غباء أينشتاين وفطنة بنكيران والمؤلفة قلوبهم

محمد المساوي

مع حصول المغرب على “الاستقلال الشكلي” يوم 2 مارس 1956 (وليس 18 نونبر 1955 كما يروج التاريخ الرسمي، حيث في هذا اليوم القى محمد الخامس خطابا يعلن فيه بداية المفاوضات مع فرنسا ولم يكن يوم الحصول على الاستقلال) او ما سمّاه الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بالاحتقلال، سارعت “الحركة الوطنية” التي وقع قادتها على معاهدة اكس ليبان الى التخلص من كل شخص او تيار او حزب يطمح الى أبعد من حدود اكس ليبان، وهكذا انتشرت فرق الموت التي اغتالت مئات الوطنيين الاحرار، الذين رفضوا الانبطاح واثروا الاستمرار في المقاومة حتى تحرير الارض والانسان، وتم فرض سقف “اكس ليبان” بالحديد والنار، وتم ذلك بتوافق بين الملكية وما يسمى بالحركة الوطنية المجسدة حينئذ في حزب الاستقلال..

في هذه الظروف “جرى بمهارة استعمال التمزقات الداخلية للمقاومة المسلحة منذ الأشهر الأولى لعام 1956 من طرف المخابرات الفرنسية التي عملت، بتعاون وثيق مع الأنوية الأولى لما سيشكل لاحقا الألوية الخاصة للشرطة المغربية، على تأجيج تلك التمزقات التي غذاها المخبرون المندسون داخلها، هذا التدمير الذاتي للمقاومة، حتى الضربات الأخيرة الموجهة من طرف مخابرات الشرطة المغربية ذاتها في يونيو-يوليو 1956 التي صفت جسديا ما تبقى من المنظمة الراديكالية الهلال الأسود و دفعت قسرا إلى شبه سرية ما تبقى من قادة المنظمة السرية المرتبطين بحزب الاستقلال و استبعادهم سنوات عديدة عن الحياة السياسية، بعد أن باتت المنظمة ذاتها مفككة”(ابراهام السرفاتي، الصراعات الطبقية بالمغرب).

خلال السنتين التي اعقبت حصول المغرب على الاستقلال الشكلي تسارعت وتيرة اغتيال اخر ما تبقى من عناصر جيش التحرير الثائرة والمتشبثة بموقفها، بينما فُرض على الاخرون ادماجهم فيما سمي بالجيش الملكي، وفي خريف 1958 ستبدأ بوادر انتفاضة عارمة في منطقة الريف، احتجاجا على الوضع الذي أُريد فرضه بالحديد والنار، وَضعٌ يقرّ بتهميش المنطقة، وتهميش الكفاءات التي شاركت بدمائها وبنادقها ومالها في محاربة المستعمر، لكن حزب الاستقلال بتوافق مع الملكية وضع على المنطقة “قوادا” لا يعرفون الاّ البطش والقمع، حينها انتفضت ساكنة الريف، ورفضت أن تأتمر باوامر الملك وحزب الاستقلال، فكانت هذه الانتفاضة اكبر تحدٍ واجه “تحالف الملك مع الحركة الوطنية”، وفي نفس السنة كان حزب الاستقلال يعيش مخاضا عسيرا تُوج بالانفصال بين توجهين: توجه يساري متطلع الى الامام ومنبهر بتجارب حركات التحرر العالمية والنماذج الاشتراكية، وتيار محافظ يميني يغرف من ادبيات ما سمي ب”السلفية الوطنية”.

