عن العلم وأزمة التعليم

كان العلم و لايزال ركيزة كل الحركات و التحركات المعقلنة للكائن البشري ، فالصـــــدف و الأفعال غير المعقلنة لا تصنع في مجملها غيرأكوام من النتائج و التراكمات التي تصير وبالا على حاضريها و مستقبليها تخبط خبط عشواء تقتل الإنسان و الإنسانية..
وفي كل الحضارات السالفة ما فتئ العلم يحييها ويرفع من قدرها حتى إذا اتخذت سبيلا غيره نكصت على أعقابها فكان مصيرها الفناء والزوال فلا يبقى منها غير ما صنعته بالعلم أو ما صنعه العلم بها و هكذا دواليك.
ما أريد أن أقوله صراحة هو إنه لا يمكن أن نتحدث عن أي نهضة أو تقدم أو شيء من قبيل هذه الأشياء خارج منظومة العلم و المعرفة ، وأي إصلاح أو تحرك لقطاع من القطاعات خارج هذا إنما هو عبث في القشور و الفروع بعيد كل البعد عن ما يقتضيه مفهوم الإصلاح و التقدم …ففـــــي المغرب مثلا كانت جل الحركات اليسارية و التقدمية تعي أهمية العلم و ما يمكن أن تصنعه هذه الحروف الثلاثة من زحزحات في البنية المجتمعية تخدم توجهاتها وأيديولوجياتها متأثرة بما صنعه العلم في إخراج أوروبا من ظلمات الجهل إلى نور العلم و التقدم ، فما فتئت تحض على دوره في ندواتها و مجلاتها و جرائدها وكلما أتيحت لها فرصة من الفرص، فخلقت بذلك جيلا من المثقفين حتى في القرى والمداشر البعيدة أسهموا في بناء المفهوم المعاصر للمغرب المعاصر ، جيل فريد في أصله وتأصيل لم يتكرر إلى الآن ولا تزال أعماله شاهدة عليه إلى اليوم إلا أن يقتلها بيده.
وفي المقابل كانت الدولة أكثر وعيا بخطر تلك التوجهات عليها وعلى قاعدة حكمها فجندت كل إمكانياتها للحيلولة دون إنتشار القدر الكافي من العلم داخل الطبقات الشعبية فكانت بحسن نية أو بخبثها أن أقبرت عبر مجموعة من السياسات المتلاحقة قاعدة العلم و المعرفة و السؤال داخل المجتمع…وكذلك كان
لم تكن الأسباب السالفة الذكر وحدها هي من خلق هذه الأزمة المعرفية وإنما ساهمت في ذلك عوامل عدة منها التدخل الأجنبي الإمبريالي وكذا إملاءات البنك الدولي إضافة إلى الموروت الثقافي و الإيديلوجي و عوامل أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
هذه الأشياء لن يقتصر تأثيرها على المجال المعرفي وحده بل سيتعداه إلى ماهو اقتصادي و اجتماعي و سياسي … ستتعاقب الحكومات والمجالس والكل يقترح و يجرب, هذا يحل عقدة وهذا يضيف للعقدة عقدتين فتتشابك العقد و تربو حتى غدت المنظومة الثقافية مشوهة شبيهة بشبكة صيد متهالكة. .
و الملاحظ هو أنه منذ أول حركة في الإصلاح و التي انطلقت عام 1957و التي وصفت بالإستعجالية كلها تفتقد إلى نوع من المصداقية، ذلك أنها إلى التعابير الإنشائية أقرب منها إلى قانون ينتظر منه التفعيل و الوقوف عليه والإلحاح من أجل تفعيله، فالعملية التربوية التعليمية ينحصر جزؤها الأكبر في تلك العلاقة التي تجمع المدرس بالمتعلم، لذا وجب التركيز على هذين العنصرين المهمين وإشراكهما والأخذ من آرائهما في كل خطوة من خطى الإصلاح. وإلا كان أنُ تكوَّن لجنة وطنية لرجال و نساء التعليم الأكفاء والغيورين، من أجل بناء مخطط لا استعجالي و لا استعراجي وإنما مخطط فعلي يراعي المكتسبات و ينظر في الزلات بعيدا عن ما تمليه القوى الإمبريالية و التي تتحمل الجزء الأكبر في فشل مجموعة من القطاعات الحيوية التي على رأسها التعليم. فالبنك الدولي الذي يدعو إلى خوصصة التعليم لم يراع خصوصية أمة لا تجد بالكاد ما تسد به رمقها…فنحن في المغرب ولسنا في الخليج …
والذي يدعو إلى الحسرة هو أن القوى اليسارية والتقدمية ومن بعدها حفنات الاسلامويين والذين كانوا كلهم بالأمس القريب ينادون ويلحون بضرورة التعليم و تعميمه هم من تهافت ويتهافت اليوم على تطبيق مخططات البنك الدولي الداعية إلى خوصصة التعليم عبر حكومة التناوب وما بعد الحراك العربي ضربا لأحقية الأمة في التعليم و التمدرس …إنه لمن المؤسف حقا أن يصبح التعلم طبقات يفوز بجودته من يدفع أكثر أي ما معناه أن لا معرفة بعد اليوم للفقراء.
إن إصلاح التعليم اليوم غدا حاجة ملحة و سيبقى حاجة ملحة، ذلك أن العلم رأس كل امر لذا وجب مضاعفة الجهود بغرض النهوض بهذا القطاع الحيوي وتحريره من المخططات الدولية بقيادة الحكومة… كل هذا يقتضي وجود إرادة شعبية حقة تقودها ثلة من الفاعلين الغيورين على مصير الأمة و مستقبلها بعيدا عن الحسابات الفردية الضيقة و بعيدا أيضا عن إملاءات القوى الخارجية فأزمة التعليم أزمة وطنية راهنة لا تخص المعلم و المتمدرس وحدهما بل تتعداه إلى أبعد الحدود داخل الذات الوطنية والإنسانية عموما، فهل رضينا و الآلاف من أمتنا جاهلة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.