عندما يرتدي الملك محمد السادس ثوب المعارضة ويتبنى مضمون التقارير الدولية في خطاباته!

تناول العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة عيد العرش قضايا تهم البلاد، ومنها اعترافه بالتهميش الذي يعيشه العالم القروي وتقصير الدبلوماسية في حل مشاكل الجالية المغربية، علاوة على قضايا أخرى.
ويلاحظ تبني الملك خطاب المعارضة غير الرسمية، وهي المعارضة غير الممثلة في مؤسسات مثل البرلمان، كما يتبنى مضمون بعض تقارير المؤسسات الدولية التي ترفضها الدولة. وينتهز الملك فرصة كل مناسبة للحديث عن مشاكل البلاد، وتناول هذه المرة قضايا مثل التهميش الذي يعاني منه العالم القروي، حيث قدم أرقاما صادمة حول «المغربي المنسي» البعيد عن المراكز الحضرية. وتناول طريقة اشتغال الدبلوماسية مع ملفات المهاجرين في الخارج، معترفا بالتقصير الحقيقي للتمثيليات المغربية في الخارج. وفي الوقت ذاته، ركز في خطابه على أكبر معضلة يشهدها المغربي ومنذ عقود، وهي التعليم العمومي. وحول الواقع المزري للتعليم، اعترف الملك شخصيا بفشل التعليم عندما تساءل: هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم، في المدارس العمومية، قادر على ضمان مستقبلهم؟ ولم يقدم الملك أرقاما بل اكتفى بنفسه بالإجابة عبر نقطتين، الأولى وهي هروب المغاربة من التعليم العمومي الى التعليم الخاص وتعليم البعثات الأجنبية، والفكرة الثانية سقوط مشاريع الإصلاح في الأنانية والفشل المتتالي والمستمر.
واختلفت ردود الفعل تجاه الخطاب الملكي، في المقام الأول، فريق قام بالتهليل لواقعية الملك وصراحته في التعاطي مع انشغالات الشعب المغربي. والمثير أن جزءا كبيرا من هؤلاء، من وسائل الاعلام والطبقة السياسية، من فصيلة الذين يتبنون خطابا ورديا في وصف الحياة السياسية والاقتصادية، والتهجم على كل من انتقد الوضع السائد من خلال قاموس التخوين وغياب الوطنية. وعندما ينطلق الملك يغيرون من خطابهم لفترة زمنية محدودة أو نقول إن من حسن حظه لا يتعرض لوابل من الاتهامات.
وقسم آخر من المحللين المغاربة، ذهب إلى التساؤل حول مسؤولية الملك محمد السادس في تدهور الأوضاع بحكم السلطات التنفيذية الواسعة التي يتوفر عليها، وتجعل من الحكومة الحالية برئاسة عبد الإله بن كيران بمثابة «جمعية غير حكومية من المجتمع المدني»، لاسيما في ظل وجود مؤسسات مرتبطة بالملك ومحيطه، وهي بمثابة الحكومة الفعلية. ولا يفتقد هذا القسم للأدلة لتحميل الملك المسؤولية، بل حتى رئيس الحكومة نفسه يقول دائما إنه ينفذ سياسة الملك.
ويبقى الأساسي هو قيام الملك محمد السادس تدريجيا في خطاباته بتبني خطاب المعارضة غير الرسمية. ونعني بالمعارضة غير الرسمية تلك المعارضة غير الموجودة في البرلمان والبلديات، وتناضل انطلاقا من المجتمع المدني، كما هو الشأن في الكثير من الدول ومنها الأوروبية لتغيير الوضع، حيث تعتبر المؤسسات الحالية مزيفة ولا تعبر عن رأي الشعب، في غياب قوانين انتخابية ذات مصداقية. في الوقت ذاته، يتبنى الملك مضمون التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية في تقييمها للوضع المغربي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ويكون التقييم في الغالب انتقاديا.
