«علماء الأمة» والأزمة السورية: اختلال التوازن.

ذ.خالد العسري

ما زلت مشككا إلى هذه اللحظة في توقيع أسماء علمية وازنة عرفت برجاحة عقلها، وسمو نظرتها، وعمق فقهها، وسابقة جهادها، وعلو هاماتها وهممها عن الحسابات القُطرية أو الفئوية أو السياسية الضيقة على البيان الذي يخص الأزمة السورية الصادر عن تجمع القاهرة يوم الخميس 13/6/2013، ولذلك أرجح أن الأسماء الواردة فيه إنما تمت عبر عملية “النقل واللصق” الحاسوبي لكل الذين وقعوا على البيان المتزن والممتاز الذي صدر في 7 فبراير*2012، أو أن البيان وقع بتفويض على بياض لثقةٍ في المشرفين عليه، أو بعرضه سريعا وعدم فتح باب النقاش الموسع لما جاء فيه.

لقد كتب البيان بنفس طائفي يتناقض مع خطاب الوسطية الذي عرف به الكثير من هؤلاء العلماء، كما ابتعد كليا عن المباني التي كتب بها بيان فبراير 2012 المشار إليه آنفا. لذلك لا يسع المرء إلا أن يختلف مع الكثير من مضامينه، مورِدين أهم مسوغات هذا الاختلاف في الآتي:

1. أول ما يثير قارئ بيان القاهرة نسبته إلى “علماء الأمة”؟ هكذا تم الحسم ببساطة في كون هذا تجمع القاهرة هذا يمثل كل علماء الأمة؟ فوفق أي مسطرة تمت هذه التمثيلية؟ ومن فوض؟ وكيف فوض؟ وما نسبة تمثيلية كل دولة؟ وعلى أي معيار كانت التمثيلية؟ وهل الأسماء المغربية السبعة المذكورة في البيان مثلا هي من تمثل كل القطر المغربي؟ وكيف وقع اختيارهم؟ ولماذا أقصي غيرهم…؟ أم أن العنوان فقط صناعة إعلامية أرادت أن يلاقي هذا البيان من القبول الشعبي ما لم يكتب لغيره؟ وإلا فإن بيان فبراير 2012 تمت عنونته هكذا: “107 من علماء الأمة يصدرون بيانا وفتوى بشأن أحداث سوريا”، من خلال حصر نسبة البيان في لائحة أصحابه بأسمائهم. فأية سياسة سعى هذا الإعلام إلى خدمتها؟

2. أكثر الكلمات حضورا في البيان هي “الطائفية”، فقد تكررت فيه تسع مرات، وهي تشكل الكلمة المفتاح الرئيسية في فهم البيان وما خلص إليه من نتائج. فقد تم التأكيد على كون النظام السوري طائفيا، وشبيحته المناصرين له طائفيين، ونصرة إيران وحزب الله بداعي الطائفية. ولعل هذا التوصيف له مسوغاته من الوقائع التي لا يمكن التعامي عنها، بل تذكيها المشاهد التي تنقل من أرض المعارك الطاحنة، والتي يظهر بعضها الأحقاد الدفينة التي يواجه بها أهل السنة. كما سعرها تخندق “حزب الله” في مهمة قذرة داعمة ليزيد سوريا ضد الأحرار والحرائر من سوريا. لكن هل تختزل الطائفية كل الأزمة السورية؟ هل ينبغي جعلها العنوان الرئيس لكل هذا الاقتتال المدمر؟ هذا ما ذهب إليه البيان وما نختلف حوله بقوة.

3. نختلف لأننا نعلم أن الطائفية هي رداء ديني يغطي حقائق الأزمة السورية وأسبابها.وإنما الكلمة المفتاح لمبتدإ الأزمة وتطوراتها هي “البغي” بالمعنى الذي ورد في قوله تعالى واصفا حال أهل الكتاب من قبلنا: “وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ” [الجاثية: 17].

وقد ذهب جل المفسرين في تفسير باعث البغي الوارد في الآية بطلب الرفعة والرئاسة، لا النزاعات الدينية.وإنما مبعث الأزمة السورية ومبتدأ أمرها بغي النظام السوري، ورفضه الاعتراف بأحقية الشعب في اختيار منظومة الحكم التي يريدها، والحكام الذين يختارهم طوعا لا قسرا أو تزويرا لإرادته.

