عطالة

حذره مجدي، حذره في كل مرة التقيا فيها، لكنه قلل من شأن الأمر في كل مرة،كان يقهقه بثقة ويجيب: “النساء في الدنيا بقدر الأرقام، تذهب واحدة وتأتي أخرى،ومن يدري، قد يأتي الزمن بأفضل منها”، لكن دواخله كانت تخفي ألما مريرا، أيام عطالته الأولى كانت مختلفة قليلا.كان يقهقه بثقة وبمحصلته جواب لكل سؤال. يتطلع إلى تلفاز المقهى على يساره، ينظر إلى المارة ثم إلى مجدي، يشعر بنظراته تحاصره، تفتح أقفال أسراره وتنفد إليها، كانت تختلط مشاعره تجاه مجدي كلما التقيا، يشعر بقربه منه كثيرًا ويفتقده كثيرا، تملؤه الرغبة في امتلاك ثقة مجدي، لكن مجدي كان يخفي الكثير. عندما تدور الخمرة برؤوس الأربعة ينزوي مجدي في ركن البيت، يضم يديه إلى صدره، ويراقب عمر وخيري يقهقهون، يروون نكات بذيئة ويضحكون كما لايضحك غيرهم… نكا ًت لم تضحكه يوما، لكنه جارى في كل مرة مزاج الاثنين، يقهقه في حضرتهم حتى يتعب فكاه، تمنى لو امتلك روح الاثنين العابثة، روح خيري مثلا… حتى عمر لا يضحك كما يفعل خيري…كانت تظهر جذور أنيابه المتأكلة مع الكأس الثالثة أوالرابعة، ومع توالي الكؤوس يضحك، يتعب قعود ًا فيميل على جنبه مقهقها حتى تبتل عيناه دمعا، ثم يسرع إلى النافدة ويمناه على قلبه، يتكئ على حافتها قليلا، يتنفس فتبدوا كتفاه كردفي دب عندما تمتلئ رئتاه هواء، ثم يعود، ويجلس، ومع أول كلمة يقولها يبدأ مسلسل ضحكه من جديد.
عندما سأل مجدي عن دواعي ضحك خيري أول مرة، وكعادة مجدي عندما يريد أن يعطي المحادثة نفسا حكيما، مال إلى الأمام ونفث دخان السيجارة جانبا، وقال: “الخمر عزاء”.
قطب جبينه مشجعا مجدي على الكلام، فأكمل مجدي: “عندما يرشد الناس يعرفون الكثير، يعرفون مثلا أنهم أصبحوا أنقاض أحلام سعيدة، يُعذبهم أن يروا غيرهم في أماكن أرادوها لأنفسهم ولم يتملكوا نفس الاصرار وقتذاك لملاحقتها، فتركوها، وتابعوا الحياة إلى الأمام في عمىً تام، لاحقوها في دواخلهم، تأملوها كل يوم وهي تبتعد، فتعسوا بذلك سرا، وضحكوا في وجوه زوجاتهم وأطفالهم وعملوا بكد لملء بطونهم، ووجدوا في الخمر عزا ًء، فشربوا وبكوا، خيري لا يضحك يا صديقي، إنه يبكي.”أخبره بعد ذل كأن خيري كان يريد أن يصبح بنكيا، لم يتمكن من استكمال دراسته فعمل مع نجار بالحي حيث يقيم أهله لوقت قصير، ثم غادر المدينة لست سنوات، وعندما عاد تزوج، عمل نادلا، لكن لم تسعفه سمنته، فترك المقهى وعندما مات أبوه اكترى محل بيع السمك حيث يعمل منذ ثلاث عشرة سنة.
بعد ذلك بيومين وعندما ثمل الأربعة أخد مجدي مكانه عند ركن البيت، بينما أعاد الاثنين ذكر نكاتهم وضحكوا، عندما صب له خيري كأسه الثالثة قرص كتفه ثم قال له مشجعا: “شاركنا ولا تفعل كما يفعل ابن الزانية ذاك” قال ذلك ثم أشار إلى
مجدي قبل أن يضيف مقهقها: ” مسكين مجدي، لقد غرقت آخر شحنه من السيكار الفاخر في البحر”، فضحك خيري بينما نظر إليه ثم إلى مجدي، لاحظ وجوم الاثنين قبل أن يسكب كأسا رابعة وهو يغمغم: “تعساء ملاعين”. شرب كثيرا، شرب معظم ما أحضروه، وعندما اكتفى اتكأ الى الخلف، مرر يديه على بطنه الممتلئ خمرًا ثم تأمل قناني النبيذ الرخيص الفارغة وبكى، ثم انحنى إلى الأمام واضعا مرفقيه على ركبتيه. مرر يديه على رأسه الأصلع، شابك أصابعه خلف رأسه المنحني بندم وبكى. شعر بألم خيري يخِز قلبه، نهض بتثاقل، حمل جاكيته الجلدي بيسراه، تأمل مجدي وهو يربت على كتف خيري مواسيا، ثم غادر.
عندما فتح قفل باب المنزل وراءه مغادرا شعر بالبرد، عطس مرتين أو ثلاثا، لفّ ياقة جاكيته حول عنقه بإحكام وحث خطاه “لم بكى خيري؟” تأمل تقاطع الشارع أمامه وتنهد “الناس تبكي عندما تتعب بالصراخ في دواخلها ولا من مصغٍ”.