يختلف تعامل الدول مع التقارير الدولية تماشيا مع مستوى الثقة لدولة ما في مؤسساتها. ومن ضمن الأمثلة والمقارنة، نذكر أنه في الوقت الذي تشن فيه وسائل الاعلام الرسمية والمنحازة للسلطات، وكذلك الحكومة في المغرب، هجمة على التقارير الدولية وتصورها بأنها متآمرة على الدولة، شأنها شأن الدول التي تفتقد للديمقراطية أو تتبنى ديمقراطية الواجهة، توجد في المقابل دول أوروبية، ومنها اسبانيا وفرنسا والبرتغال تأخذ بعين الاعتبار التوصيات وتتعهد بتجاوزها. وتتعامل الدول الديمقراطية مع التقارير الدولية كونها بوصلة حقيقية تجنبها السقوط في الأخطاء وترشد عملها. ولا تناقش الدول الديمقراطية التقارير الدولية، وقد تبدي في بعض الحالات بعض الانتقادات النسبية، فهي تدرك اعتماد التقارير الدولية على معايير تحظى بإجماع قد يكون كاملا من طرف الخبراء.
وعلاقة بالمغرب، يختلف الأمر، فهذا البلد يحتل مراكز غير مشرفة في مختلف هذه التقارير مع استثناءات قليلة جدا، يحتل مركزا غير مشرف في التعليم، ويحتل مرتبة غير مشرفة في حقوق الإنسان وحرية الرأي، ويوجد في مرتبة متدنية في الدخل الفردي، وتحذّر التقارير من تراجع جودة التعليم وفشله وما قد يحمله من انعكاسات سلبية على البلاد. ويحدث هذا التراجع في دولة تقع على مشارف الاتحاد الأوروبي وقريبة من العالم المتقدم، وليس في دولة توجد في قلب أدغال أفريقيا. والمفارقة الغربية هو تقدم الكثير من الدول الافريقية على المغرب، رغم موقعها الجغرافي البعيد عن أوروبا.
وعودة الى تجربة الدولة المغربية مع التقارير الدولية، نجد حالات كانت الدولة فيها مخطئة للغاية في التعامل مع هذه التقارير. فقد كان الملك الراحل الحسن الثاني ومحيطه ووسائل الاعلام المقربة منه، تتعامل بنوع من التشنج غير المنطقي مع التقارير الدولية، وكذلك مع انتقادات المعارضة، لكن في آخر المطاف تخلى عن سياسة «الماكياج والواجهة» واعترف في خطاب له أمام الشعب خلال منتصف التسعينيات بأن «المغرب مقبل على السكتة القلبية»، وطالب بحكومة مسؤولة. ولم يجد الملك الراحل الذي كان يوصف بالداهية أمامه سوى حكومة مؤلفة من أحزاب المعارضة بزعامة الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، وهي الأحزاب التي طالما حاربها ومحيطه.
وخلال السنتين الأخيرتين، ومن خلال استعراض خطب الملك محمد السادس يتبين تبنيه بشكل غير مباشر لخطاب المعارضة غير الرسمية، التي تحذر من التهميش والحرمان ومنها في العالم القروي أساسا، ومن تدهور التعليم وارتفاع حالات الفساد وفشل الدبلوماسية في معالجة قضايا المهاجرين. واعترف الملك منذ سنتين بصعوبة الوضع في نزاع الصحراء، مختلفا بذلك مع الكثير من المحللين الرسميين الذين كانوا يتبنون خطابا ورديا مزيفا ويستمرون حتى الآن. وخلال السنة الماضية، اعترف بسوء توزيع الثروات في المغرب وسيطرة اقتصاد الريع على البلاد، وأبدى تحفظا على العمل السياسي. وخلال السنة الجارية أبرز تدهور التعليم العمومي وتهميش العالم القروي. ولا أحد يعلم مضمون الخطاب المقبل، فهل سيكون حول خروقات حقوق الإنسان التي عادت بقوة أم حول موضوع آخر؟

*كاتب مغربي

المصدر: القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.