عن ناصر الزفزافي وجائزة ساخاروف

يبدو من خلال النقاش الذي أثاره ترشيح ناصر الزفزافي لجائزة ساخاروف لحرية الفكر وحقوق الإنسان، في علاقته باليسار والرأسمالية، عمق أزمة اليسار المغربي وتخلف بعض نخبه عن مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهه على مستوى النظرية والممارسة. فبدل أن يُقرأ ذلك الترشيح في سياقه الراهن في ارتباط بقضية حراك الريف ومعتقليه وفي مدى إسهامه في إثارة هذه القضية وطنيا ودوليا والتعجيل بمعالجتها، مع ما يقتضيه ذلك من انخراط في دعم ناصر الزفزافي لنيل هذه الجائزة، لاحظنا انزياح النقاش إلى مواضيع متجاوزة بحكم التقادم وبحكم التغيرات البنيوية التي عرفها العالم منذ ما سمي بانهيار جدار برلين، على الأقل.
ولعل شخص ساخاروف يختزل، في آن واحد، أزمة إشتراكية القرن العشرين ويرسم أفق يسار القرن الواحد والعشرين. فهذا المواطن الذي يكاد يكون عمره بعمر الإتحاد السوفياتي، قبل أن يكون معارضا للنظام، كان محط تكريم وتتويج من طرفه بعدة جوائز: جائزة بطل العالم الفيزيائي سنة 1953و1955 و1962، جائزة ستالين سنة 1953 ، جائزة لينين سنة 1956؛ وذلك بالنظر إلى إسهامه الريادي في التطور العلمي لبلاده وصنع القنبلة الهيدروجينية التي ساهمت في تمكين الإتحاد السوفياتي من خلق توازن الرعب مع النظام الرأسمالي. لكن إدراك ساخاروف لمخاطر تلك القنبلة وسواها على الإنسانية، جعله يدعو إلى التوقف عن تصنيعها واستعمالها، وذلك في سياق انخراطه في الدفاع عن السلم وحقوق الإنسان، في وقت كان فيه الدفاع عن حقوق الإنسان في “العالم الإشتراكي” يعتبر خطيئة وخيانة لا تغتفر.
فقد بدأ ساخاروف في معارضة النظام بشكل علني سنة 1966، وفي سنة 1970 أسس ” لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان وضحايا الإضطهاد السياسي”. وإذا ما كان الخيار الذي سلكه ساخاروف قد مكنه من نيل جائزة نوبل للسلام سنة 1975، فإنه قد جر عليه الويلات داخل بلاده، من قبيل إخضاعه للإقامة الجبرية وتجريده من حقوقه الأساسية. ولم ترفع عنه تلك الإقامة الجبرية إلا سنة 1986 في بداية عهد غورباتشوف.. وظل ساخاروف ينتقد النظام ويدافع عن السلم وحقوق الإنسان إلى أن وافاه الأجل في سنة 1989.
وعلى من يلوم ساخاروف على مساره العلمي والفكري والنضالي ويتهمه بالخيانة أن بعلم أن النظام السوفياتي هو الذي خان ثورة 1917 كما خان روح الإشتراكية وحلمها. فليس ساخاروف هو الذي أفشل النموذج السوفياتي بل إن خيانة ذلك النظام لروح الثورة الإشتراكية وتحول الحزب الشيوعي إلى أداة بيرقراطية سلطوية كليانية منفصلة عن الشعب، تمارس عليه أشد أشكال الوصاية وتصادر حقوقه الفردية والسياسية والثقافية والدينية هو الذي أفشل التجربة الإشتراكية.
والأكيد أن قراءة هذه التجربة بمنطق إيديولوجي يرى ما يشاء ويتعامى عما يخالف هواه لن تزيد إلا في تعميق أزمة اليسار وتكريس انفصامه عن الواقع. في حين إن المطلوب هو قراءة نقدية لتلك التجربة حريصة على الكشف عن الخلل في الذات قبل البحث عنه في الآخر.. ولعل من ضمن ما مكن الرأسمالية من تجاوز أزماتها، وإن بتأجيل انفجارها أو تحويل مجال ذلك الإنفجار، هو مراجعتها المستمرة لأدائها ونطمها وقبولها بالتغيير.
لندع ساخاروف الإنسان ولننتقل للحديث عن ساخاروف الجائزة. وفِي خضم هذا العبور علينا استحضار أن القرن العشرين قد انتهى بانهيار الطوباويات والأحلام الإيدولوجية الكبرى، وبتبلور منظومة حقوق الإنسان كأفق للنضال الديموقراطي السلمي.
