علم الصحة النفسية ومناهجه

علم الصحة النفسية:
إن ما يتميز به عصرنا الحاضر من التعقيدات الشديدة، المتغيرات السريعة، التوترات والضغوطات النفسية وطغيان الجانب المادي على حساب القيم الإنسانية والمعايير الاجتماعية، يشكل أرضية خصبة في زيادة الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية والانحرافات السلوكية في مجتمعنا، لذا فعلم الصحة النفسية – كما أشرنا إلى ذالك سلفا- يهم كل إنسان في المجتمع ،وسعيا منه للوقايته من مظاهر الاختلال في الصحة النفسية، وتشخيصها وعلاجها ، وبالتالي تحقيق الرغبة و الاستمتاع بالحياة، الشعور بالرفاهية والسعادة، وكذا تحقيق أهداف إيجابية في عملية الإنتاج و تطويرها في جميع المجالات. لكن تحقيق الصحة النفسية ليست حالة ثابتة (ستاتيكية ) بل هي حالة متحركة نشيطة (ديناميكية ) ونسبية، تتغير من فرد إلى آخر حسب صفات كالقامة مثلا ، الذكاء،الاندفاع، السيطرة و الخوف …إلخ، كما يمكن أن تتغير حسب الزمان والمكان ، لذا فمن الخصائص المهمة التي تتميزبها الصحة النفسية أنها ذات دوام نسبي وأن مؤثراتها تتغير تبعا لعدة متغيرات وهو ما يقوم بدراسته علم الصحة النفسية.
علم الصحة النفسية إذن هو الدراسة العلمية للصحة النفسية ولعملية التوافق النفسي، وما يؤدي إليه وما يحققه نظريا و تطبيقيا .فالجانب النظري العلمي يتناول موضوعات كالدوافع والحاجات الشخصية ،وأسباب الأمراض وأعراضها والحيل الدفاعية ، كما يقوم بالدراسات والأبحاث العلمية في موضوعات الصحة النفسية ،وتوعية أفراد المجتمع وتصحيح مفاهيمهم الخاطئة المتعلقة بالصحة النفسية . أما الجانب التطبيقي العملي فيتناول الوقاية من الأمراض النفسية وتشخيصها وعلاجها . و لكي يكتمل الجانب النظري والتطبيقي في علم الصحة النفسية لا بد من الإلمام و الإعتماد على مدارس علم النفس بصفة خاصة و ارتباطها بالعلوم الإنسانية الأخرى بصفة عامة .
مناهج تحقيق الصحة النفسية:
إن التحول الذي شهده العالم في الآونة الأخيرة و تطورمناهج البحث العلمي وخاصة في العلوم الإنسانية، أدى إلى تشكيل إتجاهات علمية وعملية في النظر إلى الصحة الفرد بصفة عامة و الاضطرابات النفسية والعقلية بصفة خاصة. وهكذا أصبحت الصحة النفسية قابلة للبحث العلمي أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي قطع الطريق على المشعوذين ورجال السحر والمنجمين.
يتبع و يعتمد الباحثون و المتخصصون في مجال الصحة النفسية على ثلاثة مناهج رئيسية ومتكاملة لتحقيق أهدافهم، ويمكن لنا إيجازها في ما يلي :
1- المنهج الانمائي:
يصطلح عليه كذلك المنهج البنائي أو الإنشائي، يتضمن هذا المنهج الإجراءات التي تهدف الى التعامل مع الاسوياء بقصد الوصول بصحتهم النفسية إلى آقصى حدودها الممكنة خلال رحلة نموهم العمرية، والأخذ بأيديهم حتى يتحقق الوصول إلى أعلى درجات الشعور بالسعادة، الكفاءة، والرضا عن الذات وعن الأخرين. ويمارس هذا المنهج – في غالب الأحيان – في مجال الأسري، المدرسي و المهني، متبعا أساليب علمية، تربوية وترفيهية متنوعة . إن هذا المنهج ما هو إلا توظيف ما لدينا من المعارف حول الصحة النفسية كمدخل رئيسي لتحسين ظروف الحياة اليومية في البيت المدرسة والعمل والمجتمع …إلخ، و العمل على تنمية المواهب والقدرات والميول والاستفادة منها في العمل والإنتاج بما يعود على الفرد المجتمع إيجابيا .
