علي أنوزلا يكتب: في المغرب.. أجريت الانتخابات وغابت الديمقراطية

شهد المغرب انتخابات محلية في الرابع من سبتمبر وصفت بأنها من أكثر الانتخابات التي عرفها المغرب نزاهة. انتخابات خرج منها أكبر غريمين سياسيين منتصرين. إنها مفارقة الانتخابات في العالم الثالث.

حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي الذي يقود الحكومة دخل هذه الانتخابات بتحدي كبير، ألا وهو الحفاظ على شعبيته بعد أربع سنوات من إدارة الشأن العام اضطر فيها إلى اتخاذ قرارات غير شعبية. والنتيجة أن الحزب خرج منتصرا في أول اختبار شعبي لـ “المحاسبة” عندما حصل على أكبر عدد من أصوات الناخبين فاق مليون ونصف مليون صوت.

كما خرج فائزا من هذه الانتخابات أكبر حزب معارض للعدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، وهو حزب “الأصالة والمعاصرة”، والذي يعتبر الغريم الأول للحزب الإسلامي. فقد حاز هذا الحزب رئاسة أكبر عدد من الجهات عندما أصبح يرأس خمس جهات من بين اثنى عشر جهة في المغرب. كما حاز رئاسة أكثر من 24 في المائة من المجالس البلدية في المدن وما يوازيها في القرى والبوادي محتلا المرتبة الأولى ومتقدما على غريمه “العدالة والتنمية” الذي جاء متأخرا في المرتبة الرابعة، رغم أنه أصبح يتربع على عموديات أكبر وأغنى المدن المغربية.

قوانين الانتخابات في المغرب وضعت لترضي جميع اللاعبين، لذلك فهي نادرا ما أدت إلى إقصاء أحد المشاركين فيها، وهذا ما يفسر التضخم الكبير في عدد اللاعبين الذين يملؤون المعترك الانتخابي في المغرب. فالأحزاب المشاركة في الانتخابات في المغرب تضعف وتضمحل لكنها لا تموت.

التعريف البسيط للديمقراطية هو حكم الأغلبية. وقوانين الانتخابات في المغرب وضعت حتى لا يحصل فيها أي حزب على الأغلبية. لذلك يخرج منها الجميع نصف منتصر ونصف منهزم.

“العدالة والتنمية” انتصر في عدد الأصوات وفي عدد المدن الكبيرة التي أصبح يرأس عموديتها، وخسر رئاسة الجهات الكبرى والغنية وضاعت منه رئاسة أكبر عدد من البلديات في البوادي والقرى التي تمثل بمساحتها وسكانها أكثر من نصف مساحة وسكان المغرب.

وغريمه “الأصالة والمعاصرة” حصل على عدد أقل من الأصوات، نحو مليون وثلاثمائة ألف صوت أغلبها حصدها في القرى والبوادي، وخرج خاسرا من أكبر المدن، لكنه عاد منتصرا على رئاسة الجهات التي تعتبر بمثابة حكومات محلية مصغرة، وجمع رئاسة أكبر عدد من البلديات في المدن الصغرى والمتوسطة وفي البوادي والقرى.

الأحزاب الأخرى التي تشكل كافة ألوان الطيف السياسي المتعدد الألوان في المغرب، خرجت كل منها بحصتها من “الكعكة”. فقاعدة اللعبة السياسية في المغرب تقتضي أن يأخذ كل مشارك “حصته” التي تؤول إليه، قد تكبر أو تصغر، حسب الظروف والسياقات. المهم أن الكل يجب أن يخرج راضيا بعد انتهاء اللعبة. وكما يقول منشطو ومنشطات الإذاعات الترفيهية في المغرب “المهم هو المشاركة”، أما الانتصار أو الفوز فهو مجرد وهم كبير. لماذا؟

لأن الانتخابات في المغرب تفتقد إلى أهم ما يعطي لهذه العملية مصداقيتها أي “الديمقراطية”. فما معنى أن تجري انتخابات في غياب تام لقواعد الديمقراطية البسيطة انطلاقا من إعداد القوانين، وطريقة التقطيع الانتخابي، وحصر عدد المشاركين فيها، ونمط وطريقة وجولات الاقتراع. كل هذه المراحل تفتقد إلى الكلمة السحرية “الديمقراطية” التي بدونها تصبح العمليات الانتخابية موجهة، مجرد عملية تجميل لواجهة مزيفة، وفي أحسن الأحوال مجرد استطلاع كبير للرأي يعرف الجميع أن نتائجه سينساها الجميع بمجرد الإعلان عنها.

وإذا كانت الانتخابات مجرد آلة من آليات الديمقراطية الهدف منها هو الوصول إلى فرض حكم الأغلبية واحترام حق الأقلية، فإن الانتخابات المغربية تجري بدون رهان حقيقي، لأن السلطة التي من المفترض أن يتبارى المتنافسون في الانتخابات عليها توجد خارج مربع الملعب الانتخابي. وهذا ما يجعل هذه الانتخابات مجرد لعبة كبيرة مسلية لكنها بدون رهانات سياسية حقيقية.

المصدر: هنا صوتك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.