على هامش ما يسمى بعيد الحب..

إن وهبنا للحب يوم واحد في السنة؛ فقد وهبنا بقية الأيام للكره ..أو على أبعد تقدير لأشياء أخرى غير الحب..و جعلناه حالة استثنائية و فاكهة نحتفي بقشورها الغارقة في مظاهرها المنمقة بعد أن نكون قد ألقينا ـ غير مبالين ـ باللب خارج حياتنا اليومية..
إذن بعيدا عن التسمية و عن كل الطقوس الحمراء المحاطة به ..بعيدا عن الهدايا الملغومة وعن النيات الغير الصافية ..بعيدا عن جواز و عدم جواز الاحتفال به ..وخارج مفهومه الضيق المختزَل بشكل مخيف.. لنقتف أثر الحب في تجمعاتنا كأسرٍ صغيرة .. كبيرة ثم كمجتمع ككل..لنفهم معناه الذي امتلأنا به و نشأنا عليه و كيف تبلورت في داخلنا  تلك المفاهيم قبل أن تصدر منا كممارسات و تعاملات فيما بيننا.. ألا يقال في مثلٍ دارج “تبعْ الكدّاب حتى لباب الدّار”؟
لنتلمس من هذا المنطلق مدى صدقه فينا و مدى مصداقيته لدينا.. لنقترب من حالته في بيوتنا و في كل مكان ..لنقس مدى إيماننا بقيمته و جدواه ولنسلط ضوء الصراحة على هذا “الشيء” المشتهى و المخيف/النعمة و النقمة/ المرغوب و الممنوع في آن..لنر آثاره على حياتنا إن وُجد فعلا ..و لنفتح اليوم على الأقل قوسا كبيرا نقوم فيه بجرد مكتسباتنا و خسائرنا من خلاله..مغالطاتنا في حضرته و فراغنا في غيابه..لنكن اليوم  صادقين /جريئين  في مساءلتنا له عن أمر سعادتنا و بؤسنا..و لنهب له حق قول كلمته الأخيرة فينا كمتشبثين /باحثين/طالبين/ راكضين وراءه.. و لماذا لا نحصل في النهاية منه إلا عن حفنة سراب وحصيلة كبيرة من أوهام و خيبات..لنكتشف وضعيتنا داخل مفهومه و لتكن لنا شجاعة تغييرها إن بدا لنا أنها وضعية غير سليمة بل مقلوبة و بشكل كامل..
الحب إن لم يكن حالة دائمة ..إن لم يكن المفهوم ذاته للإنسانية ..إن لم يكن سبيلنا لاحتواء بعضنا/ لتقبل بعضنا /لمسامحة بعضنا و لمساعدة بعضنا.. ما حاجتنا اليه؟ ان لم يكن العماد الذي يبنى عليه احتكاكنا بالآخر..الأرضية السليمة /المتينة لأية علاقة ..و الباب الأول الذي يفضي بنا إلى الالتقاء بالآخرين و الإحساس بهم.. فيما سنحتاجه بعد هذا ؟ إن لم يكن فطرتنا و بدايتنا و حاجتنا.. أي معنى سيتخذ؟
ليكن هذا اليوم أو هذا التاريخ الذي صار معروفا عند الصغير و الكبير فرصة لملامسة أمراضنا التي كان سببها انعدام هذه القيمة الإنسانية بيننا ..فرصة لاستدراك حاجتنا الماسة إليه في معناه الحقيقي ،علّنا نمكّن الأجيال القادمة من طاقة ستدفعهم للأمام و صنع غدهم الأفضل..ليكن هذا اليوم فرصة لنُسقط عن الحب مفهومه الضيق الساذج ..فرصة إعلانه حلا لكل أشكال الاستغلال و الفساد و النهب و الاعتداءات و الظلم المتفشي..دواء لأنانيتنا المفرطة ليأسنا من فضاء هواؤه غير مكثف بغبار الضغينة و الاحتقار وتحيين فرصة الفرح على حساب شقاء الآخر..كنساً لكل مظاهر النفاق الاجتماعي و بداية لبناء مجتمع سليم من كل هذه العاهات..
