قراءة فنية: عصامية “ميلوديا المورفين” نقطة ضوء في ليل المهرجان الوطني للفيلم

بينما تسير الدورة 17  لمهرجان الوطني للفيلم بطنجة الى ان تلفظ انفاسها الاخيرة، ما زالت تتوالى على شاشة العرض بسينما “روكسي” افلاما باهتة،  يشعر أمامها المشاهد بالملل واحيانا بالمغص، مما يجعل العديد منهم ينسحبون قبل نهاية العرض.

لكن فيلم المخرج الشاب هشام أمل “مليوديا المورفين” ربما كان الاستثناء الذي كسر القاعدة، أو ربما من باب الانصاف ان نقول كان من الاستثناءات القليلة في دورة هذه السنة لمهرجان الفيلم الوطني بطنجة، حيث نال اشادة من شاهده، حتى وان لم تكن اشادة كاملة إلا أن ثمة اجماع أن فيلم هشام امل انقذ المشاهد من تخمة الرداءة التي خيمت على المهرجان.

فيلم هشام أمل يحكي قصة مؤلف موسيقي شاب تعرض لحادثة سير فقد على اثرها ذاكرته، وبعد مرحلة استشفاء بدأ يسترجع ذاكرته شيئا فشيئا، إلى أن استرجع كل شيء إلاّ موهبته الموسيقية، ولم يعد يتذكر شيئا عن النوطات التي كان يؤلفها، هاجرته موهبته الموسيقية مثلما هاجرته حبيبته نوال التي مدّ لها اليد، ولحن لها اغانٍ رفعتها الى منصات الشهرة، غير ان الحبيبة ستتتنكر له بعد أن فقد حسّه الموسيقي، وبل حاولت النيل منه والتهجم عليه عبر وسائل الاعلام، ووصفته بالفاشل…

هجران الحبيبة كانت طعنة جارحة في قلب البطل “سعيد الطاير” الذي أدى دوره الممثل هشام بهلول باقتدار، غير أن الطعنة القاتلة هي عدم تمكنه من استرجاعه حسه الموسيقي، وعدم قدرته على التأليف من جديد، الى درجة جرّب الانتحار هروبا من نضوب قريحته الفنية، غير أن كل محاولات الانتحار باءت بالفشل، فعندما قرر أن ينتحر قفزا من أعلى بناية لم يمت، بل اصيب فقط، واثر فشله في الانتحار سيرمي بجملة على المشاهد ينصحه فيها قائلا:” اذا اردت الانتحار اختر بناية عالية”.

“سعيد الطاير” لم تكن معاناته مع ذاكرته فقط، بل إن الحياة  أغدقت عليه كل أسباب الالم والحزن، بعد استرجاع ذاكرته، وهو نزيل بيت متواضع، سيتفاجأ يوما بطرد ادارة المستشفى لوالده الجندي المتقاعد المريض بالسرطان، وتم ايصاله الى غرفة ابنه المهترئة وعاد الطاقم الذي ارسله تاركا اياه في عهدة ابنه الذي يعاني الامرين. كان والد سعيد يعيش بالمهدئات، بدونها يظل يصرخ بصوت عال من الالم وبشكل مسترسل ترتج له جدران البيت المتواضع. عندما أوتي بوالده كانت علبة حبوب “المورفين” ما زالت تخفف المه وتبعده عن الانين، بيد أن بعد استنفاذ محتوى علبة الدواء، لم يستطع سعيد أن ينجح في توفير الدواء لوالده، فصار استرسال ضراخ الالم الفضيع جزءا من بؤس البيت المتواضع وجزءا من حياة الالم لسعيد الطاير..

