عندما يشكل المرابط خطرا على النظام الانتخابي

قرر الصحفي علي المرابط توقيف إضرابه عن الطعام بعد تصريحات وزير الداخلية محمد حصاد التي أكد فيها انه بامكانه الحصول على شهادة السكنى بعد اقامته لمدة ثلاثة اشهر في المغرب، وهو ما يعتبر نجاحا لإضراب علي لأن حياته أولا وقبل كل شيء أغلى من كل وثيقة ولا تقدر بثمن. ثانيا لأن وزارة الداخلية خرجت أخيرا عن صمتها ونزلت من برجها العاجي بعد ان واجهته بالتجاهل منذ أن اندلعت هذه القضية قبل أشهر، واكتفت بالتشهير به والتعتيم على قضيته عبر أذرعها الاعلامية بمزاعم كان علي يفنّذها في كل مرة بالوثائق والشهادات والحجج الدامغة. ثالثا لان الوزارة كانت تلمح عبر هذه الأذرع أن المدة القانونية للإقامة هي ستة اشهر، واليوم اصبحت تتحدث ثلاثة اشهر. وهذا الفارق على ضآلته يحمل من الإشارة ما يكفي، واللبيب بالاشارة يفهم..

من الطبيعي أن ترضخ السلطات بعد أن اتخذت القضية ابعاد دولية لم تخطر ببال الذين اصروا على إهانة الصحفي بقرار سخيف ألحق ضررا بالغا بصورة النظام في الخارج، والملك على وجه التحديد، بعد التضامن العالمي الذين لقيه، والتغطية الاعلامية التي واكبت كل خطواته داخل المغرب وخارجه، من استراليا الى الساحل الغربي للولايات المتحدة الامريكية..

ولعل ما يثير انتباه المتتبع للمؤتمر الصحفي الذي عقده حصاد، في عصر تعرف فيه تقنيات التواصل السياسي تطورا مذهلا، بما فيها تلك التي تغذي الدعاية السوداء التي تشكل العمود الفقري للانظمة الاستبدادية، أنه ابى الا ان يبقى وفيا للعادة المخزنية التي لا دأبت على اهانة ذكاء المتلقي وربط القضية بالانتخابات والخطر على النظام الانتخابي. ما دخل شهادة سكنى المرابط في الانتخابات الجماعية المقبلة ؟ وما علاقة المرابط بالنظام الانتخابي؟ وما هو الخطر الذي يشكله عليه؟ هذه الاطلاقات تذكرنا بتصريح حسن ابو ايوب سنة 2003 للقناة الفرنسية الثالثة علق فيها على وقفة احتجاجية نظمتها فعاليات باريسية تضامنا مع المرابط الذي كان وقتها مضربا عن الطعام احتجاجا على الحكم الصادر في حقه بالاعتقال على خلفية رسم كاريكاتيري ينتقد ميزانية البلاط الملكي. قال المهندس ابو ايوب “إن في المغرب قوانين صوت عليها الشعب والبرلمان، وأن اي احتجاج هو احتجاج ضد الشعب المغربي”. وذهب ابعد من ذلك وقال ان “كاريكاتير علي المرابط يشكل خطرا على الانتقال الديمقراطي في المغرب”، وأن “المحتجين باحتجاجهم يدعمون مرتكبي احداث 16 ماي الارهابية”. هذه الفصيلة الغريبة من الخطاب يعج بها التاريخ السياسي المغربي، ولنا في جنسية السرفاتي خير مثال. واذا كان أبو أيوب قد كلف نفسه عناء تذكير القناة الفرنسية بالجهة التي تصوت على القوانين، فان محمد أوجار، ممثل الرباط لدى الامم المتحدة، اكتفى بإخبار وكالة فرانس بريس ردا على سؤالها بخصوص إضراب المرابط أن “المغرب دولة قانون”. عندما قرأها احد المثقفين الـ200 الذين وجهوا رسالة قوية للملك تضامنا مع المرابط ابتسم وعلق ساخرا : “يا لها من سذاجة. هذا إقرار ضمني ان المغرب ليس دولة قانون”.

