عن داعش : أصول العنف وسبل الاستئصال

من أكبر مآسي العرب و المسلمين حَزًّا في الصدر هي أن عصر أنوارهم الذي أثمرت فيه بذور العقل فأعطت و أجزلت في العطاء جاء مبكرا وسابقا لعصر ظلامهم و انحطاطهم الذي لازال امتداده يمضي زاحفا إلى حدود لحظتنا التي نعيشها، ولا زال يتخد في كل مرة تعبيرات تختلف أشكالها ومقاساتها حسب الظروف و العوامل التي تساهم في نحت شكلها و رسم ملامحها . و لعل أبرز هذه التعبيرات تجسدت مؤخراً فيما أصبح يطلق عليه بالإرهاب ، هذا الشكل الجديد للتطرف الديني الذي ربما كانت ميزته الأساسية هي اعتماد فكر ظلامي قرسطوي لوسائل و آليات التكنولوجيا الحديثة ومنجزات التفكير العلمي العقلاني .
مع توالي الأيام و بعد أن ألف الناس أحاديث و أخبار الإرهاب و ملوا سماع مستجدات آخر التفجيرات و العمليات الانتحارية ، جاء تنظيم داعش” ليعيد للناس دهشتهم و ليزرع بذور الرعب في صدورهم من خلال سلسلة فيديوهات متناسلة ملأت جنبات النت و صفحات التواصل الاجتماعي ؛ تظهر عمليات قطع الرؤوس و الإعدامات الجماعية البشعة التي ينفذها شباب يافع غرر به أشر تغرير .
و لما كانت الأصوات العالية و الصاخبة وحدها التي تستأثر بانتباه و اهتمام الناس ، و كانت التعبيرات الحادة الأكثر تطرفا و صدما هي التي توقظ في الناس حس الاستطلاع و تنتشلهم من تربة اللامبالاة – لأنها الأكثر تجاوبا مع أعصابهم المتعبة – فإنه بعد أن بلغ العنف الداعشي مبلغا مسرفا من الوحشية و الدموية ، و وصل حدود ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و ما لا يمكن أن يخطر أبداً على بال البشر ، فإن الناس استشعروا لأول مرة بشكل جدي خطورة الوباء الذي ركبهم منذ زمن طويل و تغلغل في أعماق تربتهم الفكرية و شَكَّل أساسات معمارهم الذهني الجمعي ، فآخذ ينموا و يترعرع معهم ، في غفلة منهم ، حتى انبجس مؤخرا في هيأة كائن دموي اكتمل نضجه و برزت أنيابه لامعة أمام نيران الحرائق و الانفجارات .

إن النموذج الوحيد للسلوك البشري الذي يمكن له أن يخلق كل الذعر و الهلع و يذكي نار الفتن الخبيثة هو ذلك السلوك الذي يصدر عن ذات تفكر وتبصر بعقول جيف متحللة ، و تعمل و تبطش بسواعد و عضلات العمالقة . قد يكون هذا هو أبسط توصيف لحالة تنظيم داعش و لكل الذين كانوا وراء الحرائق الكبرى في التاريخ التي يكون دائما حطبها شباب نزق لا يعلم . إن أقل ما يمكن أن يقال عن تنظيم إرهابي طائفي كداعش هو أنه تجلي سافر لنوازع العدوان و التسلط التي ظلت ثاوية خلف رواق التمدن و الاجتماع الإنساني الخفيف . إن هذا التنظيم من حيث مرجعيته الإيديولوجية لا ينطق عن هوى و فراغ ، بل إنه ينطلق من كتابات و خلفيات تدفع المؤمنين البسطاء و أصحاب العقول الهشة إلى التسليم بها – بنوع من التصديق الساذج الذي يعطل الوعي و يبطل وظائف العقل النقدية – ثم ترمي بهؤلاء الأشقياء في أتون العنف و تحملهم على الانخراط في عمليات جهادية استشهادية مصيرها الهلاك . إن هذا التنظيم يمتح من ماضي طويل مظلم و حالك السواد ، و يتغذى من رزنامة نصوص لاهوتية صفراء تقدس القبور والأموات و تمجد الأوثان . كتبها وروج لها رجال دين متزمتين يتملقون العامة و يشرعنون الاستبداد ، يصلون لله و في نفس الوقت تتحطم قامتهم عندما يخرون راكعين تحت أقدام السلاطين و الأقوياء مظهرين الطاعة و التذلل .