عندماوصل إلى البيت أنار ضوأه، تأمل فراشه الوحيد بالركن الأيسر، كل شيء كما تركه، قنينة الغاز المزينة ببقع المرق من طبخ أمس، كوب الشاي الممتلئ قعره أبدا، ومنفضةالسجائر…وأشياء أخرى، شعر بالإحباط، تمنى في قرارة نفسه لو عاد يوما ووجد كل أشياء بيته قد اختفت، رفع مرآة الحلاقة الصغيرة نحو لمبة الانارة وتأمل وجهه “هه، كلشيء في مكانه”، قال مازحا ثم قرّب المرآة من وجهه وغمغم “آه احمرار يعلو أرنبة الأنف،أعراض زكام بغيض”، عليه أن يبحث من غد عن ثمن الدواء، وضع المرآة بضجر ثم أغلق باب البيت وراءه،”الرتابة شعور مقيت، أن يستيقظ الانسان كل يوم، ويفطر،ويخرج برزمة شواهده بحثا عن عمل حتى يتسنى له أنيبكي كما يفعل خيري، ويعود في المساء بجبة خيباته ليؤنس وحدة مجموعةمن الكهول السكارى المحبطين.” تداركته أفكاره الحكيمة فأكمل:”يُحبطُ الناس فيتعلقون بأشياء وببشر لا يهتمون لحضورهم كثيرا، ربما لأنهم أصبحوا جزءا من روتين فقط، ربما.”أدرك أن نهاية أفكاره مع نهاية اليوم تصبح أكثر مرارة، لكنه لم يكترث، بل أضاف: “وبعد كل هذا، أليس ذلك سر جاذبية الرتابة؟ هه، مرساة في بحر”.

تذكر ليلته الأولى برفقة صحبته الجديدة، أخذه مجدي معه عندما أخبره أن كل جهوده في البحث عن عمل باءت بالفشل على سبيل التخفيف عنه من مصابه.  كرر عمر كلمات الترحاب به مع كل كأس صبه له، بدا مجدي متجهما كالعادة، رفض أن يقول أي شيء، بعد بضع كؤوس قاطع خيري ضحكه المعتاد وقال له وعلى وجهه سمات أب نصوح: “إن كنت تبغي السعادة فاترك الكأس وزمرة أبناء الزنا هؤلاء.” قال ذلك وأشار الى عمر ومجدي، قهقه الاثنان، بينما أكمل خيره نُصحه: “ابحث عن شيء تحبفعله، اصبر قليلا على عوادي الدهر، وستستيقظ يوما وإلى جانبك ما ومن تحب.”
“اترك الرجل” صاح عمر مقاطعا “أنّى هو مما ومن يحب”. وعندما لعبت الخمرة برأسه حدثهم عن الكثير، عن أشياء أراد قولها وأخرى كانت سرا، وحدثهم عن ليلى… كيف كانا حديث الجزء الآخر من المدينة، وكيف تقرب منها، وكيف أصبحت ذكراها حلما جميلا يبتعد عنه كل يوم.
زاغ عن طوق الطريق يوم تركته، عندما تأمل عقبها وهي تبتعد رأى كتاب مصيره يُفتح أمامه، رأى كل أحواله كما يعرفها اليوم،لكنه اختار ألا ينظر خلفه أو هو أمامه، لم يعد يدري. أخرج آخر سجائر يومه من جيبه، فقد تعلم عدها منذ أيام عطالته الأولى، ثلاث في الصباح، واحدة بعد الغذاء، وثلاث في المساء، وقد يبلغن الخمسة إن تمكن من توفير ثمن القهوة في حال ما التقى بصديق قديم سخي كمجدي مثلا.
تأمل عقب السيجارة الأشقر وابتسم ببرود. اختلط صرير رحى القداحة بأول دخان تبغ يلج خياشيمه. ” هكذا يبدأ المدخنون إذا، يتعبون من الحياة، فيبحثون عن غيرها بشرب الدخان ونفثه”، اختنق، سعل، جفّ حلقه قليلا فبلع ريقه، ضايقه دخان السيجارةفي يسراه فأرخاها حتى لامست رجل الكرسي الخلفية، مدد رجليه إلى الأمام ثم تأمل شباك البالكون على بعد خطوات منه يبتل بهدوء:غمغم بدون اكتراث واضح: “فجر ماطر تعيس”ثم أخد نفسا ثانيا، ضايق الدخان رئتيه فنفثه بعصبية، شعر بحلقه يزداد مرارة وجفافا فاستعذب ذلك.

عبد الباسط منادي إدريسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.