4. نختلف لأن البيان اعتبر “ما يجرى في أرض الشام من عدوان سافر من النظام الإيرانى وحزب الله وحلفائهم الطائفيين على أهلنا في سوريا يُعد حربا معلنة على الإسلام والمسلمين عامة”، فهذه دعوى تكفيرية مطلقة تجاه النظام الإيراني، وحزب الله، وسوريا، ومسوغ محاربتهم هو كفرهم، لا مساندتهم لنظام باغ مستبد وحشي.

وهي دعوى خطيرة تقسم المجتمعات على امتداد خارطة العالم الإسلامي بحسب الانتماء الطائفي، وتنذر بحرب لا هوادة فيها بين أبناء القبلة الواحدة.

ولا ندري كيف تم الانتقال من دعاوى التقريب إلى دعاوى التكفير في أول منعطف؟ وإن ثبتت حقا طائفية النظام السوري وداعميه، فلا يلزم أهل السنة أن يكون فعلهم رد فعل، ولا أن يجيبوا على الطائفية بطائفية، ولا أن يستجيبوا لتحويل الثورة من مطلب الحرية وقهر الاستبداد، إلى مطلب الدولة الإسلامية وقهر الشيعة. فقد كان الأولى في كل ذلك ترك دعوى الطائفية فإنها أكثر من منتنة، ولن ترحل حتى تترك الأمة جيفة.

5. نختلف لأن البيان جعل المعركة في سوريا معركة مجاهدين ضد الكفر، والغاية الانتصار لدولة الإسلام. والناس في سوريا – أو غيرها من دول الربيع – إنما خرجت انتصارا للحرية، وليس مطالبة بالشريعة الإسلامية. لذلك فإن المطلوب دعم الشعب السوري بكل مكوناته لينال حريته، ويترك له بعدها حرية اختيار مرجعية حكمه.

6. نختلف لأن هذا البيان الذي وسم النظام السوري بالطائفية، وحتم على “الثوار والمجاهدين في سوريا خصوصاً ضرورة رجوعهم جميعاً عند التنازع إلى الكتاب والسنة والتسليم لحكمهما”، انقلب كليا على خطاب البيان الأول لفبراير 2012 الذي انعدمت فيه بشكل كلي أي ذكر للطائفية، بل أهم ما نعت به النظام السوري هو الاستبداد.

كما أنه كان واعيا بالاختلافات العميقة بين مكونات الشعب السوري لذلك لم يلزمهم بمرجعية محددة، بل انتصر لقيم مشتركة، وهو ما حدا به إلى دعوة الثوار إلى “توحيد صفوفهم، والتسامي عن أية خلافات جانبية حاضراً أو مستقبلاً، وأن يعقدوا النية الصادقة على أن يبنوا دولتهم القادمة على أساس العدل وحفظ الحقوق و الحريات، وإقامة المؤسسات التي تحفظ وحدة البلد ومصالحه. وعليهم أن يحافظوا على حقوق الأقليات الدينية والعرقية”، وهو ما يؤكد أن البيانين وإن صدرا تقريبا عن نفس الجهات، فقد كتبا من محبرتين مختلفتين

7. نختلف لأن التأكيد على أن مسوغ جهاد ومقاومة النظام السوري هو طائفيته لا بَغيُه له نتيجة خطيرة. فهو يوحي أن الخروج على الحكام لا يجوز إلا لكفرهم لا بسبب استبدادهم. وهي منظومة فقهية استوطنت عقودا من الزمن فقهنا السياسي وكبلت الأمة دون المطالبة بحريتها، حتى إذا أزهر ربيع الشعوب العربية وأعاد الأمر إلى نصابه، رجع مثل هذا الفقه الثاوي في سطور البيان ليعيد ساعاتنا إلى عقارب الاستبداد التي حكمتنا تاريخا مديدا لا مجيدا.

