عش الحمامة

“- إذا عارضتني هذه المرة، فسأرمي بكِ أنتِ خارجا، قال
– تعقل شيئا ما، ألا تعرف أن حقوق الحمام هنا، تحفظها الدولة. تعقل كي لا تصبح أنتٓ، بين عشية وضحاها، دون سكن ودون مأوى”
توطئة لا هي ببداية قصة ولا هي بنهايتها، وربما لا تمت حتى بأي صلة الى تطورات الأحداث في القصة الآتية
……
……
– سنرميه قلت لكِ
– وأنا قلت لكَ لن نرميه، سنحتفظ به
في نهاية المطاف، لكن عند بداية هذه القصة، أودعت الأم صوانها القديم في الشرفة بدل أن ترميه. سيصلح لجمع أغراضنا، قالت لزوجها.
حقا برهن الصوان منفعته على مدار السنوات. ففي الشتاء توظفه الأم كثلاجة، أما في الأيام الدافئة، فتستغله كمستودع للأواني والأمتعة المنزلية الأخرى.
لكن قبل ثلاثة سنوات بالضبط حدث شيء لم يطرأ على حسبان أحد، عندما اختارت حمامة سطحه لتبني عليه عشها.
لما اكتشفت الأم الأمر، كانت الحمامة قد وضعت فيه بيضها.
– يا ويلي!! اكتشفته جد متأخرة. لقد بدأ الحضن وما علي الآن إلا أن أقبل بهذا الوضع رغم بلاء الحمام الذي سنصاب به في الأيام المقبلة.
لقد وقع كل ما توقعته الأم وعاث الحمام بإفرازاته فسادا فوق الصوان وفي الشرفة ومحيطها. لما تفرخ العش وغادره كتاكيت الحمام، قالت الأم:
– المرة القادمة سأراقب الشرفة جيدا. لن اترك تلك الحمامة تعود وتبني عشها مرة ثانية. إنها حتما ستعود، لأنها وجدت كل الراحة في شرفتنا. سأغسل الشرفة وأنظفها بيدي. لن أطلب من أي أحد مساعدتي في هذا. إنني أنا السبب في كل هذا البلاء حين حرمت أولادي من الشرفة كي لا يزعجوها.
 بعد سنة تقريبا، بدأت الأم تراقب الشرفة، في كل يوم مرتين أو ثلاثة مرات.
– لن تعود قلت لكِ
– انتظر. ستعود لا محالة، وستحاول أن تبني عشها كما في المرة السابقة.. لكني لن أغمض عيني، سأبقى يقضة متفطنة ولن أسمح لها أن تفعل هذه المرة.
مرت أسابيع كثيرة دون أن ترى الأم أثرا للحمامة.
– لم تعذبين نفسك يا امرأة، لقد قلت لكِ أنها لن تعود، ربما ماتت الحمامة هذه، وفصل الربيع هذا الذي نحن فيه، قد أوشك على النهاية.؛ لقد باض من باض وفرخ من فرخ؟
– ستعود قلت لكٓ. أنا من يمتلك كبدا مثلها وأفهمها جيدا… ستعود..
وبغتة كانت الحمامة هناك مع ذكرها، وقد حطا على سطح الصوان يتفحصان المكان.
– ها هما! لقد عادا كما قلتِ، اخرجي إلى الشرفة واطرديهما.
– إفعل، انت رجل.. كبدي أنا لا يسمح لي بمثل هذه الأفعال.
خرج الأب وهش عليهما ثم طارا. مضت ايام دون أن يُرى للحمام أثرا.
– هل رأيتِ، الهش ينفع كما ينفع معكن النساء، العصى.
– الأم، أي أم، من أية فصيلة كانت، لا تستسلم بهذه السهولة..هيا بنا نخرج إلى الشرفة ونتفحص المكان، ربما اختارت الحمام فرصة انشغالنا وبنت عشها في غفلة منا.
حقا كان العش هناك وقد اكتمل بناءه
– بنت الحرام.. فعلتها.. سأحطم العش وأرمي به، ولن يعودا
– سيعودا إن فعلت. العصى لا ينفع في هذه الدولة، ان وجدا عشهما قد خرب، ومكانه بقي على حاله، فحتما سيبنيان عشا آخر في نفس المكان، وأنت رأيت السرعة التي يتم فيها هذا.
– أنت السبب في كل هذا، لو أخذت بنصيحتي في تلك المرة ورمينا الصوان، لما جاءت الحمام الى شرفتنا ولما ابتلينا بها. ماذا سنفعل الآن ؟ سأرمي بالصوان وأحمله بيدي الى مجْمع النفايات. أنت لا تسمعين لي جيدا وأنا أدفع دوما الضريبة على هذا..
– أعرف حيلة. سأحط برميلا على العش بالمقلوب. وحين ستأتي الحمامة وتعرف أن عشها موجود، لكن دون منفعة، فستلتجأ الى بناء عِش آخر في موضع بعيدا عن شرفتنا.
وضعت الأم البرميل على العش ولما عادت الحمامة ولم تجد من حيلة لتدرك عشها، غادرت الشرفة الى وجهة غير معروفة، لكن الأم بقيت أياما وضميرها يؤنبها:
– ارتكبت ذنبا كبيرا في حقها. فليغفر الله لي هذا.
– ماذا لو لم تجد وقتا كافيا لبناء عشها ولا تستطيع أن تحتفظ ببيضها في بطنها؟
سأكون قد اقترفت جريمة لا تغتفر.
– فليكن يا امرأة. إنها مجرد بيضة، لا أقل لا أكثر
– لم لا تقول نفس الكلام عن أولادك؟ لم لا تقول انهم مجرد اولاد، لا أقل لا أكثر. أنت لا تمتلك لا كبدا ولا قلبا.
هذه السنة عادت الحمامة من جديد دون أن تعير اهتماما لما وقع لعشها في المرة السابقة. رأتها الأم فوق سطح الصوان. هشت عليها.. حاولت طردها، لكن الحمامة حرمت كحصان وتصدت لكل محاولاتها بمنقارها وأجنحتها، دون ان تغادر الشرفة..
يئست الأم من محاولاتها وعادت أدراجها والخيبة تعتريها:
– اطفالي، من هنا فصاعدا لا تستعملوا الشرفة. لا تخرجوا وتزعجوا جيراننا. ستتحطم كبدي ويدمى قلبي إن فعلتم.. لقد صرنا الآن والحمام جيرانا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.