ورغم كل هذا الألم والبؤس، لم يفتر في سعيد طموح العودة الى الابداع، ظل يحاول ويقاوم ويلح، إلى أن عادت اليه ذاكرة الالهام الموسيقي وهو يمرر يده على جسد والده الذي يتضور ألماً ومغصاً، كانت صرخات الاب والمه الفضيع سبيل سعيد لاستعادة حسه الموسيقي، وصار سعيد “سادياً” يغرف من ألم والده نوطات سمفونيته المشتهاة…

اشتغل الفيلم  على تيمة “علاقة الألم بالابداع” وحاول المخرج أن يرتاد خلالها افاق التجريب، ويتمرد على خطية السرد، فجاء الفيلم على شكل لوحات، كل لوحة تاخذ عنوانا معيناً، تمنح للمشاهد قدرا من المعطيات حول حياة البطل، كما تسافر بالمشاهد عبر مناظر بسيطة لكنها ساحرة، مطعمة بتنوع موسيقي يمتح من كل الالوان الموسيقية العالمية من معزوفات موزار وبيتهوفن … إلى اغاني ناس الغيوان، كما ظهرت من الخلفيات التي أثثت مشاهد الفيلم استحضار لرموز الادب والموسيقي والتشكيل العالمي الذين نسجوا من المعاناة تحفاً نادرة، يحضر بيتهوفن وموزار وبيكاسو وسالفادور دالي وشارلي شابلن ومحمد شكري والشيخ امام احمد فؤاد نجم ناس الغيوان…

رغم أن الفيلم انتابته بعض الهنات، و بدت بعض لقطاته ومشاهده وكأنها لا تخدم موضوع الفيلم بشكل اساس، بقدر ما هي حشو واستطراد لا طائل من ورائه، بيد أن ظروف انتاج الفيلم، وقصة تحوله من فيلم قصير الى فيلم طويل، والتغيير الذي طرأ على السيناريو لأكثر من مرة قد تشفع له هذا الحشو، أضف الى أن المخرج اعتمد على مجهوداته الذاتية، حيث اعتمد على تمويل ذاتي ولم يتلق اي دعم من المركز السينمائي.

إن المخرج الشاب هشام أمل، بدا في هذه الفيلم في أول تجربة له يتكئ على خلفية ثقافية وسينمائية توجه عمله وليس مجرد لعب بالكاميرا كما يفعل بعض المخرجين، فاحيانا تطل سينما “غودار” من من بين ثنايا لوحات/مشاهد الفيلم، كما أن سيناريو الفيلم من تأليف المخرج نفسه الذي جاء مطعما باقتباسات سينمائية وموسيقية وفكرية لمبدعين عالميين خلدوا في ذاكرة الانسانية..

عموما، بعد مشاهدة فيلم هشام أمل يخرج الواحد وفي ذهنه انطباع يقول أن الرجل اراد ان يقول شيئاً، تحس بنوع من الاستفزاز الداخلي، فتموج في رأسك فكرة “العين بصيرة واليد قصيرة”، وتتذكر أن ارض هذا الوطن تحبل بطاقات ابداعية يمكن لها ان تقول الكثير لو توافرت لها اسباب العمل. فقد تتاح لك امولاً طائلة وفي الاخير تنتج لنا “المعدنوس” او “المسيرة”…، وفي المقابل قد تتأبط عصاميتك وموهبتك، بدون مال ولا دعم يمكن لك أن تنتج عملا يستفز سكونية واقع السينما المغربية.

اضافة اخيرة: من غريب المصادفات أن الممثل هشام بهلول الذي ادى دور البطولة في الفيلم، بعد أن أنهى تصوير الفيلم، سيتعرض لحادث مشابه لما تعرض له سعيد الطاير، حيث تعرض لحادثة سير خطيرة ادخلته الغيبوبة لمدة غير قصيرة، وكل من سيشاهد الفيلم سيعتقد أنه تم تصويره بعد أن تعرض هشام لما تعرض له، وأن في الفيلم اشارات للحادث الاليم الذي تعرض له بهلول، غير أن الحقيقة عكس ذلك، فقد عاش هشام في الحياة تقريبا نفس ما عاشه وهو يتقمص دور “سعيد الطاير”، فهل كان وهو يؤدي دور “سعيد الطاير” يستشرف الحادث الاليم الذي تعرض له؟ ربما…

اعلان فيلم “ميلوديا المورفين”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.