إن جائزة ساخاروف تعبر عن تنامي الوعي بأهمية الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية حاملي مشعل النضال من أحلها. وإذا ما كانت الجهة التي تمنح هذه الجائزة هي البرلمان الأوروبي فعلينا ألا ننسى بأن هذه المؤسسة هي مؤسسة ديموقراطية يتم التصويت على أعضاء من طرف شعوب الإتحاد الأوروبي عبر الإنتخابات المباشرة، ولذلك فالبرلمان الأوروبي يعكس إرادة تلك الشعوب ويضم مختلف الأطياف السياسية الفاعلة بأوروبا.
وإذا ماكانت الأنظمة الرأسمالية قد وظفت خطاب حقوق الإنسان لمواجهة “الإنظمة الإشتراكية”، فإن انهيار جل تلك الأنظمة وما تلاه من مراجعة الأحزاب اليسارية لتصوراتها وبرامجها قد رفع من قيمة الدفاع عن حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، كما عرى الأنظمة الرأسمالية التي تريد أن تختزل تلك الحقوق في أبعادها الفردية والشكلية، وبالتالي أخذ يرتد إليها السلاح الذي كانت تستخدمه لمواجهة خصومها. وفِي هذا الإطار يمكن فهم ظاهرة الإرهاب الديني التي طغت على العالم في تزامن مع انهيار المعسكر الشرقي وتصدر خطاب حقوق الإنسان لانشغالات الرأي العام، وتحديدا منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، كمحاولة ماكرة من الرأسمالية العالمية للتنصل من إدعائها الإلتزام بحقوق الإنسان والدفاع عنها. إذ سرعان ما تم استصدار قوانين مكافحة الإرهاب التي تتعارض في الكثير من بنودها مع مبادئ حقوق الإنسان.ما يجعلنا نميل إلى افتراض أن تلك القوانين استهدفت تقييد حقوق الإنسان أكثر مما استهدفت محاربة الإرهاب. بالرغم من أنه ليس هناك من وصفة لمواجهة التطرف والإرهاب غير إشاعة حقوق الإنسان وإلزام الدول باحترامها. وهو ما لا يدخل طبعا ضمن أولويات الرأسمالية والأنظمة الهجينة التابعة لها. لكن كل ذلك لم يمنع من تنامي حركية الدفاع عن حقوق الإنسان لتغدو من أهم سيمات عصرنا. وفي هذا السياق تعتبر جائزة ساخاروف من أهم الجوائز الدولية التي تكرم المدافعين عن حقوق الإنسان على تضحياتهم.
وبخصوص الجهة المانحة لتلك الجائزة: البرلمان الأوروبي، وإن كانت هذه المؤسسة تعتير من المؤسسات الثلاثة الأساسية للإتحاد الأوروبي إلى جانب مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية، لكن مؤسسة البرلمان الأوربي تظل مؤسسة رقابية على باقي المؤسسات وأعضاؤها ينتخبون بشكل مباشر ولا يعينون من طرف دولهم، وبالتالي فإنهم لا يتماهون بشكل آلي مع السياسة الرسمية للإتحاد الأوروبي أو مع سياسات الدول التي ينتمون إليها. إن هذا البرلمان يمثل الإرادة الشعبية لشعوب الإتحاد الأوروبي أكثر ما يمثل حكومات الدول الأوروبية والسياسات الرسمية لذات الإتحاد. ومن ثم لا يجدي إختزال هذه المؤسسة في الأحكام الجاهزة التي قد تعبر عن هواجس مطليقيها ومواقفهم السياسية لكنها تبقى عاجزة عن الإقناع.
إن ترشيح ناصر الزفزافي هو مبادرة قامت بها ثلاث نائبات في البرلمان الأوروبي ينتمين إلى أحزاب يسارية تاريخية يصعب أن يعطى لهن الدروس حول اليسار والنضال الوطني والأممي من لدن أي كان، منهم من غامرن بالمجئ إلى الريف واللقاء بعائلات معتقلي الحراك والهيئات الحقوقية والنقابية والسياسية بالحسيمة في أوج الحملة القمعية، ومنهن من منعن من الوصول إلى الريف. هذا في الوقت الذي كان فيه بعض المحسوبين على اليسار بالمغرب قد وقعوا على فضيحة بلاغ قادة أحزاب التحالف الحكومي المخون لحراك الريف والمبرر لشن حملة قمعية لضربه، وفِي الوقت الذي كان فيه بعض اليساريين أيضا يخونون الحراك ويتهمونه بالشوفينية والتطرف سرا وجهرا. هذا دون نكران وقوف اليساريين الصادقين مع الحراك منذ اندلاعه وخاصة مع حملة الإختطافات والترحيلات في صفوف معتقلين الحراك إلى سجن عكاشة وغيره من سجون الوطن. وستظل تضحيات أولئك اليساريين كأشخاص وكتنظيمات سياسية ونقابية وحقوقية مفخرة لكل اليساريين ولكل الأحرار وطنيا ودوليا.
