عن الأدب وجدوى الأدب

قليلون هم أولئك الذين يدركون جدوى الأدب، وقليل من قليل هم أولئك الذين تذوب أرواحهم فداء لهذا الغريب.
إن الغالب في المجتمعات التي أبهرتها ميكانيكا حضارة الغربية أن الأدب لا بني ناطحات سحاب ولا يجعل صواريخا تحلقا عاليا في الفضاء أو أي شيء من هذا القبيل،فالأدب كلام .كلام فقط،والكلام في عمومه لا يصنع شيئا،هذا هو السائد في معرفة العوام والذين لا يعلمون .
ولا تزال تلك النكتة التي كانت متداولة بين تلاميذ المرحلة الثانوية والتي تحكي أن آل الشعب العلمية والتجريبية كدوا واجتهدوا في صناعة طائرة فلما طارت صاح آل الأدب ما أجملها ما أجملها… إنها صورة مجازية تقوم مقام النكتة لكن الحقيقة هي أنه لا طائرة ولا صاروخ صعد يوما من كلية من كليات العلوم في المغرب , فالبلاء واحد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ودارس الأدب اليوم والمهتم به يستحي من ذكر هويته دارسا ومهتما, ذلك أن الأدب وما شابهه من العلوم الإنسانية غدا شعبة من لا شعبة له، يقصده أولئك الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت فأدخلوا مرغمين إلى شعبة الآداب والعلوم الإنسانية، فهذا هو الأدب يجر إليه الإنسان جرا .
والغريب والمخجل أن لا أحد من أولئك الذين يدرسون أو يدرِّسون الأدب يرضى لبنيه وعثرته دراسة الأدب،فهم أحسن من يحسن تطبيق مقولة ‘لا يلسع المؤمن من جحر مرتين’فالكل أصبح مقتنعا بعقم تلك التوجهات والتي لا تبيض في مجملها غير أفواج من المعطلين الذين هم إلى العدم في مجتمعاتهم أقرب منهم للوجود، فالأدب وعلوم الإنسان تم قتلها عمدا عبر سياسات طويلة وتبخسيها لأن دارس الأدب وعلوم الإنسان يصبح خطرا على الأنظمة التي تخاف على نفسها من المعرفة حتى لتجد الطالب في الجامعة المغربية لا يحسن كتابة مقدمة لبحث نهاية الدراسة وحتى لتجد نصف طلبة الدراسات العربية لا يفرقون بين الفعل ماضيا أم مضارعا …  وفي المقابل عظمت وتعاظمت في نفوس العامة جدوى تلك التوجهات العلمية والتجريبية فلا استقامت هي ولا استقام الأدب.
لكن الذي يدعو للعجب وللمزيد من التأمل هو أن المجتمعات التي نطقت بتلك العلوم المبهرة هي من تنظر للأدب اليوم، وما يدرس في الجامعات المغربية اليوم ما هو إلا ترجمات ليس إلا,فالمناهج والمباحث والنظريات لا تكاد تسمع فيها اسما عربيا واحدا ما عدا بعض التعليقات والشروحات لا ترقى حتى تبقى،أو شيئا من تلك الدراسات القيمة التي بدأها العرب القدامى الى حدود القرن الرابع والتي من عظيم ما ركدت فقدت الكثير من جدواها، ومن يرى في ما أقول عجبا فليسأل دارسي الأدب ماذا يدرسون….

