على هامش ”فضائح” العدالة والتنمية الأخيرة: انسجام مع المبدأ أم قفز على الحقائق!!

 يشهد المغرب، منذ أن خفت نجم حركة 20 فبراير تحولات هائلة، سواء فيما يخص الوضع الاقتصادي والاجتماعي الآخذ في التردي، أو فيما يتعلق بعلاقة مختلف الفاعلين السياسيين مع الدولة… وكان من شأن ذلك، تراكم مجموعة من الضغوطات والأعباء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتطور الاستبداد في المنحى التصاعدي. أضف إلى ذلك زيادة تضييق الخناق الذي أثر على الحقوق والحريات. فقد عرف المغرب بعد 2011 تدهورا خطيرا على مستوى حقوق الإنسان. فترة شهدت سلسلة من المحاكمات من أجل الرأي، وقمعا وحشيا لكل حركة اجتماعية، كما شهدت التضييق على بعض الأحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية من ممارسة نشاطها وخنق الحريات الأساسية الفردية والعامة…

في ظل هذه الشروط ”برز نجم” العدالة والتنمية الذي اكتسى نشاطه الطابع التجميلي بالأساس لاختيارات الدولة حيث خصص حيزا مهما من عمله، لتبرئة ذمة الدولة فيما يخص المشاكل السياسية والاقتصادية وقضية الحريات الفردية والجماعية، ويبرر بشكل فج التضييقات المفروضة ومختلف الانتهاكات للحريات العامة…

ولكن الاستقبال الحماسي، الذي منحه حزب العدالة والتنمية لفترة ما بعد الربيع وهلل به الكثير من زعمائه الذين يرزحون في الآونة الأخيرة تحت عجلة فضائح سياسية وأخلاقية، لم يكن أقل إثارة للدهشة وحسب، ولكنه لم يكن يخطر ببالهم المدى الذي ستؤول إليه حالتهم، فلقد كان بالنسبة إليهم من أكثر الأمور غير المتوقعة بالتأكيد..

فما السر وراء اهتمام ”العدالة والتنمية” الأخير بحقوق الانسان وحريات الأفراد؟؟!!… بن كيران الذي كان متشدقا بتوسيع صلاحيات مؤسسة رئيس الحكومة…، بوعشرين الذي كان بطلا علينا في افتتاحياته…، حامي الدين الذي كان معجبا بدستور 2011 لما تضمنه من إصلاحات سياسية حقيقية…، ماء العينين التي كانت مولعة بالانتقال الديموقراطي المغربي في ظل غليان المنطقة…، الرميد الذي أفتى بحقيقة استقلالية القضاء…، يتيم الذي تحدث أمام الشغيلة المغربية بتوسيع دائرة الحقوق والحريات في مغرب العدالة والتنمية.. غير أن السياسة الفعلية المطبقة من لدنهم لم تكن أبدا متسقة مع المبادئ المقررة وخطابهم ”الأخلاقياتي” الخادع.. لقد كانت موضة البيجيديين ادعاء الطهرانية، والظاهر أنهم يحفلون بمتناقضات داخلية أبرزَها الواقع المعيش، بما لا يدع مجالا للشك. يعتدّون بخطاب ”المحرمات” رغم أنهم لم/ولن يتوقفوا قط لفحص حجة مخالفيهم… هجوم خبيث وماكر يكون “موجها أساسا” على من يخالف تقاليدهم ويرفض تصوراتهم حيث يتهمونهم بالفسق، الفساد، الديوثية… غزوة سياسية و’فكرية’ كانوا مسندين فيها ولا يزالون بأذرعهم الجمعوية والدعوية وأساليبهم الفكرية التضليلية، فضلا عن التربة الاجتماعية والثقافية الحاضنة.. فماذا يعرف منتسبو العدالة والتنمية عن حقوق الإنسان…؟؟

لقد كانوا أداة طيعة في يد الاستبداد، كانوا يحتضنونه، ويغذونه خلال السنوات الأخيرة للكساد الكبير. الافتراض أنهم، مجرد شكل متغير لنفس البنية المستبدة، إنه من المعترف به الآن على نطاق واسع. لم يتوقعوا أن تأتي الساعة بهذا الشكل ولا بهكذا أسباب؟؟؟ فعجلة الاستبداد دارت ولن يوقفها شيء… ولعل تحرش الاستبداد بهم جاء كما خمنت وكما يشاع لتذكيرهم بهيبة رجالات الدولة النافذين …؟؟ ففي هذا الإطار وجب التدقيق في مواقف البيجيديين، إذ يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين من تعاطيهم مع قضية حقوق الإنسان وخصوصا انتهاكات حقوق وحريات الأفراد بحسب المكان والزمان والمصلحة الضيقة، إنها مرحلة الكشف والفضح السياسي…

قد أكون مخطئا في هذا القول، لأنه يخالف مبدئيا أسس دولة الحق والقانون التي ننادي بها، لكني أجد من العادل أن يجرب البيجيديون نفس السياسات التي كانت مثيرة للإعجاب عندهم إلى حد عميق، السياسات التي أسهمت إلى حد كبير في تدمير الحرية، سياسات كانت تهدف إلى شل القوى الدافعة لمجتمع ديموقراطي وحر، ضدا على الأصوات التي خصصت حيزا مهما من انشغالاتها لقضية الحريات العامة و”دمقرطة” الحياة السياسية والتي كانت تنادي بضرورة التكريس القانوني للحريات الفردية..

أما نحن، ورغم اشتداد وتيرة القمع والهجومات والتضييق، لا نُخضِع حقوق الانسان وحرية الأفراد للمقايضات السياسية ولا نساوم في القضايا التي تهتم باحترام حقوق الإنسان.

عثمان زويرش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.