8. نختلف لأنه بسبب هذه الرؤية الممجدة لفقه الأحكام السلطانية كانت رقة الخطاب تجاه الأنظمة الحاكمة، ومطالبته “حكومات العرب والمسلمين ومجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بالوقوف الموقف الحازم ضد النظام الطائفي المجرم وسرعة إغاثة الشعب السوري وثواره”.

ومتى انتظرت الشعوب من هذه الأنظمة دعم المجاهدين؟ ومتى انتفت العلة التي جعلت أحرار الأمة يتخذون مواقف متصلبة مما سمي “معسكر الاعتدال” إبان الهجمة الصهيونية على غزة؟ هل انتفت لتحصل الدعاية لهذه الأنظمة؟ هل تخلت عن تبعيتها للاختيارات الغربية ومهادنة الكيان الصهيوني؟ نقول ذلك ونحن نعلم أن الدول العربية تقترح اليوم مبادلة الأراضي الفلسطينية مع أراض لكيان صهيوني لا يملكها أصلا؟ فهل هذا معنى التحرير ومساندة الشعوب في قاموسها؟

9. أفتى البيان “بوجوب النفرة والجهاد لنصرة إخواننا في سوريا بالنفس والمال والسلاح وكل أنواع الجهاد والنصرة”. فالبيان تعامل مع المسلمين باعتبارهم أمة واحدة غير مجزأة أقطارهم، بينما حين يعود كل فقيه مُوقع على البيان إلى وطنه فإن مثل هذه التوصيات تجف فورا حيث لا اعتراف إلا بسيادة الدولة، ولا احتكام إلا لقوانينها.

فهل ننتظر ممن وقع من “حركة التوحيد والإصلاح” المغربية مثلا القدرة على تجنيد إخوانه وغيرهم للجهاد في سوريا، أم أنه يعلم استحالة الأمر لمناقضته لتشريعات الدولة

10. حض البيان على الجهاد، ودعا إلى النفير العام، وكأن الناس جميعهم يتقنون فنون القتال. أو كأننا نعيد تجارب تاريخية كان حَسْبُ المرء فيها أن يتشح بسيفه، ويركب فرسه ليصبح مجاهدا مقاتلا. يا سادتي حروب اليوم هي غير حروب الأمس.ولذلك جعلت كل الدول لنفسها جيوشا حرفتها القتال.

فلماذا يتم تعبئة الشباب لمغادرة الأوطان، ودفعهم إلى أتون حرب عاتية وهم لم يروا السلاح إلا عبر شاشات التلفاز؟ لماذا نصم الآذان عن مطالب ثوار سوريا كون الرجال لا ينقصونهم، وإنما ينقصهم العتاد لمواجهة حزب مقاتل محترف، ونظام لا يرعوي حتى عن استعمال السلاح الكيماوي ضد شعبه

11. كان لا بد على الأقل من دفع ” حكومات العرب والمسلمين ومجلس التعاون الخليجي ” لفتح مراكز تدريب عسكرية للشباب، ومن رفض أفتي كونه من أنصار النظام الطائفي البعثي! على الأقل حينها سنضمن أن الشباب لن يذهبوا متسللين، ولن يقاتلوا عدوهم جاهلين بتقنيات المواجهة الحربية. كما نضمن أساسا أننا لن نعيش جحيم محاكمة “العائدين من سوريا”، حيث تلحقهم أهوال ما لحق “العائدين من أفغانستان”.

12. تواطأ البيان عن غير قصد في تحقيق طموحين قديمين للقوى الغربية؛ أما الأول فدعوته إلى إحكام الحصار على الاقتصاد الإيراني المحاصر أصلا، وأما الثاني فصمته الكلي عن جرائم الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين. ونحن نعلم أن إيران جعلت الملف السوري من عناصر أمنها القومي، والكيان الصهيوني بدوره يعلم تأثيرات الملف السوري في أمنه. وكل منهما يعمل وفق رؤيته الاستراتيجية اتفقنا معها أو اختلفنا.

ما يغيب هنا هو الرؤية الاستراتيجية لمواجهة الأزمة السورية بكل تعقيداتها وتداعياتها، وهو أمر أكبر من أن يحل بمجرد .. فتوى قتالية.

