على هامش قراءات في: “فلسفة الحراك بين الداخل و الخارج”

1- في تحديد مفهوم “فلسفة” الحراك:

” فلسفة الحراك هي مجمل التعابير النظرية، الفكرية، السلوكية و السياسية التي تم انتاجها منذ بداية الحراك و ترسخت مع استمراره في وعي و لاوعي الريفي/ية الحراكي/ية. حتى اضحت مرجعا محددا لبوصلة الحراك الشعبي في الريف و تميزه”

ان المتتبع لمحاولة بعض القراءات المستقاة من الفضاء الازرق في تحديد هذا المفهوم يتيه بين عوامل انفجار الاحتجاج في الريف و بين المطالب المرفوعة بعد ذلك، حيث يلاحظ التداخل في طبيعة المطالب التي تم رفعها سابقا ابان انتفاضة 58/59، 84 ثم مطالب 20 فبراير، و كأن حراك الريف هو امتداد خطي/ميكانيكي لما سبق له من حركات احتجاجية، و هي بذلك تسقط في التماهي بين “فلسفات” تلك الحركات و الحراك الحالي، رغم ان كل الحركات/الانتفاضات تخضع للتميز في شروط انفجارها و صيرورة تطورها و انطفاء شعلتها. فالتركيز على الملف المطلبي و الموقف من” الدكاكين السياسية و الجمعيات الارتزاقية” كعناصر وحيدة محددة لفلسفة الحراك هو تقزيم في حد ذاته لمشروع الحراك داخل البنية السياسية في المغرب. لان في اعتقادي ان حجر الزاوية في فلسفة الحراك الشعبي في الريف هو عمليات التجاوز الديالكتيكي لكل الاشكال و الصيغ السابقة بعد تضمنها، و الاجابة الى حد ما على عوامل اللاستمرارية التي قوضت تلك التجارب.
اضافة الى السلمية كعنصر اساسي في بنية تفكير الحراك، نجد البعد الجماهيري، الخاصية المبدئية و الاستراتيجية للحراك التي جعلت منه حياة يومية يعيشها/تعيشها، كل متفاعل/لة معه، في الداخل و الخارج. و اخيرا يمكن اضافة نوعية الخطاب المستعمل داخل الحراك الذي يتميز بالبساطة، التوجه المباشر، المزج بين الارث التاريخي/ السياسي للمنطقة ببعض الاشارات الدينية… اذن هذه العناصر الاساسية المشكلة لمنظومة فكر و سلوك الحراك ستؤثر في خلق حالة سيكلوجية لدى المنخرط/ة في معمعان الحراك، و التي يمكن تسميتها ” بسيكلوجية الحراك” من خصائصها الاساسية هو الاحساس الجماعي بمشروعية الحراك و استمراريته على ارضية الصراع الطويل النفس مع النظام و حلفائه و حتمية الانتصار، هذا الاحساس سيشكل قناعة راسخة بضرورة مواصلة الكفاح رغم القمع الممنهج و محاولات الاجتثاث.

2- في المنهج:

