عن حراك الريف و”الدكاكين السياسية”

هناك من يختزل موقف حراك الريف من الأحزاب السياسية في عبارة ” الدكاكين السياسية”، كما لو أن هذه العبارة إختلقها نشطاء الحراك الريفي وبهدف إقصاء الأحزاب وإضعافها، في حين إن نشأة الأحزاب المغربية وتاريخها في علاقتها بالدولة والمجتمع يكشفان عن كيف أنها كانت أداة لإفساد العمل السياسي حين تقبل بقواعد اللعبة السياسية التي تجعلها ضعيفة ومتحكم فيها ومنفصلة عن الشعب.
إن هذا الربط التعسفي بين الحراك ودَكْنَنَة الأحزاب تحول لدى بعض الفاعلين والمحللين إلى مبدإ ثابت في قراءتهم للحراك، بحيث توحي تلك القراءة كما لو أن الحراك هو الذي أضعف الأحزاب وأنه هو الذي باعد بينها وبين هموم وتطلعات الشعب، وكما لو أنه هو الذي حوّل الأحزاب إلى “دكاكين سياسية” قولا وفعلا. فهل هذا يعني أن التهم الباطلة الثقيلة والكثيرة التي لُفِّقت لمعتقلي حراك الريف السياسيين لم تشفي غليل أولئك الفاعلين والمحللين ليصروا على إلصاق تهم إضافية بهم؟ وبدل أن يدفعهم حراك الريف وسواه من حراكات المجتمع المغربي الإحتجاجية السلمية إلى مراجعة مواقفم وأدوات تحليلهم للواقع تجدهم يعلقون رداءة الممارسة السياسية وأزمة النخب بالحراك من خلال إتهامه بإقصاء الأحزاب والجمعيات وحصرها في خانة “الدكاكين السياسية”. ووفق منطق تلك القراءة فإن الحراك هو سبب آفة الأحزاب السياسية بالمغرب وإنسداد آفاقها. والناظر إلى الحراك من هذا المنطق لا يقوى على فهم الحراك وبالأحرى إفهامه للآخرين.
إن الحراك الريفي لم يكن سوى إفرازا طبيعيا لفساد الأحزاب والدولة ولأزمة بنيوية يُراد للمجتمع أن يظل حبيسها. فأبدع في فضح الأحزاب وإبراز هشاشتها ونفاقها وأدوارها الخطيرة في الغدر والكيد. فَلَو كانت هناك أحزاب سياسية حقيقية لما إضطر شباب بدون إنتماء سياسي للإضطلاع بمهنة الدفاع عن قضايا المواطنين وخوض معارك إحتجاجية سلمية من أجل تحقيق مطالبهم. لو كانت هناك أحزاب فعلية بالمغرب لما طلع علينا قادة أحزاب التحالف الحكومي بذاك التصريح الفاضح الذي إتهم نشطاء حراك الريف بالخيانة والتآمر على الدولة والدعم الخارجي. وهو التصريح الذي مهد لقمع حراك الريف بأشرس طريقة، وبعد ذلك سيتكرر نفس السيناريو لقمع حراك جرادة. وهذا ليس غريبا عن أحزاب تاريخها هو تاريخ النكث بإلتزامها مع المجتمع وإلتفافها على مطالبه والمساومة بإسمه من أجل الظفر بالإمتيازات والريع السياسي ولتحقيق مكاسب بسيطة سرعان ما يتم الإجهاز عليها عند أول فرصة. إن تاريخ الأحزاب المغربية هو تاريخ إلتهامها لنفسها وإنشقاقها، إنه تاريخ تخليها عن برامجها وخطاباتها وقواعدها ونخبها الصادقة من أجل التقرب من السلطة والبقاء هناك قيد دائرة القرب دون أن تكون قادرة على ممارسة السلطة وفق صلاحياتها الدستورية المحدودة حتى وهي ترأس الحكومة أو تشارك فيها.
إن الأحزاب والنخب السابحة في فلكها ليست صادقة في تباكيها وتبرمها من نعتها ” بالدكانين السياسية”، لأنها لو كانت فعلا كذلك لسارعت إلى إثبات العكس، إثبات أنها أحزاب سياسية مستقلة هي سيدة قراراتها هدفها هو خدمة المصلحة العامة. ولما ترددت عن القيام بواجبها في تأطير المواطنين والمواطنات والدفاع عنهم إلى غاية تحقيق مطالبهم، وليس الإكتفاء بطلب ودهم بكل الطرق أثناء الإنتخابات ثم الإنقلاب عليهم بعد ذلك، خاصة حين تشارك في الحكومة وفِي تسيير الشأن العام.