من المبالغة أن نسخر من ذكاء هؤلاء المسؤولين وننسب لهم هذه الاقوال والقرارات الساذجة. نعلم جميعا أن حصاد وأبو أيوب مهندسان مخضرمان، تتخرجا من معاهد محترمة، ولعلهما أول من يسخر من هذه الحماقات التي دفعوا اليها دفعا من طرف الماسكين الفعليين بزمام الأمور داخل القصر. أذكر في هذا المضمار طريفة بدأت تفصلنا عنها سنوات عديدة ومع ذلك ظلت تحضرني باستمرار، خصوصا عندما يتعرض أحد الصحفيين المغاربة لتعسف السلطات، لأنها تلخص بشكل دقيق تمثل مهنة الصحافة المستقلة في دوائر الحكم السلطوي؛ تعود أطوارها إلى سنة 2005 عندما استنجد البصري من منفاه الباريسي بالصحفيين، أعداء الامس، وصار يذم النظام والمحيط الملكي ويمتدح الصحفيين المستقلين ويشيد بنزاهتهم، وينوه بشموخ بعض المعارضين الذين عانوا الامرين بسبب بطشه وغطرسته. سأله علي المرابط في سياق نقاش عام على هامش إحدى المقابلات: “لنفترض أنك عدت الآن الى منصبك كوزير للداخلية كيف ستتعامل معي كصحفي؟”. من دون أدنى تردد أجابه البصري بسرعة بلكنة عامية قوية: “نطحن خويا (سأسحقك يا أخي)”. لأن معاداة الصحافة من ثوابت دار المخزن كيفما كانت الحكومة. وعلى كل حال لم يكتب للوزير الراحل أن يعود ويسحق علي لكن خلفه في “العهد الجديد” نكلوا به شر تنكيل، وفعلوا به ما لم يجرؤ على فعله الوزير الدموي السيء الذكر

هذا النوع من الازدواجية في السلوك وفي الخطاب ظل ولا يزال محط اهتمام علماء السياسة المتخصصين في دراسة الانظمة الاستبدادية على غرار الأمريكي “جيمس سكوت” الذي يرى، عكس الكثير من المفكرين، ان المحكومين لا يطبّعون بالضروروة مع الهيمنة والاستبداد، بل هناك “خطاب مخفي” يضمرونه في نفوسهم ولا يكشفون عنه الا في مجالسهم الخاصة، وقد يكون مناقضا تماما “الخطاب العام” الذي تظهره أمام العموم. ورغم ان “سكوت” يتحدث عن المحكومين فان الاستثناء المغربي يقتضي ان نعمم اطروحته على الوزراء والموظفين من اسفل الادارة الى اعلاها ما دمنا في ظل الحكم الفردي. هذه الإزدواجية لا علاقة لها بما يسميه الإعلاميون “الاوف” و”الاون”، ولا علاقة لها ببعض الشهادات التي تثور ضد الماضي على غرار حسن اوريد عندما أقر ان الدولة كانت منحازة الى حزب الاصالة والمعاصرة خلال انتخابات 2009، وهي الفترة التي كان فيها واليا على جهة مكناس تافيلالت. إنها أعمق من ذلك، ومستمرة في الزمان والمكان. ومن أبرز تجلياتها ما أقر به بنكيران أيام الحراك على أثير إحدى الإذاعات الخاصة حيث قال بعظيم لسانه إنه لا يطيق “مشاهد الركوع أمم الملك في طقوس البيعة”، وأنها تجعله يردد في نفسه:”لا حول ولا قوة الا بالله”. ومع ذلك، سنة بعدها، صار يدافع عن نفس الطقوس بشراسة في نشرة اخبارية للقناة الأولى. وها نحن اليوم مقبلون على مراسيم البيعة، وستعمد كاميرا الاعلام العمومي على نقل صوره في الصفوف الاولى للراكعين أمام الفرس.. هذا هو الاستثناء المغربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.