عملية إيواء المشردين بفاس جعجعة بلا طجين

كل سنة، مع اشتداد برد فصل الشتاء وصقيعه، وانخفاض درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر، يعود موضوع المشردين بفاس، كما بمدن أخرى، إلى الواجهة، سيما أن قساوة البرد أدت وتؤدي إلى الإضرار بهذه الفئة من المستضعفين…

الجديد

غير أن الجديد الذي سجله المتتبعون، خلال السنتين الأخيرتين، يتعلق بتقارير إعلامية تفيد أن المسؤولين بدأوا يتخذون إجراءات لحماية المشردين، وتجنيبهم قساوة البرد وآثاره السلبية على صحتهم، خصوصا أن السنوات القليلة الماضية عرفت وفاة العديد منهم بسبب موجة البرد القارس

في هذا التحقيق، سنحاول أن نسلط الضوء عن حقيقة ما يجري في هذا الموضوع، بعيدا عن أي ادعاء أو تبخيس، مع الإشارة إلى أن المسؤولين أغلقوا أبوابهم في وجوهنا، ورفضوا التواصل معنا ومدنا بالمعطيات اللازمة، بل إن حميد الخزري، المنسق الجهوي للتعاون الوطني، بجهة فاس مكناس، رحب بنا وأعطانا موعدا لإعداد المعطيات التي طلبناها منه، لكنه كلما حل الموعد طلب تأجيله، وفي الأخير، لم يعد يرد على اتصالاتنا، وكلف مرؤوسيه بأن يخبرونا، كلما اتصلنا، بأنه في اجتماع!!!

غياب الأرقام الرسمية

تجمع الفعاليات المدنية بفاس على أن ظاهرة التشرد بهذه المدينة تعرف ارتفاعا مطردا بسبب الصعوبات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية التي تعرفها المنطقة، ويسجل هؤلاء أن المشردين بدأوا، في السنوات الأخيرة، يكتسحون مناطق جديدة، لم يكونوا يرتادونها سابقا (حي السعادة والأدارسة وطريق صفرو والنرجس ومونفلوري…)

ورغم ذلك، لا أحد من المسؤولين مكننا من إحصائيات رسمية عن هذه الفئة بفاس، لذلك، فوجئنا بتقديرات متفاوتة…

ففيلقاء سابق لنا مع المنسق الجهوي للتعاون الوطني، بجهة فاس مكناس، كان أكد لنا أن عدد الأطفال الذين لا مأوى لهم، بهذه المدينة، بفاس، يتراوح بين ستين (60) ومئة وخمسين (150) طفلا، وإذا أضفنا إليهم الكبار، فإن العدد، في أقصى الأحوال، لن يتعدى250 شخصا.

أما أسماء قبة، رئيسة الجمعية المغربية لمناهضة العنف والتشرد، فاعتبرت تقديم رقم يخص هذه الفئة مجازفة، ومع ذلك، قالت إن الرقم يمكن أن يتراوح بين سبع مائة وثمان مائة (700 و800) شخص، أغلبهم أطفال، حوالي مائة (100) منهم نساء، أغلبهن مختلات عقليا…

أما لطفي جُدار، رئيس لجنة تدبير “مركز أولادي لتكوين وإدماج الأطفال والشباب” بفاس، فكان، في لقاء سابق معه، قدر عدد الأطفال في وضعية الشارع وحدهمبأزيد من ألف طفل بالمدينة، والخطير، حسبه، وحسب أسماء قبة هو أن بفاس أسرا يعيش كل أفرادها في الشارع.