لم تكد تمضي الا اسابيع قليلة على بداية انتفاضة الريف، حتى كلّف الملك عبد الله ابراهيم بتشكيل الحكومة، وذلك يوم 5دجنبر 1958، مباشرة بعد تشكيل الحكومة تفرّغ ولي العهد انذاك (الحسن الثاني) صحبة خادمه الجنرال اوفقير لسحق انتفاضة الريف، ورغم أن عبد الله ابراهيم نفسه لم يكن متفقا مع الحسن الثاني في اسلوب القمع، وحاول ان يثنيه عن ذلك وحثه على ضرورة فتح قنوات الحوار والتفاوض اولا مع المنتفضين، إلاّ أن الحسن الثاني ركب جنونه وجموحه واصطحب معه افقير، ثم اشرفا معا على حرق وذبح ساكنة المنطقة، وهي المهمة التي سيقول عنها الحسن الثاني فيما بعد: “كان هو ضابطا شابا(يقصد افقير) و أنا أعزبا أمضينا معا سنوات رائعة !”

كانا الحسن الثاني وافقير يذبحان الساكنة ويمعنان في القمع والقتل والبطش، بينما كان عبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وغيرهم يوفرون “التغطية السياسية” لهذه المذبحة، اذ لم يصدر عن حكومة ابراهيم موقفا حاسما يندّد او يدعو الى وقف اعمال البطش، بل ظلت تتفرج على “حفلة الشواء” التي قادها الحسن الثاني وافقير.

بعد اشهر سينجح الحسن الثاني في اخماد الانتفاضة، بعد قتل من قُتل واحراق من أُحرق، وهروب من هرب وسجن من تم القاء القبض عليه، وبعد أن أحس الحسن الثاني انه اتم مهمته كما يشتهي، ستتم إقالة حكومة عبد الله ابراهيم، وتولى ولي العهد انذاك الحسن الثاني منصب الوزير الاول، ولم تمض ايضا الا شهور قليلة حتى توفي محمد الخامس، ليصبح الحسن الثاني هو الملك، ويشرع في الانتقام من كل من ساعدوه على قمع انتفاضة الريف والتخلص من زعماء جيش التحرير، ولعل حكاية المهدي بنبركة المفجعة ابلغ مثال.

في بداية السبعينات طار الحسن الثاني الى امريكا لاجراء كشوفات وتحاليل طبية متعددة: كشفت هذه التحاليل انه مصاب بمرض ما، يجعل امد حياته محدودا ولا مجال لشفائه، بعد ان تيقن الحسن الثاني أن الموت اقترب اليه اكثر فأكثر، وهو الذي جرّبه في اكثر من مناسبة (الانقلابات العسكرية ..)، فكّر جيدا كيف يضمن انتقال سلسل للسلطة من يده الى خلفه ولي العهد، واشرف على تهيئ هذا الانتقال اصدقاؤه الفرنسيون من مستشاري قصر الاليزي وكبريات الشركات الفرنسية، الى جانب افراد من المخابرات الامريكية.

اهتدى الحسن الثاني ومستشاروه إلى ضرورة الاستنجاد مرة أخرى بالمعارضة، كما اسنجد بها لقمع انتفاضة الريف، فنادى على المعارضة “الشرعية” وبحث معها امكانية تكليفها بتشكيل الحكومة، بينما اطلق سراح معتقلي المعارضة الجذرية واصدار العفو العام سنة 1994، وبدأت عملية الاستقطاب المحتشمة، إلى ان تم تشكيل حكومة اليوسفي، وفق الشروط المعروفة وما صاحبها من طقوس (القسم على القرآن بين الحسن الثاني واليوسفي) تغرف من “سيكولوجية انسان المجتمع المركب” كما يسميها بول باسكون.