13.قام البيان بتجزئة الواقع المرتبك والمعقد، وأخطر ما فيه أنه جعل إيران وحزبها في لبنان أخطر تهديد للأمة المسلمة، وهو تهديد متوقع ومحتمل لكنه لا ينبغي أن يفوق تهديدا حالا وواقعا من طرف الكيان الصهيوني كما تم النبش في عقائد الشيعة وكأن علماءنا يكتشفونها لأول مرة، أو كأن من يتحرك في الساحة السورية لا تحركه إلا نوازع مذهبية؟ فكأن الرئيس الصيني تم استقطابه من قبل “الملالي”، أو كأن فلاديمير بوتين إمامي اثنا عشري.

أو كأن هولاند متبع للفقه الحنبلي، وأوباما درس كتب الشيخ خليل المالكي؟ وإنما الحرب لبست لبوسا طائفيا لتخدم أهدافا سياسية محضة، نازعة عن الثورة السورية كونها ثورة حرية ابتداء.

14. يلاحظ في التعامل الغربي مع الملف السوري آنيا التوجه إلى اختيارين: اختيار الذهاب إلى مؤتمر جنيف الذي يبحث عن إعادة ترتيب الأزمة كليا من خلال البحث عن حلول وسطى، أو الاستعداد لحرب شاملة ضد سوريا وحلفائها المنبعثة من مناورات “الأسد المتأهب”. وفي كل السيناريوهات نجد ثابتا لا يتزعزع، وهو ما أكده مؤخرا كل من رئيس الوزراء البريطاني دافيد كامرون ورئيس روسيا بوتين في مؤتمرهما الصحفي.

وكلاهما، ومن وراءهما، أو معهما يسعون لتسليح المعارضة التي يختارونها من أجل تطهير سوريا ما بعد نظام الأسد من هذه الجماعات، وهو ما يعني أن القتال مستقبلا سيتحول من عنوان الطائفية إلى عنوان الحرب على الإرهاب. وهو أفق يبدو غير بعيد.

فماذا يقترح البيان غير الذهاب إلى أقصى الحدود في حرب طائفية شعبية لا تنتهي إلا بما هو أكبر من انهيار النظام السوري. وهي خدمة أهداف جهنمية ثلاثة عن غير قصد، وتتمثل في: انهيار الدولة السورية كليا، ثم قيام حرب بين أمراء الحرب تختلط عباءاتها وعناوينها، ثم جر دول الخليج إلى حرب مفتوحة مع النظام الإيراني وما يعنيه من إنعاش للاقتصاد الغربي ببيع خردته العسكرية، وتحقيق للأهداف الغربية العسكرية بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وصناعة شرق أوسط جديد لا يملك فيها أجيال العرب اللاحقة إلا تجرع ذكريات مآس تاريخية صنعوها بأيديهم.

15. أما من سأل عن البدائل فإني أنتصر لتوصيات مؤتمر فبراير 2012، ومن قال أن البيان حينها لم يستوعب التحولات اللاحقة على الأزمة السورية بعد تدخل “حزب الله” السافر على الخط، فقد أفردت للوقائع مقالا مستقلا*، والأهم في كل الملف السوري أن تحكمه رباعية أن:

‌أ. مبتدأ الثورة السورية هو مطلب الحرية، والمقصد هو بناء دولة وطنية تسع الجميع، وتمنح كل المواطنين حرية اختيار نموذج دولتهم عبر انتخابات تنتصر لسيادة الشعب.

‌ب. الاصطفاف في سوريا يقوم على أساس من يدعم استبداد نظام الأسد ومن يقف ضده، لا على أساس طائفي أو انتصار لاختيار فقهي، أو توجه إيديولوجي.

‌ج. القرار يجب أن يظل بيد السوريين في اختيار أشكال مقاومتهم لنظامهم الوحشي، وإنما المطلوب دعم اختياراتهم، وقبلها وأهمها دعم استقلالية قرارهم.

‌د. أهل العلم يجب أن لا تبتلعهم التفاصيل، وأن يرصدوا كل شظايا المشهد الإقليمي. وأن يظلوا ملاذ الأمة وضميرها الذي لا يساوم. وأن لا يسعروا حروبا طائفية ليست هي ما ينقصنا، وأن تسع نظرتهم الإنسانية جمعاء، فما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلا للناس جميعا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.