عن جماعة العدل والإحسان وحراك الريف وانتظارات المرحلة

استطاع حراك الريف، في فاصل زمني بارق من تاريخ المغرب، أن يُحدث فرزا واضحا بين التنظيمات السياسية المغربية. فقد فضح خليطا هجينا من الأحزاب التي منها من كانت تتدعي أنها تاريخية ويسارية ومنها من تدعي أنها ذات مرجعية إسلامية والبقية هي أحزاب “إدارية” وممخزنة بالولادة والمهمة. هذه الأحزاب التي لا جامع يجمعها غير تقاسم كعكعة المشاركة في حكومة فاشلة حتى في تدبير الإختلاف بين مكوناتها، اجتمع قادتها ذات يوم أسود للخروج ببلاغ مسموم يُخوّن نشطاء حراك الريف والآلاف من المواطنين والمواطنات الذين شاركوا في مسيرات الحراك التاريخية. ذلك البلاغ كان هو الضوء الأخضر الذي كانت تنتظره الأجهزة الأمنية لشن أشرس وأبشع حملة اعتقالات بالريف. والأكيد أن ذلك البلاغ سيظل وصمة عار تلاحق الأحزاب التي أشّرت عليه، كما يجعلها مسؤولة عن الجرائم المرتكبة في أحق أبناء وبنات الريف، خاصة وأنها أحزاب مشاركة في الحكومة التي في عهدها يحدث بالريف وعموم الوطن ما يحدث من قمع واعتقال وإجهاز على المكتسبات الديموقراطية والحقوقية للشعب المغربي .
وبالمقابل أظهر حراك الريف أنه هناك أحزاب وجماعات سياسية لا تخضع للتعليمات ولا يملى عليها ما يجب قوله وفعله من عدمهما. وقد تأهبت تلك التنظيمات للإنخراط في الحراك والدفاع عنه ثم التضامن مع معتقليه وعائلاتهم بدون قيد أو شرط.
ويسجل لجماعة العدل والأحسان أنها وقفت مع حراك الريف منذ انطلاقته وعبر المنعطفات التي عرفها ولا يزال، خصوصا خلال حملة الإعتقالات العشوائية والتعسفية التي واجهت به الدولة نشطاء الحراك. ودعم الجماعة للحراك لم يحد عن أخلاق التضامن والمساندة، ولم تنحرف به إلى مستوى الإستغلال السياسوي الفج للحراك، رغم الإتهامات الموجهة إليها بهذا الشأن.
هذا الدعم يتجلى في بيانات الجماعة الجريئة المدافعة عن الحراك ومعتقليه، كما يتجسد في تواجدها بلجن دعم معتقلي الحراك وعائلاتهم وفي مشاركتها الوازنة في المسيرتين الوطنية بالرباط الدعامتين لعتقلي حراك الريف والمطالبتين بإطلاق سراحهم. ويتمثل أيضا ذلك الدعم في الأداء الجيد لمحاميي ومحاميات الجماعة في معركة الدفاع عن معتقلي الحراك إسوة بباقي زملائهم وزميلاتهم في هيئة الدفاع. بالإضافة إلى أن الجماعة انخرطت ميدانيا في الحراك كما هو الحال بالنسبة لكل أبناء وبنات الريف والوطن، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم الإيديولوجية. ولم يسجل على الجماعة أنها سعت للركوب على الحراك أو اختراقه، ذلك لأن الحراك هو أصلا عصي عن الإختراق والركوب، ولأن الجماعة التزمت بموقفها القاضي بالإنخراط في الحراك دون السعي للبروز على واجهته.
ومما لا شك فيه أن دعم جماعة العدل والإحسان لحراك الريف هو أمر طبيعي ومنسجم مع مبادئها ومقرراتها وتاريخها باعتبارها أكبر قوة سياسية بالمغرب معارضة للنظام السياسي وغير معترف بها رسميا. نتيجة لمواقفها السياسية الجذرية ولحركيتها الميدانية تعرضت لحملات قمعية متواصلة تمثلت في: رفض الترخيص لها قانونيا، اعتقال قادتها، فرض الإقامة الجبرية على مرشدها، مصادرة صحفها ومنشوراتها، تشميع بيوت بعض أطرها، منع أنشطتها الثقافية والتربوية والدينية، إعفاء أعضائها من مهامهم في وزارة التربية الوطنية والتعليم وغيرها من الوزارات… ورغم موجة الإنزياح نحو العنف التي جرفت الكثير من تيارات الإسلام السياسي عالميا خلال العقود الأخيرة، فإن جماعة العدل والإحسان ظلت على نهجها السياسي السلمي. ولم تتورط في ممارسة العنف إلا إبان صراعها مع فصائل اليسار الجذري بالجامعة، ذلك الصراع الذي أفضى إلى اغتيال طالبين يساريين بكل من وجدة وفاس ( المعطي أومليل وآيت الجيد بنعيسى).علاوة على شبهة تورط عناصر من الجماعة بأوروبا في تجنيد مقاتلين إلى سوريا.
