علي أنوزلا يكتب: لماذا تخاف السلطة في المغرب من استطلاعات الرأي السياسية؟

نشرت إحدى الصحف المغربية خبرا مفاده أن وزارة الداخلية المغربية عممت مذكرة على مصالحها الداخلية في جميع مناطق المغرب، تحظر إجراء أو نشر أي استطلاع للرأي يكون موضوعه سياسيا، وذلك على خلفية أن المغرب سيشهد استحقاقات محلية خريف هذا العام. وحسب نفس الخبر فقد بررت وزارة الداخلية قرار المنع بدعوى عدم وجود قانون ينظم إجراء استطلاعات الرأي السياسية. ورغم أن المبدأ القانوني و القاعدة الفقهية تقول بأن الأصل في الأفعال هو الإباحة إلا أن قرار وزارة الداخلية كان هو المنع إلى أجل غير مسمى!

فهل يتعلق الأمر بفراغ قانوني أو عجز لدى المشرّع المغربي لإخراج قانون ينظم استطلاعات الرأي السياسية في البلاد؟ لا أحد يعتقد أن الأمر يتعلق بنقص في القانون وإنما هي الإرادة السياسية التي لا تريد لمثل هذا القانون أن يرى النور.

ففي عام 2005 قامت أسبوعية مغربية هي “الجريدة الأخرى” بإعداد استطلاع للرأي بوسائل وإمكانات بسيطة لسبر رأي نخبة من السياسيين والفاعلين المغاربة حول الشخصية التي أثرت في أحداث تلك السنة. وشارك في ذلك الاستطلاع مستشارون للملك ووزراء وسياسيون من جميع الاتجاهات الموالية والمعارضة، ومثقفون وإعلاميون. وكانت النتيجة النهائية أن أغلب المشاركين أجمعوا على أن رئيس “هيئة الإنصاف والمصالحة” آنذاك هو الذي أثر، بفعل عمل هيئته التي حاولت أن تصالح جزءا كبيرا من المغاربة مع سنوات الظلم والقهر في عهد الملك الحسن الثاني، على أحداث تلك السنة، فيما احتل الملك المركز الثاني بين الشخصيات التي أثرت على أحداث البلاد في نفس العام. وما إن نشرت الأسبوعية نتائج استطلاعها حتى توالت ردود الفعل الرسمية العنيفة بما فيها ردود فعل وزراء ومستشارين وسياسيين وإعلاميين ممن شاركوا في الاستطلاع يستنكرون نتائجه، وصدرت البيانات الرسمية من ووسائل الإعلام الرسمية ومن أحزاب سياسية وهيئات مدنية تندد بوضع اسم الملك ضمن لائحة التباري على “رجل” أو “سيدة” السنة، مع العلم أن سؤال الاستطلاع الذي طرحته الأسبوعية على المستفتين كان محايدا يقول: “ما هي في رأيك الشخصية التي أثرت في أحداث هذا العام داخل المغرب؟”. وكان من بين المسؤولين الرسميين ممن احتجوا على نتائج ذلك الاستطلاع من أجابوا على سؤال الأسبوعية بدون تردد بوضع اسم الملك محمد السادس!

لم تنته القصة عند موجة البيانات العنيفة التي سفهت عمل الأسبوعية، وإنما تحول الموضوع إلى نقاش جدي داخل البرلمان واقترحت الحكومة آنذاك التقدم بمشروع قانون ينظم إجراء استطلاعات الرأي، لكن نسخة من ذلك المشروع الحكومي ستصل إلى إحدى السفارات الغربية المؤثرة، فنصحت الحكومة المغربية بمراجعة نسخة مشروعها لأنها لم تكن تستجيب للمعايير الديمقراطية، فتم سحب ذلك المشروع إلى يومنا هذا ليظل الفراغ القانوني هو سيد الموقف.

وفي عام 2009 ستبادر مجلة أسبوعية أخرى هي “تيل كيل” بإنجاز استطلاع للرأي بمشاركة جريدة “لوموند” الفرنسية، لمعرفة رأي المغاربة في عهد الملك محمد السادس بعد مرور 10 سنوات على توليه الحكم، ورغم أن نتائج الاستطلاع الذي أعد بمواصفات مهنية كانت إيجابية لصالح الملك محمد السادس، إلا أن السلطة تدخلت وصادرت المجلة في المطبعة ودمرت كل نسخها ومنعت الجريدة الفرنسية من الدخول إلى السوق المغربية.

اليوم تأتي مذكرة وزارة الداخلية لتذكر المغاربة بأنه مازال يحظر عليهم أن يبدوا آراءهم في مواضيع سياسية، وفي هذا تناقض كبير مع فلسفة الانتخابات نفسها. أليست الانتخابات تعبير حر عن رأي سياسي؟ في عام 2007 نشرت مجلة “لوجورنال” المغربية نتائج استطلاع سري أجرته مؤسسة أمريكية في أفق الانتخابات التي كانت ستجري في نفس العام، أعطت نتائجه تفوقا واضحا لحزب “العدالة والتنمية” الذي كان يوجد آنذاك في المعارضة، لكن عندما جرت تلك الانتخابات لم يحصل الحزب الإسلامي سوى على نصف المقاعد التي توقعها استطلاع الرأي، وكان واضحا أن تلاعبا قد جرى في نتائج تلك الانتخابات، ستفضحه خطط السلطة التي ستبدأ بالتخطيط ابتداء من تلك السنة لخلق حزبها لوقف زحف الإسلاميين، وتطورات القصة مازالت تتفاعل حتى يوم الناس هذا.

إن التفسير الوحيد الذي يجعل السلطة في المغرب تتأخر عن إصدار قانون لتنظيم استطلاعات الرأي السياسية، وإصدار مذكرات سرية لمنعها، هو خوفها من أن تكشف عن وجود اتجاهات في الرأي مخالفة أو مشككة في تلك التي تكشف عنها نتائج الانتخابات التي تنظم في المغرب تحت إشراف ومراقبة وبتمويل من وزارة الداخلية التي تنصب نفسها في كل تفاصيل حياة المغاربة خصما وحكما في نفس الآن!

 المصدر: هنا صوتك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.