إن ظاهرة العنف الداعشي ، كغيرها من الظواهر ، ليست صدفة تظهر على حين غرّة، بل إنها محصلة سيرورة ومسار . مسار ابتدأ منذ الزمن الذي حورب فيه المعتزلة من طرف أصحاب المرجعية النصية من غلاة شيوخ المذهب الشافعي ، وعاش ابن رشد فيه محنته وحرقت كتبه كغيره من المفكرين الذين ذاقوا أغلظ أنواع التنكيل من سدنة الهيكل و جلادي محاكم التفتيش . منذ ذلك العهد انحدر العقل العربي نحو الهاوية من أعلى جرف سامق مع طوائف كالأزارقة والحشاشين (هلكت هذه الجماعة على يد الماغول بقيادة هولاكو في فارس سنة 1256 م . و في الشام أيضاً على يد الظاهر بيبرس سنة 1273م.) و شيوخ كإبن حنبل وابن تيمية وتلميذه النجيب إبن قيم الجوزية، مرورا بأبو العلاء المودودي الذي كان متأثرا به أيما تأثر عراب حركة الإخوان سيد قطب والقرضاوي بوق دولة قطر ، مرورا بشيوخ البيترودولار الذين يعملون تحت الطلب كالعرعور والعريفي والحويني، مرورا بإبن لادن والظواهري والزرقاوي، و مؤخرا بترددنا أمام استحقاقات الحداثة و هلعنا الهيستيري المرضي من كل ما هو جديد و من مظاهر الإختلاف و التنوع الثقافي .

و لا يجب أن ننسى كم تعرض الحكماء و الفلاسفة المسلمون والفلسفة عموما من طعنات غادرة وسهام مسمومة ، كان أبرزها تلك الحملة الشرسة الشهيرة التي شنها الفيلسوف ،المتقلب المزاج ، أبو حامد الغزالي على زملائه في المهنة من خلال كتابيه المعروفين ” تهافت الفلاسفة ” و ” مقاصد الفلاسفة ” حيث أحصى على فلاسفة المشرق – الفارابي و إبن سينا على وجه الخصوص- مجموعة من القضايا خلص بموجبها إلى القول بتكفيرهم وتبديعهم أجمعين مما كان له أثر سلبي على مصير الفلسفة في المشرق التي تم نزع المشروعية عنها بصفة نهائية و تم القول بتحريمها بآعتبارها قولا متهافتا ينطق بالكفر . لكن الغريب هو أن تصدر هذه الحملة التي تناوئ الفلسفة عن فيلسوف كبير كالغزالي ، و الأغرب هو أن هذا الأخير يعترف في كتابه “المنقذ من الضلال” أن مجمل مواقفه السلبية من الفلسفة كانت : “غير خالصة لوجه الله ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه ” . وفي بلاد المغرب الإسلامي أيضا لم تكن أحوال الفلسفة و الفلاسفة دائما على ما يرام . فأبو الوليد إبن رشد و إن كان قد آستفاد من حالة الإنفراج التي أحدثتها الإصلاحات الإجتماعية و الثقافية التي قام بها مؤسس دولة الموحدين “المهدي إبن تومرت” ووثب إلى أعلى المناصب في زمنه (قاضي قضاة قرطبة و الطبيب الخاص للخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف) وعاش في كنف السلطة ، فإن هذه السلطة ، لما مات السلطان أبو يعقوب يوسف وخلفه ابنه المنصور الموحدي ، سرعان ما قلبت له ظهر المجن فأمر الأمير بحرق كتبه ، وأصدر منشورًا إلى المسلمين كافة ينهاهم عن قراءة كتب الفلسفة، أو التفكير في الاهتمام بها، ثم أمر بنفيه إلى قرية “اليسانة”، التي كان أغلب سكانها من اليهود ، وبعدها إلى مدينة مراكش حيث توفي فيها و انتهى بشكل دراماتيكي مسار حياة واحد من أعظم رجالات الفكر في التاريخ . هكذا تهيأ المناخ الثقافي و الاجتماعي تدريجيا ليصبح بيئة حاضنة لكل نزعات الغلو و التطرف ورافضة محاربة لكل قيم الجمال و الفنون و الإبداع من أجل تكريس هيمنة السلطة على المجتمع وتهيئ الوضع لفرض حكم استبدادي عضوض . ولعل المنشور السلطاني الذي أصدره السلطان المغربي محمد بن عبد الله ( 1757-1790) الذي ينهى فيه عن قراءة كتب الأدب و الفكر و الفقه في جامع القرويين و غيره من المساجد التعليمية أفضل دليل على قولنا : “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام و المنطق و علوم الفلسفة وكتب غلاة الصوفية و كتب القصص ، فل يتعاطى ذلك في داره …و من تعاطى ما ذكرناه في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه ” (عبد الله كنون ، النبوغ المغربي ،ج1 ، بيروت 1961 ، دار الكتاب اللبناني ، ص 276 ) . كل هذا التراكم التاريخي من محاربة القيم الإنسانية العليا ومحاولة إطفاء نور العقل تكون داعش هي ثمرته المرة ، إن داعش هي صورة في ضوء النهار لجسدنا العاري المقروح .