واعتبرت مصادرنا أن هذا العدد يزيد وينقص حسب الفصول. إذ ينقص، صيفا، حيث يسافر المشردون، خصوصا الأطفال منهم، إلى المدن الشاطئية، هاجسهم الهجرة إلى الخارج، ويعودون شتاء، بعد أن تنطفئ جذوة آمالهم… 

معاناة بالألوان

إذا كانت أسباب التشرد كثيرة ومختلفة تتراوح بين الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، فإن ما لا يختلف حوله أحد هو معاناة جميع أفراد هذه الفئة، وهي معاناة تتضاعف كلما كان المشرد صغير السن أو شيخا عجوزا أو مريضا أو معاقا أو ضعيف البنية، خصوصا أن قانون الغاب هو السائد بينهم، وهو قانون يؤدي فاتورته الصغار والضعاف، حيث يتعرضون للعنف المادي والمعنوي وللاستغلال الجنسي والاقتصادي، سواء من طرف بعضهم بعضا، كما حدث قبل مدة حين، سلم متشرد في عقده الثاني نفسه للمصالح الأمنية، وبحوزته كيس بلاستيكي فيه “خصية” متشرد اخر، وخلال التحقيق معه، اعترف أنه اقتلع بأسنانه”خصية” رفيقه المشرد، بعد محاولة الأخير الاعتداء عليه جنسيا… أو من طرف غيرهم، وهنا نستحضر العصابة التي كانت فُكِّكت، قبل سنتين، بفاس، وكانت تعنف الأطفال وتستغلهم جنسيا واقتصاديا، وتدفعهم إلى تعاطي المخدرات والإدمان عليها… ناهيك عما يتعرضون له من عنف جسدي من طرف المواطنين والأمن الخاص والشرطة…

تحت رحمة السماء

تتضاعف معاناة المشردين، خلال فصل الشتاء، بسبب البرد القارس الذي تعرفه المدينة، إذ كثيرا ما تنخفض الحرارة عدة درجات تحت الصفر، سيما أنهم يقصون لياليهم القاسية، العصيبة في الشارع، أو بعض البيوت المهجورة، أو محطة الحافلات أو محطةالقطار، أو مداخل بعض العمارات وسط المدينة، وهي أماكن تفتقد للحرارة والدفء، كما يفتقد المشردون للملابس اللازمة والكفيلة بأن تمنحهم بعض الدفء، كما يفتقدون للفراش والغطاء، لذلك، ليس غريبا أن نجدهم يفترشون الأرص او “الكرطون” كما نجدهم يتغطون بالأسمال أو قطع البلاستيك أو بمزق كانت يوما ما لحافا…

والخطير حسب رئيسة الجمعية المغربية لمناهضة العنف والتشرد، هو أنه لا واحدة من الجهات المسؤولة لديها برنامج لمحاربة الظاهرة، ولا حزب من الأحزاب التي تدير أو سبق له أن أدار الشؤون الترابية للمنطقة سبق له أن قدم ضمن برنامجه الانتخابي ما يمكن أن يشكل أرضية أو خطوطا عريضة لخطة لمواجهة معضلة التشرد…

إقصاء وخصاص

من جانبه، صرح حميد الخزري، لمنابر صحفية أن والي الجهة كان ترأس اجتماعا حضرته جميع المصالح الخارجية المختصة والمصالح الأمنية، وسطرت برامج عمل لمواجهة موجة البرد وآثارها السلبية على الأشخاص الذين هم في وضعية الشارع. مضيفا أن مدينة فاس تتوفر على عدة مؤسسات للرعاية الاجتماعية التي تمت تعبئتها للقيام بهذه المهمة، منها “مؤسسة التجموعتي” بمنطقة رأس الماء، والمركب الاجتماعي بباب الخوخة، ومخيم “المرجة”، وأنه، بهذه المؤسسات، تم استقبال الأشخاص في وضعية الشارع، للسنة الثانية على التوالي، وأكد منسق التعاون الوطني أن إنجاح هذه التجربة، يتطلب تضافر جهود جميع المتدخلين.