تشكلت حكومة اليوسفي لانقاذ المغرب من “السكتة القلبية” وضمان الانتقال السلسل للحكم من الحسن الثاني الى محمد السادس، ولم تمض الا 16 شهرا حتى توفي الحسن الثاني، وحلّ محله ولي العهد محمد السادس، بينما سهر “شيخ المعارضين” عبد الرحمان اليوسفي على هذا الانتقال، واحاطه بعطفه وحنوه، كما قامت حكومته ببيع اغلب مؤسسات الوطن عبر خوصصتها لاستخلاص مبالغ ضخمة وُظفت في استتباب الاستقرار، والجزء الاكبر منه وُظّف في تمويل اكبر عملية رشوة في تاريخ المغرب المعاصرة، نعني ما سمي هيئة الانصاف والمصالحة التي قامت فلسفتها على تعويض ضحايا نظام الحسن الثاني، وتشدقت بجبر الضرر المعنوي والقطع مع سياسة الماضي، لكن كل هذا ذهب جفاءً، وظل الجانب الوحيد والواحد البارز من هذه العملية هي تلك التعويضات السمينة التي اخذها ضحايا نظام الحسن الثاني.

اصبح محمد السادس ملكا، توطدت اركان عملية “رشوة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان” وتحصلت الحكومة على سيولة نقدية مهمة لتمويل كل هذا، وبعد ان تمت العملية بنجاح، كان اول قرار اتخذه الملك محمد السادس هو الخروج على “قسم الحسن الثاني واليوسفي”، فرغم احتلال حزب الاتحاد الاشتراكي للمرتبة الاولى في انتخابات 2002 إلا أن رغبة محمد السادس وربما مزاجه ارتأى غير ما اتفقا عليه الحسن الثاني واليوسفي وقرّر أن يعيّن التكنوقراطي رجل الاعمال ادريس جطو وزيرا أول، تلقى اليوسفي صفعة لم يتوقعها، كما انه لم يجترح أي مخرج او ردّ على الصفعة، جمع حقيبته، ولملم اشياءه الثامن، قاصدا بروكسيل، وهناك خرج عن صمته مولولا ليقول انه كان في الحكم ولم يكن يحكم، وبا له من اكتشاف…
لقد اخذ اليوسفي جزاء سنمار، كما سبق رفيقه عبد الله ابراهيم ان تلقى نفس الجزاء يوم 21 مايو 1960، حينما أقيل من منصيه بعدما انتهت مدة صلاحيته.

قبل أيام قليلة قال خالد البوقرعي الكاتب العام لشبيبة البيجيدي :”لا يمكن أن نُستعمل في الإستقرار ثم نُرمى إلى مزبلة التاريخ”، قد يكون البوقرعي قال هذا وهو يستحضر ما حدث لليوسفي وما حدث قبل ذلك لعبد الله ابراهيم، وقد يكون غير مستحضر لهذا، وانما فقط قال ذلك انطلاقا مما يراه ويعاينه في الواقع، لكن بهذا او ذاك، فالصحيح من كلّ هذا هو أن البيجيدي أُستعمل من طرف الملكية طلبا لاستمرارها، فالاستقرار هنا مرادف لاستمرار الملكية التنفيذية، هو الاستمرار في وضع يكون فيه الملك هو الحاكم الفعلي يجمع بين يديه كل السلطات، وهذا ما يكرّره بنكيران صباح مساء “الملك كيحكم وانا كنخدم” وليذهب الدستور والحكامة والديموقراطية ليشربوا البحر، لقد أدى بنكيران وظيفة الحفاظ على استمرار استبداد الملكية على احسن وجه، وبرع في الوقوف في وجه تطلعات الشعب المغربي، وسخر كل جهده وجهد حزبه من أجل دعم الاستبداد واطلاق يده، مهما حاول ان يستر ذلك بشراشف شفافة لا تخفي السرّة ولا السوءة، كل شيء واضح ومفضوح كما قال العطار.
لكن، هل سيُرمي بنكيران إلى المزبلة كما حدس البوقرعي؟ في تقديرنا يُستبعد ذلك حاليا، لأن الشروط والظروف التي كانت في 21 ماي 1960 وظروف اكتوبر 2002، ليست هي ظروف الان، ودستور 2011 يقيّد تعين الملك لرئيس الحكومة، بكونه يجب ان يكون من الحزب الفائز في الانتخابات، كما أن عملية تزوير الانتخابات ليست متاحة كما كانت من قبل، التزوير المباشر صعب الان لكنه ممكن عبر التحكم في المرشحين والاحزاب وصنع الحكومات التي يريد الملك.