2- المنهج الوقائي:
ويطلق عليه كذلك منهج التحصين النفسي، وهو يتمثل في مجموعة من الإجراءات الوقائية التي يبذلها المتخصصون في مجال الصحة النفسية للحيلولة دون حدوث الاظطرابات النفسية الناتجة عن سوء التوافق، والتي تؤدي بدورها إلى ظهور الأمراض النفسية، وكذلك العمل على تجنب وتجاوز العوامل التي تساعد في ظهور الأمراض والأظطرابات العقلية . ويمكن لنا إختصار هذه الإجراءات الوقائية في ثلاثة :
– الإجراءات الوقائية الحيوية التي تتضمن الإهتمام بالصحة العامة نفسيا وفسيولوجيا.
– الإجراءات الوقائية النفسية وتتضمن رعاية النمو النفسي السوي ونمو المهارات الأساسية والتوافق الأسري والمهني والمساندة أثناء الفترات الحرجة وذلك بتعزيز الظروف والفرص المهيئة للتطور النفسي السوي وعوامل الأطمئنان والأمن.
– الإجراءات الوقائية الاجتماعية و تقوم بها الأسرة بالدرجة الأولى باعتبارها المسؤولة والنواة الأولى والأساسية في المجتمع، كما تتضمن إجراء الدراسات والبحوث العلمية وعمليات التقويم، التوجيه، المتابعة والتخطيط العلمي، كما تلعب التوعية الإعلامية في وقتنا الحاضر الدور الرئيسي في هذا الصدد.
إن هذا المنهج يستهدف في غالب الأحيان الأسر المفككة، المتأخرون دراسيا، المعاقون، الجانحون، العاطلون عن العمل … إلخ، وكل الذين يعانون من الضغوطات و الأزمات والإحباطات في وقت مبكر. حيث يعمل الباحثون و المتخصصون على تقديم المساعدة لهم لتخليصهم وحمايتهم من الانحراف .
3-المنهج العلاجي:
يهتم هذا المنهج بالمصابين بالإضطرابات والإنحرافات والأمراض النفسية والعقلية، بالوقوف على أسبابها وتشخيصها و بالتالي علاجها وفق برامج وخطط علمية وعملية، بهدف العودة بهم إلى الحالة التوافق النفسي، تنمية ما لديهم من قدرات واستعدادات والتقليل من انتشار الانحراف، تخفيف من مستوى القلق والتوتر و إيقاف التدهور إلى أقل حد ممكن. ولتحقيق هذه الهداف يستوجب توفير المعالجين، المراكز، العيادات النفسية كالطب النفسي، العلاج النفسي والارشاد النفسي، المصحات الخاصة والمتخصصة في الإدمان والأمراض السيكوباتية مثلا .
وعلى ضوء الطبيعة التكاملية للمناهج الثلاثة والخدمات التى يقدمها كل منهج على حد، يتبين أنه يحتاج إلى متخصص مهنيا ولديه خبرة ومهارة فى التشخيص والعلاج والتخطيط والتنفيذ والتقويم. ويبقى المنهج العلاجى أكثر المناهج تكلفة فى الوقت والجهد والمال ، كما أن نتائجه تتحقق بدرجة عالية إذا ما تمت بطرق علمية سليمة.

ترقبوا الحلقة الأخيرة في مجال تحديد المفاهيم النظرية للصحة النفسية ” الصحة النفسية و مدارس علم النفس ”.

للتواصل :

besp-akrouh@Hotmail.com

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.