ولما كان من الضروري و اللازم ،كما هو الأمر عند الأطباء و المعالجين ، تشخيص الداء وأعراضه العامة أولا قبل الشروع في علاجه و اقتراح خطوات منهجية للوصول إلى منابعه الأصلية و القضاء عليه ، فإنه ينبغي علينا أن نتساءل عن هذا العنف الذي نمارسه هل أسبابه و علله صادرة عن معطيات و محرضات ثقافية و دينية و اجتماعية ؟ أم أن أسباب هذا العنف مرتبطة بالجانب الأنطولوجي للكائن البشري و بالنزعة التدميرية الكامنة في طبيعة هذا الكائن ؟
لا يمكننا أن نذهب مع الأطروحة التي يروجها أصحاب الإسلاموفوبيا – سواء كان هؤلاء غربيين أو ينتمون لمجتمعات إسلامية ومتذمرين من هذه المجتمعات أشد تذمر- التي تقول بأن الدين الإسلامي هو المحرض رقم واحد على ممارسة العنف و الإرهاب ، و ذلك ببساطة لأن كل ما تقوم به هذه الجماعات الإسلامية المتطرفة من أعمال عنف وذبح وقتل لا يعدو أن يكون مجرد تطبيق ميداني لظاهر بعض الآيات القرآنية التي تدعو إلى قتال الكفار و المشركين مع التمسك بحرفية هذه الآيات . قد يلامس هذا القول جانبا من الصواب ، لكنه مع ذلك يبقى حكما سطحيا نظرا لكونه يغفل المسألة المتعلقة بحقيقة الطبيعة الحيوانية للكائن البشري التي تظل مسؤولة على كل السلوكات العدوانية وعن آندلاع حالات العنف .
ثم إن هذه الآيات القرآنية التي تحمل دعوة صريحة إلى مقاتلة المخالفين في الدين و الكفار بصفة عامة تظل مرتبطة بواقع تاريخي معين هو الذي أفرزها وموازين قوى محددة هي التي اشترطت نزول تلك الآيات على تلك الشاكلة التي تُلزم و تشرع ممارس القتال ، وذاك ما يسميه الفقهاء ب”أسباب النزول” . و موقف مدرسة التحليل النفسي الفرويدي يدفعنا إلى تجاوز كل فهم و تفسير مبسط لظاهرة العنف لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الطبيعي لهذه الظاهرة ، ويكتفي بالوقوف عند بعض التبريرات الاجتماعية الموضوعاتية البسيطة . ففرويد يتمسك بكون العنف متأصل و بشكل غريزي لاشعوري في الطبيعة الإنسانية ، فهو نابع من غرائز الإنسان التدميرية التي تعجز كل من التشريعات الدينية و القانونية المدنية عن إخضاعها و الحد من عنفها . فخلف هذا التاريخ الطويل من التحضر و التمدن يطل سلفنا الأول بكل عريه و وحشه ليكشف عن غرائز العدوان و الميول الهدامة التي تعشش في صدورنا .
ومادامت النفس البشرية مفخخة بالنوايا الشريرة و العدوانية فإننا لن نستطيع أن نقوم بقراءة وفهم سليمين للنص القرآني أو أي نص آخر ، لأن عقل الإنسان القارئ هو العنصر الرئيس الذي يمنح معنى وفهم معين للنص المقروء و يكسب عملية القراءة ككل ماهيتها . معنى هذا ببساطة هو أن المعركة المطلوبة الآن هي معركة تصحيح العقول و توجيهها نحو ممارسة الفكر النقدي و تبني التفكير العلمي الذي يقطع من اليقينيات و أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة لنقوي بذلك مناعتنا الثقافية من أجل وقاية أنفسنا من إفرازاتنا من التطرف ومن شرور دواخلنا . ويجب على مؤسسات المجتمع المدني أن تتوجه إلى جيل الشباب لتحسيسه بضرورة مسك الكتاب و حمل مشعل فكر التنوير وذلك عبر توفير أمكنة للقراءة وخلق فضاءات للفن و الإبداع لأن الفن هو القمين بمحاربة ، أو على الأقل أنسنة ، نوازع العدوان الحيواني الكامنة فينا . و أيضا يجب على المؤسسات الحكومية و المدنية أن يعملا ككل على تقوية النسيج الثقافي الوطني اللاحم لأطراف المجتمع الذي يقيه شر الانقسام المنبعث من نزوعات عصبية .
ما أود هنا بعجالة تأكيده بخصوص حالة العنف و التطرف الديني هو أن المشكلة لا تكمن في الدين أو في فعل التدين ، بل المشكلة تكمن في تدني مستوى الوعي عند الناس الذي يسمح لهم بالقيام بسلوكيات دينية منفرة لا تعكس البعد الحضاري المطلوب، لذلك لا يترددون في توظيف الدين في مجالات لا صلة لها به . و أصل البلاء هو أن الإنسان عندما لم يستطع أن يسمق و يعتلي بذهنه المجرد و مجهوده العقلي الخالص إلى مستوى الأديان و المثل العليا قام بإنزالها إلى مستواه الأرضي الدنيء ومرغها في التربة و الأوحال التي يمشي و يتحرك فوقها .

ajahaimad@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.