لقد اصطفت الجماعة أثناء نشأتها ضمن التحالف الدولي لمواجهة اليسار والإشتراكية. بسبب تداعيات الحرب الباردة وحرب أفغانستان، وبتأثير القراءة السطحية لليسار التي تختزله في معاداة الدين والسعي للقضاء عليه، بمقابل عجز اليسار عن فرض فهم حداثي للإسلام. وهذا التقاطب العدائي بين اليسار والإسلام السياسي يتحمل مسؤوليته الطرفان، من حيث عجزهما عن ترجيح منطق الحوار والتواصل بينهما واستسلامهما لخطاب الرفض المسبق للآخر. وهو ما فوت على المجتمعات الإسلامية فرصة عيش تجربة لاهوت التحرير التي شهدتها أمريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم. تلك التجربة التي تميزت بدمج المرجعية اليسارية والمرجعية الدينية في حركة تحررية ضد الإمبريالية والديكتاتورية والفوارق الإجتماعية. وعدم عيش العالم الإسلامي لهذه التجربة سهل انتشار لاهوت الإرهاب والتكفير فيه وتصديره إلى العالم.
إن جماعة العدل والإحسان تظل أبرز تيار الإسلام السياسي بالمغرب يتبنى قضايا الشعب المغربي ويدافع عنها ومنخرط في الحركية النضالية التي يعرفها المجتمع، خصوصا منذ حركة 20 فبراير. وقد شكلت تلك التجربة فرصة للعمل المشترك بين جماعة العدل والإحسان واليسار والحركة الأمازيغية على قاعدة الشعارات التي أطرت تلك الحركة: الحرية، الكرامة والعدالة الإجتماعية. وكان من المفروض أن يتولد عن تلك التجربة جبهة وطنية تؤطر نضالات الشعب المغربي وتوجهها لتحقيق دولة الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية. غير أن مخلفات الصراع الإيديولوجي يين هذه المكونات، وتشبث كل طرف بثوابته المرجعية والإيديرلوجية وبأهدافه السياسية، إلى جانب حكاية الدستور الجديد وتصدر حزب العدالة والتنمية للإنتخابات البرلمانية وتأهله لترأس الحكومة، انسحاب الجماعة من حركة عشرين فبراير، كل ذلك أدى إلى تراجع حركة 20 فبراير ثم خفوتها. إن المآل الذي عرفته هذه الحركة يعكس هشاشة التنسيق والعمل المشترك بين اليسار وجماعة العدل والإحسان والحركة الأمازيغية. وفِي ذات الوقت فإن ذلك التنسيق رغم هشاشته يؤشر على إمكانية بناء تنسيق أمتن بين تلك الأطراف وغيرها إن توفرت لديها الإرادة الصادقة لمسايرة الدينامية النضالية للشعب المغربي وتحصينها إلى غاية تحقيق أهدافها، شريطة امتلاك كل طرف الجرأة على وضع مصلحة الشعب المغربي فوق كل الإعتبارت المذهبية والإيديولوجية. وقد تكون الحراكات الإحتجاجية الإحتماعية بالمغرب التي تفجرت مع حراك الريف فرصة لذلك، خاصة وأن هذه الحراكات ترفع مطالب تتبناها كل التنظيمات السياسية التي تعتبر نفسها حاملة لهموم الشعب ومدافعة عن قضاياه، وفِي مقدمتها قضية إطلاق سراح المعتقلبن السياسيين وتحقيق مطالبهم.
وقد بات من الملح اصطفاف كل تلك القوى وبغض النظر عن مرجعيتها وتوجهاتها بجانب بعضها البعض ومع الشعب، والنزول بكل ثقلها وعلى كل الجبهات النضالية لإرغام الدولة المخزنية على رفع يدها القمعية عن الشعب واحترام إرادته في العيش بكرامة وحرية. ولتكن البداية بمطلب إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وجرادة وكل الحراكات الإحتجاجية بالمغرب وتحقيق مطالبهم العادلة والمشروعة.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.