عميان الفكر الثوري….

الغضب وحده لا يؤسس لفعل سياسي أو حتى اعلامي هادف ورصين… الغضب والكتابة تحت ضغطه يحول الحق إلى ممارسة صبيانية وطفولية، فاقدة للأثر وللنتيجة…

هذا ما يقع حين تصادف عناوين لمقالات تدعي الرصانة، على شاكلة انهم يخدعون الملك، أو على الملك أن يتدخل فالبلد تغرق وغيرها مما يوحي بالكثير من الأفكار، بعضها يسبب تبولا لا اراديا، من فرط الضحك أو البكاء، فهما أمران سواء…

مثل هذه المقالات تريد أن تصور واقعا هلاميا، كون المسؤولين الحكوميين، المنتخبين خاصة، يعني الموظف العمومي الكبير، السيد بنكيران ومعاونيه، واقفون يتفرجون على الكوارث التي تحيق بالبلد، وهم إما منتشون وفرحون أو في أحسن الحالات عاجزون ومتواطئون، وتصور هذه المقالات أيضا، الملك منشغل بالقضايا الكبرى، الانسانية ربما، ويدبر المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي ستؤهلنا إلى مصاف الدول المتقدمة، ومنشغل أيضا بتحديد المفاهيم الكبرى التي ستبصم روح الأمة، من ثروة لامادية، وحسد، وغيرها…. وبالنسبة للبعض، الروافض الجدد، الملك منشغل بتدبير تروثه، وتحسين تموقعه في ترتيب مجلة فوربيس، وغيرها من الاهتمامات الشخصية، التي تجعله بعيدا عن ما يقع في البلد وغافلا عنه….

ليخط صحفي أو أكثر، مقالا ينبه فيه إلى ضرورة تدخل الملك، أو ضرورة علمه بما يدبرونه. في زياراته من روتوشات وماكياجات وغيرها، ينبهونه عن صدق، ويعتقدون بسذاجة أنه لا علاقة له بهذا الذي يقع في البلد….

الجميع يعي أن الخريطة الدستورية النظرية لا توافق الممارسة السياسية الفعلية على أرض الواقع، والجميع يعي أن بفعل هذا التفاوت بين الواقع والنص، وبفعل ضعف النخبة السياسية المنتخبة أو المعينة، تم الغاء الشق النظري في الممارسة الدستورية، وتم تعويضها بما بقي من دستور 1996 القديم… وهو ما أعطى هيمنة كبيرة في القرار السياسي للمؤسسة الملكية، على حساب التقزيم الفعلي لصلاحيات رئيس الحكومة كما هي محددة في الدستور الجديد…. والجميع يعرف أن الآلية السياسية المحيطة بالملك، والتي يترأسها هو بنفسه، أقوى بكثير من كل المؤسسات الدستورية المنصوص عليها في الوثيقة الأخيرة….

لذا فادعاء عدم معرفته بما يدور في البلد هو عين الغباء، ودعوته لممارسة فعل سياسي لا يخدم تصوره لممارسة السياسة هو نوع من استبلاد القارئ أولا…. الملك لن يتدخل من أجل فتح تحقيق حول حالة البنية التحتية وحول حالة القناطر المغشوشة، كما لن يتدخل من أجل فتح تحقيق حول الصور المذلة والمشمئزة لجثث الضحايا وهم ينقلون في حاويات القمامة، بل الانكى من ذلك، أنه سيتم منع وعرقلة كل قرار في هذا الاتجاه قد تتخده الحكومة…. تدخل الملك سيقتصر على دفن الضحايا والتكلف بمآثمهم كما نص بلاغ الديوان الملكي على ذلك، وهو ما سيعود عليه بالثناء والحمد الشعبي، كونه يقف بجانب الضحايا…. بينما الحكومة المكبلة حركتها، بفعل ضعفها البين أساسا، وبفعل ما أريد لها من دور، فستظل صامتة، وستستقبل الاستيهامات الشعبية حول الفعل السياسي: حكومة منتخبة فاشلة ومرتشية، ولولا سيدنا لما كان أي شيئ ايجابي في هذا البلد…. هي تمثلاث مشروعة لساكنة نخرها الفقر والجهل والتعتيم، لكنها مخزية وقاتلة حين يكتبها الثوري والاعلامي والمناضل….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.