إن رمي بنكيران إلى المزبلة مستبعد بالطريقة التي رُمي بها اليوسفي وعبد الله ابراهيم، لكن ممكن ان يحدث له ذلك وفق طبعة مزيدة ومنقحة، كأن تُفرض عليه حكومة ائتلاف وطني من طرف الملك يشارك فيها البام بمبرر او بآخر، وبنكيران لن يقول لا للملك حتى لو طلب منه أن..
حكومة ائتلاف وطني تجمع البام والبيجيدي ليست مستبعدة، خاصة بعد ان فقد البام اي امل في ترؤس الحكومة المقبلة، بعد ان هربت وفرّت الاحزاب من يديه، ولم يبق وفيا له غير ادريس لشكر ينتظر المعجزة لتتم مكافأته.

إن وهم اصلاح النظام من الداخل، هو وهم وُلد مع خيوط فجر استقلال اكس ليبان حين تحالفت الحركة الوطنية مع الملكية ضدا على المقاومة المسلحة وجيش التحرير، هو وهم وسيظل هكذا، تتكرّر معه مأساتنا، ويجعل النظام يضحك ملء شدقيه على سذاجتنا وغبائنا، ففي كل مرة يجد هذا النظام أتاناً (من بين صفوفنا) تحني ظهرها لتقله وتعبر به النهر الى ضفة الامان، كل الوعود التي تبجح بها النظام، لا تلبث قليلا حتى تذرها الرياح، لن نُسرف في الذهاب بعيدا، وعود 9 مارس 2011، تبخّر جزء كبير منها يوم 1 يوليوز 2011، وما تبقى تبخّر مع حكومة بنكيران، قسم الحسن الثاني واليوسفي على القرآن، تبخر بعد اربع سنوات من ذلك…
يقول انشتاين ما معناه: “من الغباء أن تكرر الشيء ذاته بنفس الخطوات ونفس الطريقة وتنتظر نتيجة مختلفة”، لكن مع ذلك ورغم انف انشتاين سيظل المستمنون على اصلاح النظام سادرون في استمنائهم، وسيظل النظام مستمرا في طيشه وسطوته وبلادته واستبداده، الى أن يأتي يوم لا بد له أن يأتي..

تعليق 1
  1. محمد أيوب يقول

    سؤال:
    ماذا لو أفرجت فرنسا ودول أخرى عن وثائق فترة الحماية وبداية ما يسمى بالاستقلال عندنا؟أنا على يقين بأنه ستظهر عجائب وغرائب حول المساهمين في المقاومة الذين يتبجح الاعلام المخزني بذكرهم بمناسبة وبدونها..ليس تاريخ”الاستقلال”أو”الفطام”المؤقت عن ماما فرنسا وحده يثير استغراب المتتبع..فرسميا يعتبر18نونبر عيدا للاستقلال بينما الحقيقة هو ان”الفطام” تأخر الى حين التوقيع على معاهدة ايكس ليبان المخدومة في2مارس1956 وما تبعها من تآمر مخزني فرنسي على جيش التحرير الحقيقي..حينما يقول البعض بأنه لا توجد عندنا مؤسسات فهم محقون في ذلك..فمن يحكم ويقرر معروف..وباقي الجوقة تلعب دورها المحدد لها مقابل الريع السياسي والاقتصادي لا أقل ولا أكثر..لتكن عندنا مؤسسات حقيقية يجب وضع دستور حقيقي من طرف مجلس تأسيسي منتخب بصفة حرة ونزيهة وشفافة..أما الدساتير الممنوحة فهي تكرس ثقافة الحاكم والرعية/الشيخ والمريد وليس الحاكم والمواطن. والى أن يتحقق ذلك فان المخزن يفعل ما يحلو له ببلدنا وبنا معا..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.