الحضارة اسم جامع ولهذا سمي ما قام به الغرب حضارة، فأعمالهم لم تقتصر على جانب واحد أوحد فهم اليوم المنظرون لكل ما تعج به الحياة اليوم .وأنا لست هنا لأمجد حضارة الغرب فهي لا تحتاج مني لتمجيد،وبما أن حديثنا عن الأدب فيكفي أن يشاهد الواحد منا تلك الأعمال الخالدة لرجالاتهم من مسرحيات وروايات ومقطوعات ودواوين وملحمات وغيرها كثير،التي تشهد على عظمة العقل الغربي الذي لا يفرق بين ما هو مادي وما هو إنساني.
ولهذا عندما نتحدث عن سينما مغربية لا نجد فيها شيئا قادرا على مواجهة حتى أتفه سيناريوهاتهم، والكل يتساءل اليوم لماذا لا نكون مثلهم ولماذا نرحل كل حين إلى منتجاتهم فتتعدد التحليلات ولا شيء منها يصيب أرض الداء بل غالبها يركز على الجانب المادي ويغفل المهم والأهم .وأنا أرى أن عدم وجود كتابات قادرة على التحول إلى سيناريوهات عالية وعالمية هو السبب طبعا إضافة إلى أسباب أخرى.
وما السينما إلا جزء يسير من أجزاء عجز المشهد الثقافي إضافة إلى الموسيقى والمسرح والإعلام.
لا يمكن أن نتحدث عن جودة هذه الأشياء في ظل وجود سياسة تهمش المبدع وأصل الإبداع، فمن يا ترى قادر على صناعة هذه الأشياء إن لم يكن الأديب والمشتغل بالأدب؟ من هذا الذي باستطاعته كتابة سيناريو بجودة عالمية أو هذا الذي يصلح أن يكون مقدما تلفزيا أو كاتب عمود محلل بارع أو ناقدا بارعا أو خطيب دين بارع أو سياسيا بارعا ….؟
فأن نقتني أو نصنع  جهاز تلفاز فهو شيء يدخل في خانة الممكن لكن أن نقتني سيناريوهات قادرة على مساءلة الذات والذاكرة والتاريخ والواقع فذاك شيء لا أراه ممكنا، فحين أصابنا العجز وضاقت بنا اﻷرض ولم يعد بوسعنا إنتاج بسيناريوهات تعبر عنا رحلنا في أقاصي اﻷرض نبحث عن سيناريوهات بعيدة عن ثقافتنا ذاتا وجغرافية فألبسناها ثيابا وترجمة جافة لا صلة لها بها حتى بدت عرجاء عوراء…

لن نكون خصماء لوزير قليل الأدب فهذه هي الدمقراطية توصل أيا كان للقيام على رؤوس أهل العلم والمعارف ’فمن كان يظن أن لحسن الداودي سيقف على رأس التعليم العالي لولا هذه اللعبة المسماة ديمقراطية … فالداودي ليس واحدا ولكنه جزء من منظومة عامية ورثها العقل الديني الإسلامي الحركي جميعه . ذلك  أن العقل الديني يعيش أزمة في بنيته التي وإن حاولت التناغم مع عزف الحضارة فإنها تبقى عاجزة عن الإنتاج والإبداع خاصة في مجال صناعة الجمال ، وحتى وإن أبدت إبداعا فإنه في غالبه يكون انتقائيا جدا ويميل إلى القوة والعنف في كثير من التجارب المعيشة.
إن إرادة الحضارة في العقل الإسلامي هو إرادة القوة والسيطرة لا يتعداه…فقد تجد الإسلامي يفرح لامتلاك سلاح نووي أو صناعة سيارة  وقد لا ينتبه لبحث فريد تم انجازه في الأدب والفلسفة لأنه كما أسلفت فإرادة الحضارة في العقل الإسلامي الحركي والعامي للأسف هي إرادة القوة وليست إرادة معرفة.
إن اﻷدب اليوم غدا حاجة ملحة من أجل تطعيم الحياة العامة وإخراجها من ميكانيكية التواصل وكذا مساءلة ما يجب مساءلته فالحضارة أي حضارة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا إذا كانت ملمة بما تقتضيه الحضارة من أدب وعلوم وغيرهما دون إغفال شيء ولا ننسى أن الأشياء التي تبدو لنا صغيرة قد تضيف أشياء كبيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.