وما هو جميل في جائزة ساخاروف اسمها ورمزية ذلك الإسم وأبعاده:جائزة ساخاروف لحرية الفكر، مع التنبيه إلى أن ترجمة Le prix Sakharov pour la liberté de l’esprit إلى جائزة ساخاروف لحرية الفكر لا تقول إلا جزءا من دلالة مفهوم l’esprit ، الذي يعني: الروح، العقل، الفكر، ما يقتضي استحضار مختلف دلالة ذلك المفهوم حين ترجمته إلى العربية ب”الفكر”، فجائزة ساخاروف لحرية الفكر تعني أيضا جائزة حرية الروح والعقل والنفس. وتلك الحرية تجد تجسيدها الفعلي في منظومةً حقوق الإنسان في صيرورة تشكلها وإعادة تشكيلها.
ولا عيب أبدا في أن يخصص البرلمان الأوروبي جائزة لحرية الفكر وحقوق الإنسان. والتذرع بالبعد السياسي للجائزة لنقدها حد التشكيك فيها ورفضها، هو من باب تحصيل الحاصل، فجائزة البرلمان الأوروبي هي جائزة سياسية طبعا، لكن ليس فقط، فهي جائزة حقوقية أيضا، بل إنها جائزة حرية الروح والعقل والفكر والنفس الإنسانية في مسعاها للتخلص من نوازعها الشريرة. ولعل المشكل لا يكمن في البعد السياسي لهذه الجائزة وإنما في طبيعة ذلك البعد، دواعيه وتداعياته.
بالنسبة للحالة التي تعنينا هنا، حالة ترشيح ناصر الزفزافي لها في آخر مراحلها، فإن هذا الترشيح هو إعتراف وتكريم لحراك الريف من حيث هو أحد أبدع وأبلغ حركية احتجاجية سلمية عرفها المغرب الحديث، وبقدرما هو كذلك فإنه يؤشر على تحول نوعي وواعي في ترجمة الشعب لرغبته في التغيير وتحقيق الديموقراطية.
ولأن حراك الريف الذي فجره طحن الشهيد محسن فكري وكان ناصر الزفزافي أحد وجوهه البارزة، لم تشفع له سلميته وسمو أشكاله الإحتجاجية ولا مطالبه البيسطة العادلة والمشروعة، ولا مسيرته التاريخية تحت شهار “نحن لسنا انفصاليين”، لم يشفع له اختراقه للوجدان الإنساني عبر العالم، ولا انخراط مئات الآلاف من الريفيين والريفيات فيه بالداخل والخارج. فقد سلكت الدولة مسلكها المخزني الرهيب معه، فعسكرت الريف، خطفت أبنائه وبناته، منعت فيه أي شكل احتجاجي، وزعت قرونا من السنوات سجنا نافذا على المئات من معتقلي حراك الريف عبر محاكمات صورية تنعدم فيها أبسط شروط المحاكمة العادلة. تلك المقاربة القمعية التي باركتها أحزاب التحالف الحكومي بعد أن بررتها ومهدت لها ببلاغها المشؤوم، ولّدت مآسي إنسانية لا تحصى، فقد فجعت العائلات التي شملتها الإعتقالات، أسكنتها الحزن بتغييب أبا أو زوجا أو أخا… ، قطعت عنها الأرزاق بحرمانها من معيلها، وهلم مأساة تصدح بعذابات لا تنسى تعاش من لدن عائلات ممتدة على جغرافية الريف والمنافي. وقبل ذلك ولّدت ممارسات بشعة أثناء فض الإحتجاجات السلمية وأثناء الإعتقالات التعسفية والإستنطاق والمحاكمة. وبعد ذلك ولّدت كآبة ومرارة في نفوس أهل المنطقة التي ازداد وضعها الإقتصادي ركودا على وكود. ما دفع من جديد بأبنائها لركوب قوارب الموت، فيما يشبه النزوح الجماعي نحو إما أوروبا أو قبور عائمة.
