتنا على هذا التأويل لإسلام يعادي روح العصر ويصر أن يكون على هامشه ، إسلام يعاند حقائق العصر ويعادي قيمه وعلومه ، إسلام الوهابية والسلفية الجهادية والتكفير وإعدام العقل وتقديس الموت وتبخيس الحياة.

لم يعد اليوم مواجهة الإرهاب مواجهة مع أفراد أو مجموعات متفرقة هنا وهناك يسهل ببضع إجراء ات أمنية وقانونية محاصرتها وإحكام الطوق حولها ، لقد أصبح للإرهاب دولة ممتدة على أراضي سوريا والعراق ولها امتدادات وجيوب في ليبيا وتونس ومصر والجزائر واليمن وما خفي أعظم.

لا ينفع تماما أن نشكو ازدواجية معايير الغرب ونفاقه وانتهازيته ، وننطلق منها للتقييم ونقارن بين البون الشاسع بين مقتل 12 شخصا وبين دماء 300 ألف سوري معظمهم نساء وأطفال ، ونتساءل إن كانت دماء 12 أغلى من دماء 300 ألف. إنها حتى وهي سجال عادل ومنطقي ، فهي محاجة فاسدة وإن سكت الغرب على قتل أبرياء بالكيماوي في سوريا وعن قتل الأطفال في غزة وعن مشاركة المجرم السفاح نتانياهو في مسيرة باريس. سكوت الغرب عن هذه الجرائم الإنسانية لا يبرر ولن يبرر سكوتنا عن جرائم أخرى ، خاصة وأن مرتكبيها يمارسوها باسم الدين الإسلامي ، الذي يعتبر تراثا مشتركا لا يحق لأي كان احتكاره باسمه. أما سكوت ونفاق وانتهازية الغرب والذي ينقط الجرائم بتفاوت وبدرجات ويعتمد فيها هوية المرتكب ، فلها علاقة بموازين القوى العالمية ، وليس بمبدأ العدالة في المطلق .

مسؤولية هذه الشعوب التي تطبق عليها معايير الكيل بمكيالين تابثة وتتحمل فيها الجزء الكبير من المسؤولية ، السلطات الحاكمة التي تحكم هذه الشعوب هي التي استرخصت دمائها وحطت من كرامتها وجعلتها رقما لا يعتد به ولا يقام له وزنا في السياسة الدولية ، الجماعات الإرهابية التي تشتغل بالدين وتقدم للعالم وللرأي العام الدولي صورة مقرفة متوحشة عن دين هذه الشعوب هي من يتحمل جزء هام من هذه المسؤولية ، ليستغله قادة الغرب لتأليب رأيهم العام ضدها. بل إن هذا الإرهاب لا يواجه السياسات الظالمة لهذا الغرب ولا يواجه همجية قادة الكيان الصهيوني ، المفارقة أن هذا الإرهاب يواجه أجمل وأروع ما في قيم الغرب ، الحرية بما فيها حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاعتقاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.