وتعليقا على تصريح المنسق، تساءلت أسماء قبة عن سر إقصائها وجمعيتها وعموم المجتمع المدني من هذه العملية، وهم الذين يشتغلون، يوميا، في الميدان، منذ سنوات، ليلا ونهارا، مع هذه الفئة من المواطنين في وضعية الشارع، وأضاف فاعل حقوقي لو كانت الجهات المسؤولة جادة وتريد إضفاء نوع من المصداقية على عمليتها هذه، لأشركت المجتمع المدني فيها، خصوصا أننا نعرف الخصاص المهول في الموارد البشرية على مستوى مركزي باب الخوخة وراس الما…

وعقب فاعل مدني آخر أن كل كلام المنسق مطعون فيه، بدليل أنه ورؤساءه على مستوى المدينة والولاية أقصوا الفعاليات المدنية من هذه العملية، لأنها ليست شفافة ولا مصداقية لها…

واعتبرت “قبة” أن عملية إيواء المشردين التي شرعت السلطات في القيام بها منذ سنتين، والتي تدوم، بضعة أيام، ويعودون بعدها إلى الشارع، مجرد عملية ترقيعية، لا أثر لها على حياة المتشردين، ولا تستهدف حل هذه المعضلة، بقدر ما تهدف إلى الدعاية والضحك على الذقون… 

وأضافت “أسماء قبة” أن المدينة بطولها وعرضها وكثافتها السكانية التي تتجاوز مليونا ومائتي ألف نسمة لا تشتمل سوى على مؤسستين للرعاية الاجتماعية بطاقة استيعابية محدودة جدا، وتعاني أصلا من الاكتظاظ، واحدة برأس الماء، والثانية بباب الخوخة، أما المؤسسة الموجودة بمنطقة المرجة فهي مخيم صيفي ذو طبيعة تربوية ترفيهية، لا علاقة له بالتشرد ولا بالمواطنين في وضعية الشارع…واللجوء إليه يكشف الخصاص المهول الذي يعرفه الميدان في المؤسسات، ويعري سياسة الترقيع التي تتخبط فيها الحكومة ومصالحها الخارجية، والتي يؤدي فاتورتها الأشخاص في وضعية الشارع خاصة، والمجتمع عامة…

وأوضحت أسماء قبة أن هاتين المؤسستين نفسيهما، وإن أصبحتا تتوفران على التجهيزات اللازمة، فإنهما تعانيان من خصاص مهول في الموارد البشرية، إضافة إلى افتقارهما إلى طواقم في الطب العضوي والنفسي وإلى المساعِدة الاجتماعية… 

أخطاء بالجملة

وللتغطية على هذا الوضع الذي يتخبط فيها المسؤولون، أكد أكثر من فاعل مدني أن السلطات لا تشرك أحدا من هيئات المجتمع المدني الفاعلة في الميدان، والتي تَخْبَرُه أكثر من سواها، ما يجعلهم يرتكبون أخطاء جسيمة، ذات انعكاسات سلبية على المتشردين، وعلى سواهم، ولكم أن تتصوروا، تقول رئيسة الجمعية المغربية لمناهضة التشرد والعنف، ما يمكن أن يحدث، مثلا، حين يجمع، في غرفة واحدة، أشخاص في وضعية الشارع مع أشخاص مرضى نفسيا أو عصبيا، أو ما يمكن أن يحدث حين يجمع، في المكان نفسه، أطفال في وضعية الشارع مع أطفال معتقلين لأنهم في خلاف مع القانون، وهو ما لا يستسيغه منطق سليم…

وهنا، تحضرنا حادثة الاعتداء الذي كان تعرض له رجل سلطة، سابقا، بإحدى هذه المؤسسات من طرف مشرد مريض عقليا… ناهيك عن أن المؤسسات التي يجمع فيها المشردون، يحرسها رجال الأمن!!!

يضاف إلى هذا أنه، حين استقبال المشردين المدمنين، يتم تجريدهم بعنف، وبعيدا عن أي بيداغوجيا، مما يتوفرون عليه من مخدرات أو سواها دون إشراف أو مراقبة طبية، ما ينعكس سلبا على هؤلاء المواطنين، ويدفع بهم إلى التمرد والمغادرة…