ولأن حراك الريف حدث ويحدث على جانب من المغرب لا تفصله عن أوروبا إلا عشرات الكيلوميترات بحرا، ولأن أحداثه تم تداولها إعلاميا عبر تقنية المباشر الفايسبوكية ومن قبل إعلاميين حراكيين مبدعين أبرزهم هم الآن رهن الإعتقال بسجن عكاشة محكومون بأحكام صورية جد قاسية، ولأن حراك الريف سرعان ما انخرطت فيه ميدانيا الآلاف من الريفيات والريفيين المشتتين على مختلف الدول الأوروبية، ذلك الإنخراط الذي من خلاله استعادوا هويتهم وقضيتهم وأحلامهم. وكما أحيى الحراك بالريف قيم التضامن والتضحية والأمل في تغيير يسمح بحياة كريمة في حال استجابة الدولة للملف المطلبي فإنه أيضا فتح إمكانية اندماج المهاجرين من أصول ريفية في دول المهجر عبر الإعتراف بهويتهم ومطالبهم وانشغالاتهم التي عبروا عنها في مختلف الدول الأوروبية بشكل سلمي وحضاري منذ انطلاق الحراك بالريف وخاصة منذ بدء الحاملة القمعية الشرسة.
وهنا يكمن البعد السياسي لترشيح ناصر الزفزافي ومن خلاله حراك الريف لجائزة ساخاروف من قبل البرلمان الأوروبي. فحراك الريف ليس شأنا محض داخلي كما يروج لذلك الخطاب الرسمي. وبغض النظر عن أننا نعيش في زمن يصعب، إن لم يكن يستحيل، فيه الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي. وللتذكير فقط فإن الدستور المغربي نفسه يُقر في تصديره بسمو المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وومرجعيتها الكونية، وهذا اعتراف دستوري بأن حماية حقوق الإنسان تنكسر عندها ثنائية الداخل والخارج، وأن الدفاع عن تلك الحقوق هي قضية إنسانية بالدرجة الأولى. وبغض النظر عن كل ذلك، فبأوروبا يعيش ما يناهز ثلاثة ملايين مغربي أغلبهم ريفيون. وبمنطق انتخابي بسيط فإن هذا الرقم يمثل كتلة ناخبة مهمة تثير اهتمام الفاعلين السياسيين. وقد أخرج حراك الريف تلك الكتلة من دائرة الصمت واللامبالاة، وحررها من النظرة السلبية إليها ومن التيارات الدينية المتطرف وانفتح بها على جذورها وفضاءات أوطانها الجديدة. وهو ما يجعل قضية حراك الريف بمعتقليه ومنفييه، بمطالبه وانتظاراته هو شأن أوربي داخلي أيضا. ولأنه كذلك فإن ترشيح ناصر الزفزافي لجائزة ساخاروف يعكس مدى انشغال البرلمان الأوروبي بحراك الريف ومدى انزعاجه من المقاربة القمعية التي واجهته به الدولة المغربية التي تسببت في موجات مخيفة من الهجرة السرية نحو أوروبا كما تسببت في امتداد حراك الريف بأوروبا بشكل مثير للإهتمام. والمشكل كان سيكون في لو لم يُرشًح ناصر الزفزافي للجائزة ولو لم يمر لطورها الأخير وليس العكس. ولأنه استطاع أن يكون ضمن المتنافسين الثلاثة الأخيرين عليها، فهذا في حد ذاته يعد انتصارا لناصر الزفزافي ولحراك الريف، يترجم مدى اهتمام البرلمان الأوروبي والشعوب التي يمثلها بهذا الحراك السلمي والحضاري وبالإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعرض ويتعرض لها نشطاؤه.
ولأن روح حراك الريف المسكون بقيم حقوق الإنسان قد حرك الضمائر وحفزها على مواجهة الظلم والفساد ونشدان الحرية والعدالة، ولأنه أخرج ريفيي الشتات الأوروبي من هامشيتهم وسلبيتهم وفجر فيهم الطاقة الإيجابية فإن ناصر الزفزافي يستحق أكثر من جائزة ساخاروف. وعلى كل أحرار الوطن والعالم دعم ناصر وكل معتقلي حراك والرأي لنيله تلك الجائزة من أجل إطلاق سراحهم وتحقيق مطالبهم.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.