وقد شاهدنا مؤخرا كيف أطلت علينا بعض الوجوه السياسية القديمة للإعتراف بضعف الأحزاب والتحذير من مخاطر إضعافها على مستقبل المجتمع والوطن. لكن لم تفصح عمن أضعف الأحزاب أو عمن سمح للدولة بإضعافها، ذلك لأن تلك الوجوه السياسية ذاتها هي التي ساهمت بقوة في ذلك الإضعاف والتقزيم للأحزاب التي كانت تدعي أنها تحمل مشروعا مجتمعيا بديلا. لتتجرأ بعد عشرين سنة مما سمي “بالإنتقال الديموقراطي” على الدعوة لتأسيس تكتل وطني من أجل “الإنتقال الديموقراطي” لكأن قدر المغرب ألا يعرف أبدا الديموقراطية ويظل يراوح الإنتقال الفاشل إليها. في حين أنه ليس هناك شيء إسمه الإنتقال الديموقراطي، وكل ما هناك هي الديموقراطية، فإما أن تكون أو لاتكون. والسبيل إليها واضح تتمثل خطوطه الأساسية في: الفصل الحقيقي بين السلط والفصل بين السياسة والمال وربط المسؤولية على كل مستوياتها بالمحاسبة وإحترام الإرادة الشعبية من حيث هي مصدر الشرعية.
إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك إستثناء بين الأحزاب، فبالفعل هناك أحزاب غير قابلة للدكننة وتصارع بكل قوة لتحافظ على إستقلاليتها ولتنسجم مع توجهاتها وقراراتها، وهو ما نلمسه مثلا في حزب اليسار الموحد ومن خلاله التحالف اليساري وفي حزب النهج الديموقراطي رغم أعطابهما وإختلالهما محليا.
فقد تفاعلت تلك الأحزاب إيجابيا مع حراك الريف بحسب تقديراتها وإمكانياتها، وعبرت عن دعمها له ولمطالبه منذ البداية، وسوف يتضاعف ذلك الدعم مع حملة الإختطافات والإعتقالات التعسفية التي إستهدفت أبناء وبنات الريف منذ ما يناهز سنة. وبسبب دعمها اللامشروط للحراكات الإحتجاجية السلمية نجد أن الدولة تحاصر تلك الأحزاب وتتهمها بالوقوف وراء الإحتجاجات. لكن رغم أهمية ذلك الدعم وحيويته فإنه يظل محدودا ولا يرقى إلى مستوى الإنتظارات، وهو ما يستدعي الإجتهاد والإبداع النضاليين لتطويره وتكثيفه خاصة أمام إصرار الدولة على قمع الحراكات الشعبية الإحتجاجية المتنامية بدل الإستجابة لمطالبها.
إن الحراكات الإحتجاجية الشعبية بالريف وجرادة وبمختلف مناطق المغرب هي صرخة الأغلبية الصامتة من حيث هي أكبر قوة إجتماعية وسياسية بالمغرب. فإذا ما كانت كل الحملات التحسيسية الباردة لتشجيع الشباب على التحزب والمشاركة في الحياة السياسية لم تؤدي بهم إلأ إلى المزيد من النفور من الأحزاب ومن السياسة كما تُمارس داخلها ومن خلالها، فإن الحراكات الإحتجاجية التي يشهدها المغرب بوتيرة متصاعدة منذ إنفجار حراك الريف بينت أن عزوف الشباب عن الإنخراط في الأحزاب والمشاركة في الالإنتخابات لا يعني أنهم يلا إنشغالات سياسية أو أنهم بلا وعي سياسي، بل قد أبان شباب الحراك عن وعي وممارسة سياسيين ناضجين يتجاوزان سقف سياسوية الأحزاب الضيق للغاية، ما يجعل أفق الممارسة السياسية المواطِنة وإمكانية تجاوز رداءة الفعل السياسي الراهن يرتسم في تلك الحراكات الإحتجاجية السلمية وفيما يتولد عنها من رجات إن على مستوى بنية الواقع الإجتماعي والسياسي أو على مستوى بنية التفكير والممارسة وإن على مستوى تقاطع تلك البنيات وتجاذباتها.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.