استغراب وذكريات

لكل ما سبق، لم يكن غريبا أن العديد من المواطنين في وضعية الشارع، استغربوا حين سألناهم عن عملية الإيواء هذه، مؤكدين أنهم لم يسمعوا عنها ولا أحد اتصل بهم بشأنها، بل إن الطفل أسامة (9سنوات، على خده الأيمن جرح حديث) وجدناه ينبش النفايات جوار السوق المركزي، سخر من عملية الإيواء المؤقت، وقال أنا مشرد وأعاني طوال العام، فلماذا ينتظروا حلول فصل الشتاء “ليقبضوا” على بعضنا، من أجل أن يوفروا له المبيت بضعة أيام ثم يسرحونه ليعود إلى الشارع، وهي عملية للمشردين معها ذكريات مريرة، حيث أفادنا أحدهم أن السلطات كثيرا ما تلجأ إلى اعتقال المشردين، أثناء الزيارات الملكية، أو انعقاد بعض الفعاليات الدولية، وتحتجزهم في المراكز التي تأوي الأحداث الذين يوجدون في خلاف مع القانون، وهناك يتعرضون للمعاملات القاسية، سواء من طرف النزلاء أو من طرف الموظفين… لذلك، قال الطفل إلياس أنا أفضل أن أموت هنا برداكما مات قبلي كثيرون، على أن أذهب إلى إحدى المؤسسات ليعتدي علي آخرون، مع العلم، يضيف هذا الطفل، أنه غادر بيت أسرته فرارا من عنف أبيه…

لما سلف، سجل المتتبعون والفعاليات المدنية، أن شوارع المدينة وأزقتها، كانت ولازالت مكتظة بالمشردين، ناهيك عن المحطة الطرقية ببوجلود ومحطة القطار اللتين ظلتا مأهولتين بهم أيضا، خصوصا بالليل، حيث يلجأ إليهما المشردون لقضاء الليل، بعدما يكونون قضوا اليوم كاملا في متسكعين هائمين... الملاحظة نفسها سجلت بمحيط السوق المركزي وحديقة لالا مريم وغيرها من ساحات المدينة…

ما يدل على أن العملية، إن كانت هناك عملية، لم يكن لها أثر يذكر في الواقع المعيش لهذه الفئة، نظرا للعقلية البيروقراطية الإقصائية التي أديرت بها، ولمحدوديتها وللعدد الضئيل الذي يكون استفاد منها، مقارنة مع العدد الحقيقي للمواطنين في وضعية الشارع…

مطالب وطموح

وأفادت أسماء قبة، أن متطوعي جمعيتها دأبوا، منذ سنوات، على الخروجإلى شوارع المدينة بحثا عن أطفال أومسنين يعيشون واقع التشرد، للتخفيف من معاناتهم بسبب البرد القارس الذي تعرفه المدينة شتاء، ويوزعون عليهم ملابس وأحذية وغطاء.

وخلال هذه الجولات، يتوجهون إلى أماكن معلومة، تحولت بفعل الأمر الواقع إلى ملاجئ مفتوحة للمشردين،ومنها المحطة الطرقية ومحطة القطار وساحة الأطلس، وضمن هؤلاء، تؤكد قبة توجد أسر بأطفالها تقيم في الشارع…

وعن الآفاق، طالبت أسماء بإحداث مؤسسات متخصصة لاحتضان المتشردين، وتوفير البنيات والتجهيزات والأطر اللازمة من أجل إدماجالمشردين أسريا واجتماعيا… وأضافت أن أملها وأمل جمعيتها، التي لا تتلقى منحة أو دعما من أي جهة، هو تأسيس مركز للأطفال في وضعية الشارع، يعمل قولا وفعلا على إدماج هؤلاء الأطفال في الواقع السوسيوــ اقتصادي للبلاد، وليس فقط إيواؤهم بضع سنوات، وطردهم عند بلوغهم الثامنة عشرة من عمرهم، كما هو الشأن في مؤسسات أخرى… كما أكدت أنها شرعت في تجربة متميزة، تتمنى ترسيخها، ألا وهي إدماج الأطفال المتشردين في أسر بديلة…

علي بنساعود

 

* تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من المنظمة الدولية لدعم الإعلام “أيمس” بشراكة مع الجمعية المغربية لصحافة التحقيق “أمجي”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.