ان اية مقاربة تاريخية تحاول تأصيل تجربة الحراك لن تتاتى الا بوضعها في سياقها التاريخي المتميز بالتصادم مع نظام يشهد التاريخ بدمويته. فالجذور التاريخية لحراكنا تعود الى علاقات التنابذ و التنافر بين الريف و نظام المخزن عبر كل مراحل التاريخ، وذلك منذ بدايات تشكل النظام العلوي في القرن السابع عشر، و التي ستتمظهر في محطات مختلفة من تاريخ المغرب الحديث و المعاصر، و ستتميز بُعيد الاستقلال الشكلي بكثافتها و همجية نزوع نظام دولة المغرب نحو معالجة انتفاضة 58/59 على ضوء مطالبها. و سيتجسد هذا النزوع الاجرامي في محطات لاحقة: 65، 73، 81، 84، 91، 2011 و الحراك الشعبي في الريف كتجسيد مباشر لطبيعته الديكتاتورية و التبعية.
لكن عند الحديث عن الشروط المؤسسة لحراك الريف، ينبغي التذكير بأهمية فترة ما يسمى” بالعهد الجديد” الذي نسج خيوط المرحلة و استهوى العديد من النخب السياسية، و جعلها تعقد آمالا منقطعة النظير في امكانية التحول الديموقراطي من داخل منظومة النظام بزعامة القصر. منبهرة ب “خطاب العهد الجديد” و بخرجات “الملك الجديد” لمختلف مناطق المغرب كمحاولة منه الاستفادة من فترة الحسن الثاني في مد الجسور مع المغضوب عليهم. و يأتي الريف على رأس قائمة تلك المناطق التي تكررت زياراته آملا في تكسير عوالم التنافر و التصادم التاريخي تمهيدا “لمصالحة” ممكنة. شعب الريف كما قال عيزي احمذ الزفزاف “يتناسى و لا ينسى”. اذن ما هو الجديد الذي أتى به ما يسمى ب “العهد الجديد” لمنطقة الريف – التي تهمنا في هذا الموضوع- ؟
في البداية و أمانة للتاريخ يسجل على ان أهالي الريف خرجت عن تلك القاعدة المعروفة و المعتادة في بقية مناطق المغرب اثناء استقبالاتها” للملك الجديد” التي تكرس الخنوع و الخضوع، على العموم كانت استقبالات واعية تنم عن قناعة تعكس رغبة جامحة لرفع التهميش عن المنطقة و البحث عن حلول ملموسة لاوضاع الريف المتأزمة، كمدخل حقيقي لاية مصالحة و بدون هرولة. فبالرغم من اغراق اقليم الحسيمة بالمأذونيات (لاكريمات) التي تسببت في حالة الكساد/التضخم في هذا النوع من الخدمات، في المقابل فهذه “الصدقات” لم يحل اي مشكل اجتماعي او اقتصادي . و سيكون لاقامة الملك و عائلته الاستجمامية في منطقة بوسكور و حرمان اهالي الريف من الاستمتاع بها كونها منتزه وطني، بطبيعته الخلابة، من العوامل الاخرى التي تركت مذاقا مرا ينضاف الى مرارة تاريخ هذا النظام.
خلال هذا العهد قلت ستتسارع مجموعه من النخب السياسية لكسب عطف المخزن، و ابداء رغبة العمل تحت ظلاله، فكان ولادة حزب الاصالة و المعاصرة لينفذ مشروع النظام في تدجين اولا النخبة ثم الجماهير الشعبية، عبر تمييع النضال و الصراع الاجتماعي و افقاد كل الاطارات الجماهيرية محتواها الكفاحي و الممانع. فتركز نشاط هذا الحزب في الريف له مبررات مختلفة، فبالاضافة الى دور المراقبة، يمكن الحديث كذلك على دور خلخلة قناعة اهالي الريف و خاصة الفئة المتمدرسة و المثقفة التي ترى المروث السياسي و الكفاحي للمنطقة يمكن ان يشكل عاملا في تأجيج الوضع و اشعال فتيل الرفض الجماعي لسياسة النظام تجاه الريف. و العمل على استقطابها عن طريق توفير اغراءات عدة، الى صفوف الحزب لتقوم بدورها التخربي لسيكلوجية جماهير الريف. و من اجل انجاح هذه الاستراتيجية سيعمل المخزن على اختيار قيادة ريفية (و أغلبها من قبيلة بني ورياغل، نظرا لرمزيتها) تتقن لغة المرحلة (سياسيا و ايديولوجيا).
عموما فالحديث عن عوامل انفجار الريف الذي اتخذ شكل الحراك الشعبي تجد تربتها الخصبة في معانات اهالي الريف من سياسات النظام المختلفة و المتنوعة عبر التاريخ. آخذين بعين الاعتبار دور الاحزاب السياسية في تبرير تلك السياسات كحلفاء استرايجيين للنظام لتنفيذ مشاريعه ( حالة البام في الريف راهنا).
فاستشهاد محسن فكري يعتبر نتيجة لتراكم الاحساس بالذل و الاحتقار و تبخيس الانسان الريفي، و استشهاده هذا كذلك يعد عامل مباشرا في تفجير الوضع في الريف، اي شرط التحول من “الستاتيك” الى “الديناميك”.

3- “حراك ” الدياسبورا.

تفاعل الدياسبورا مع الحراك الشعبي منطقي و طبيعي، بفعل عوامل القرابة، التلاحم العائلي و الاحساس المزدوج بالغربة من جهة و بحقارة تعامل المخزن مع عائلات المهجرين في الريف، هذا دون اغفال أهمية دور الفضاء الذي تتحرك فيه حركات الدعم في الدياسبورا، في توفير الشروط الديموقراطية و امكانيات خلق الفعل و تطويره.
في هذا السياق تاتي تجارب لجن الدعم و التضامن مع الحراك و الريف، كمحاولة لابتداع آليات مختلفة من اجل خلق شروط دعم للحراك الشبعي و العمل على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
كانت فكرة تأسيس تنسيقية أوروبا نتاجا موضوعيا لتفاعل الخارج مع الداخل (الريف)، الذي كان ينظر الى أفق أكثر شساعة و تناغما. كانت انتصارا لفكرة الوحدة /قوة، و للتنظيم أسلوبا لإضافة شحنة التقاطع الموضوعي لربح رهان و تحدي التجزيئ.
انطلاق هذه التجارب من مرجعية وحيدة و هي حراك شعبي انطلق وهجه بآلام البسطاء و الكادحين، مشكلا أبجديات فلسفة ممانعة تمتح من غابر الزمن طلاسيم كينونتها. و رغم ذلك ففي الغربة متسع لإطلاق عنان أدمغتنا للإبتكار و الإبداع، حتى لا تتكلس و يسود الارثذوكس الريفي المتحجر، الذي يبرح الماضي و يعشعش في أطلاله.
في تجربة الغربة انطلاقة لتأسيس ألف باء فلسفة التنوع و الانفتاح على الممكن…عناقا لآهات الانسان في بعده الكوني، آهاتنا مقدمة للآتي…

عبدالحق بوعزيز

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.