لتكن ثقافتنا الحب بدل ثقافتنا العكسية التي تحرم وتصادر كل أشكال الحب ،فيما تبارك بشكل علني كل مظاهر الكره و العنصرية ..لتكن ثقافة الحب اللبنة الأولى لصنع الإنسان ..هذا الإنسان الذي نحن في حاجة إليه اليوم ..إنسان متشبع بإنسانيته ؛منتم للقيم الكونية و منحاز بشكل مطلق للصدق مع نفسه ومع الآخرين..إنسان لا يشكو من مرض نقص مناعة تقبل اختلافات الآخرين عنه..إنسان يجد سلامه الروحي و سعادته في سعادة الآخرين..إنسان يقتنع أن أكبر ذنوبه ليست تلك التي يقترفها في حق خالقه ـ ما دامت هذه الأخيرة قابلة للمغفرة في كل وقت ـ إنما كبائره التي تتجلى في ظلم يلحقه بالناس وفي  حقوقُ عباد يأكلها نارا في بطنه دون أدنى إحساس بالذنب ( شهادة الزور/ خيانة الأمانة /قهر إنسان بريء /استغلال حاجته  فقره و جهله بحقوقه..) إنسان يقتنع أن تجرده من ضميره في عمله خصوصا تلك الوظائف التي تمس الآخر بشكل مباشر( التدريس الطب القضاء و غيرها) كبيرة لا تغتفر..إنسان يكون الحب في قلبه حائلا بينه و بين ما يسيء للآخرين ..دافعا له لرفض كل أشكال العبودية و الانتهازية.. مانحا له فرصة كره الأشياء التي تكون سببا في تعاسة الناس حوله و السعي بكل اقتناع نحو القضاء عليها بدءا بنفسه.. و دافعا مهمّا لتقديم شيء للإنسانية بدل أن يمضي دون أثر يذكر..إنسان يؤمن بالحب كطاقة للعطاء للتضحية للإنتاج  للعمل و لفرح تشاركي لا يستثني أحدا و لا يكون شرط حدوثه اغراق غيره في وحل البؤس..إنسان لا يبخس للحب قيمته فيجعل منه مصيدة /كمينا للتلاعب بالمشاعر و بابا يشرعه بسوء نية للاستغلال البشع لقلوب تفترش دوما الطيبة و الثقة جسرا نحو الآخرين..إنسان يرى قيمته فعلا بحجم قيمة الحب في قلبه..
لكل هذه الأسباب المذكورة لا أظننا قادرين على بناء مجتمع كلنا نحلم به/ نتمنى العيش فيه ما لم نبن أوّلا مادته الأولية الخام بشكل سليم.. ما لم يكن لدينا إنسان قادر على الحب فعليا لا على اللعب على حروفه كلاما سطحيا و عبارات منمقة و قلوبا و شموعا  بينما نظل نملك تلك القدرة الرهيبة على تخطي  وجع الآخرين دون أدنى إحساس بوخز حاد في ضمائرنا ..دون أن يتألم شيء فينا ونمضي لشؤوننا الخاصة كأن الأمر لا يعنينا..إنسان قادر أن يبرهن أن الحب فعلٌ يدخل في صناعة كل تفاصيله اليومية تجاه الناس  و الأرض و الطبيعة و مواقفٌ تظل شاهدة على القيمة الحقيقية للحب..إنسان قادر على جعل الحب طاقته للعمل و للتعامل مع الآخرين و منبعه الوحيد لكل الإيجابيات التي يسعى إليها..و أن تكون كل علاقاته الإنسانية مع الجميع أهل/ أصدقاء/ شريك حياة /أبناء/ إخوة /آباء من منطلق الحب ذاته في كل تجلياته و أبعاده المختلفة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.